بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الخامس والسبعون
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
التفكر في مخلوقات الله
قال الله تعالى: (ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار) آل عمران.
فاعلم يا أخي المسلم وفقك الله توفيق العارفين وجمع لك خير الدنيا والدين إن الله تبارك وتعالى خلق العقول لتميز الحسن من القبيح والحق من الباطل وللتفكر والاعتبار بما أودعه الله من العجائب في مخلوقاته قال الله تعالى (قل انظروا ماذا في السموات والأرض) سورة يونس. وقال (وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون) سورة الأنبياء. إلى غير ذلك من الآيات البينات والدلالات الواضحات التي يفهمها كل ذي عقل سليم.
اعلم رحمك الله أنك إذا تأملت هيئة هذا العالم ببصرك وتصورته بفكرك لوجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع ما يحتاج إليه ساكنُه من آلة وعتاد، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرضُ ممدودة كالبساط، والنجومُ منضودة كالمصابيح، والجواهرُ مخزونة كالذخائر وأصنافُ النبات مهيأة للمطاعم والملابس والمآرب، وصنوف الحيوان مسخرة للراكب ومستعملة في المرافق، والإنسانُ كالملك في البيت. وفي هذا دلالة واضحة على أن العالم مخلوق بتدبير وتقدير ونظام وأن له صانعًا حكيمًا تام القدرة بالغ الحكمة.
من فوائد مخلوقات الله.
وقد خلق الله السماء، وجعل لونها أشد الألوان موافقة للأبصار وتقوية لها ولو كانت أشعة وأنوارًا لضرت الناظر إليها طويلًا، وإن النظر إلى الخضرة والزرقة فضلًا عن كونه موافقًا للأبصار فإنه يحدث في النفوس راحة ونعيمًا. قال الله تعالى: (أفلم يروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج) سورة ق.
أما الحكمة من خلق الشمس فقد قال سبحانه وتعالى: (وجعل الشمس سراجا) سورة نوح. وقال تعالى أيضًا: (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورًا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعقلون) سورة يونس. فالله تعالى خلق الشمس لحكم لا يعلم عددها إلا هو وحده فقد جعل الله حركات لإقامة الليل والنهار في جميع أقالم الأرض ولولا ذلك كيف كان الناس يسعون في معايشهم ويتصرفون في أمورهم والدنيا مظلمة عليهم وكيف يتهنون بالعيش إذا فقدوا لذة النور ومنفعته؟
لولا ضياء نور الشمس لما انتفع بالأبصار ولم تظهر الألوان ولم يعرف الأسود من الأحمر ولا الأبيض من الأزرق ولا غير ذلك من الألوان. قال الله تعالى في سورة القصص: (قل أرأيتم أن جعل الله عليكم الليل سرمدًا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم أن جعل الله عليكم النهار سرمدًا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون) فانظر كيف جعل الله الليل سكنًا ولباسًا والنهار معاشًا.
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
وحسبنا قول الله تعالى: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) الذاريات. ففي هذه الآية يكفي لأن يحمد الإنسان ربه ليلًا ونهارًا وقيامًا وقعودًا. فقد أعطاه الله قدرات لو منعه إحداها لأصبح عاجزًا. فلينظر كيف يدخل الطعام والشراب إلى جوفه من خلال فمه فيتذوق بلسانه ويتنعم بطيبات ما رزقه الله، ثم إلى معدته حيث يتحلل بمواد الله أعلم بها ثم إلى أمعائه حيث يفصل ما يستفاد منه إلى الدم وما لا فائدة منه إلى المخرج، فسبحان الله، ولينظر ويتفكر بما أنعم الله عليه من نعم: نعمة البصر والسمع والذوق واللمس والحركة والسكون والنوم والقيام إلى ما هنالك من النعم. فالحمد لله كثيرًا.
التفكر في خلق الله يقوي الإيمان
ومما يدل على فضيلة التفكر فيما خلق الله ما جاء في القرآن في قوله تعالى: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض) سورة آل عمران.
فلا ينبغي لنا إخوة الإسلام أن نقرأ هذه الآية ثم لا نعمل بها ولا نكون على مقتضاها ولا سيما في هذا الزمن العجيب المليء بالفساد والجهل فإن تخصيص بعض الأوقات بالاشتغال في التفكر خلق الله يزيد المرء إيمانًا بالله وتصديقًا بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا أنس في هذه الدنيا أعظم من النس بالله تبارك وتعالى والتنعم بذكره سبحانه جل شأنه وتقدس اسمه. فقوله تعالى: (ويتفكرون في خلق السموات والأرض) فيه مدح بليغ للذين يتفكرون في خلق الله لتقوية الإيمان واليقين الموجود في صدورهم والمتمكن في قلوبهم. ومن مدحه الله تعالى فهو في خير عميم وعلى صراط مستقيم. فشدّ يد على هذا الذخر العظيم وكن من الإيمان في مزيد وفي صفاء القلب ذا تجديد.
التفكر في مخلوقات الله فيه ثواب عظيم:
ثم اعلم يا أخي المسلم الموحد لربه إن في التفكر في مخلوقات الله ما يرفع من درجات المسلم عند الله ويحط من سيئاته لأنه عبادة لله وتعظيم وإجلال. وقد كان شأن كثير من أولياء الله أنهم كانوا يميلون إلى العزلة والخلوة لأن فيهما ميل عن الدنيا وملذاتها وشهواتها فيتركونها إلى ذكر الله وشكره والتفكر بمخلوقاته.
اللهم علمنا ما جهلنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا. اللهم ارزقنا رزقًا نافعًا ولسانًا ذاكرًا وقلبًا خاشعًا إنك أنت الوهاب.