.لله تعالى
قال الإمام الشيخ عبد الله الهرري رحمه الله وغفر له ولوالديه
رُوّينا في سُنَنِ أبي داود أن أهلَ نَجران أقرَّهُم رسولُ الله بالجزية وشرط عليهم أن لا يأكلُوا الرّبا، وأنهم ان احدثوا حدثاً أو أكلوا الرّبا، أي ان نقضُوا العَهْدَ أو أكلوا الربا الذي اشترطَ عليهم رسولُ الله أن لا يأكلُوه انتقضَ عهدهُم، خرجُوا عن كونِهم ذميّين. ثم أجلاَهُم عمرُ بنُ الخطاب بعد وفاة رسول الله لنقضِهِم العَهْد، أجلاهُم أي أخرجَهُم من أرض اليمن. هي نَجْران معدودَةٌ في الأصل من اليمن، والآن هي مع السّعودية، تحتَ حكم السّعودية، كان هناك مسكنَهُم. كان عمرُ بنُ الخطابِ خاف على المسلمين منهم لأنهم وجدَهُم عمرُ قد تكاثَروا فحدثَ السّببُ من قبلِهِم، وهو أنّهم خالفُوا الشّرط، شرطَ الذّمةِ الذي وضعَه عليهم رسولُ الله فانتهز هذه الفُرصةَ فطردَهُم، أجلاهم، فالكافرُ الذّميّ لا يجوزُ لعنُه في وجهه، وفي خلفه بحيثُ يبلُغُه فيتأذّى، مع كفره لا يجوز، هو يفترق عن سائر الكفار مع كفره يختلف عن غيره عن غير الذميين من الكفار، وكذلك الْمعَاهَد يفترق عن غيره. والمعاهَدُ هو الذي صالحَهُ إمامُ المسلمين لمصلَحةِ الإسلام على ترك المقاتلةِ من الجانبين لمدّة لا تزيدُ على عَشْر سنين. فكفّار قريش عاهدَهُم رسولُ الله عام الحُدَيبيةَ على تركِ قتالِهم، أي على أن لا يقاتلَهُم ولا يقاتلوه عشْرَ سَنَوات. ثم انتقَضَ عهدُهُم، بعدَ عامين هم نقضُوا العهد، الرسول ساحتهُ منزّهةٌ عن نقضِ العهد، هو أوْفى الناسِ بالعُهُود، أوفى خلق الله بالعهدِ هو رسولُ الله .
إنما نقضُ العهد حصلَ منهم، كانوا ساعدُوا طائفةً من الكفار دخلوا في ذمتِهم، على ضربِ طائفةٍ من الكفّار كانُوا داخلينَ في عهدِ رسولِ الله ، أولئك الذين كانوا في عهد قريشٍ كفار قريش مشركي مكة يقال لهم بنو بكر، والذين كانوا في عهد رسول الله يقال لهم بنو خُزَاعَة، هؤلاء كفار قريشٍ الذين كانوا عاهدوا رسولَ الله وعاهدَهُم على ترك القتال عشرَ سنوات، ساعدوا هؤلاء بالسّلاح والخَيل ليضرِبُوا أولئكَ الذين كانَ لهم عهدٌ من رسولِ ، فبذلك انتقض عهدهم فغزاهم رسول الله، بعدَ مُضِيِ عامينِ من مدّة الهُدنَة. ففتحَ رسولُ الله مكّة. وفي ذلك أنزلَ الله تباركَ وتعالَى: {إذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْحُ وَرَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللهِ أفْوَاجًا فَسَبِـّحْ بِحَمْدِ رَبِـّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنّهُ كَانَ تَوّابًا} [سورة النصر ءاية ].
ثم ليسَ من شرطِ جوازِ اللّعن لشخصٍ مسلمٍ فاسقٍ فاجرٍ غشّاش أو كافرٍ من الكفار أن يُعْلَم موتُه على الكفر بطريقِ الوحي من اللهِ تعالى، فقد لعنَ رسولُ اللهِ أشخاصاً، من غيرِ أن يوحَى إليه أنّهم يموتونَ على الكفر، بلْ أسلمُوا بعدَ ذلكَ، بعد أن لعنَهُم، وصارُوا من المسلمين الطيّبين. هذا القول الذي يدور في أفواه كثيرٍ من المتفقّهة، أنه لا يجوز لعنُ الكافر المعيّن الذي لم يرد نصّ موته على الكفر قولٌ ضعيف لا يؤخذُ به. فمعنى الحديث "لعنُ المسلم كقتله" أي أنّ من يلعنُ مسلما بدون سبب شرعي، أي لا هو غشّاش للناسِ في معاملاتهم الدنيوية أو في أمورِ الدّين، ولا هو متجبّر حَطَّام حُطمَةٌ للنّاس، ولا هو في معنى ذلك، هذا الذي قال فيه الرسولُ إنّ ذنبَه كذنبِ قتلِه.
فلْيحفظِ المرءُ لسانَه عن اطلاقِ اللّعنَة على أحدٍ من المسلمين، إلا أن يتحقّقَ أنّه من أهلِه، كأن يعلَم منه أنه غشاشٌ في تجارتِه أو معاملاتِه التي يعامِلُ بها الناسَ باسم الدّين. كهؤلاء الذين يتصدّرون للتدريس، أو لإعطاء الطريقة، يوهمون الناسَ أنّهم أولياءُ الله حتى يعتقدَ فيهمُ النّاس، ويهدوهُم الهدايا، يسخَوا لهم بأموالهم، هؤلاء جائز لعنهم.اهـ
رحم الله من كتبه ومن نشره
لا فلاح إلا بتعلم أمور الدين
