بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثمانون
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين وصحابته أجمعين.
فضل صلاة الجماعة
قال الله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين) (البقرة).
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء ولو يعلمون ما فيها لأتوهما ولو حَبْوًا، لقد هممتُ أن آمر المؤذن فيقم ثم آمر رجلًا يومُ الناس ثم آخذ شعلًا من نار فأحرق على من لا يخرج إلى الصلاة بعد" رواه البخاري.
إخوة الإسلام، إن هذا الوعيد استدل به العلماء على وجوب صلاة الجماعة، وصلاة الجماعة فرض كفاية على الذكور الأحرار المقيمين البالغين غير المعذورين أي أنه إذا قام بها البعض سقط الفرض عن البعض الآخر، وتنعقد باثنين فأكثر. وقوله تعالى: (واركعوا مع الراكعين) يدل على معنى المشاركة والجماعة.
فضلها:
لصلاة الجماعة فضائل كثيرة تحدث عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن أبي سعيد الخدري أنه سمع صلى الله عليه وسلم يقول: "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة" (رواه البخاري)، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين صلاة يصليها وَحْدَه" (رواه مسلم)، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاة الرجل في الجماعة تُضعَّفُ على بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخطُ خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه خطيئة فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه اللهم صل عليه، اللهم ارحمه ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة" رواه البخاري.
وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادي بهن فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف" رواه مسلم.
حرص النبي على صلاة الجماعة:
ومما يشهد على شدة حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أداء الصلاة جماعة بالرغم من شدة مرضه ما حدّث به عمر بن حفص بن غياث قال: حدثني أبي قال: حدثنا الأعمش عن إبراهيم قال الأسود قال: "كنا عند عائشة رضي الله عنها فذكرنا المواظبة على الصلاة فأذن فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" فقيل له: إن أبا بكر رجل أسيف (رقيق القلب) إذا قام في مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس وأعاد فأعادوا له فأعاد الثالثة فقال: إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالناس، فخرج أبو بكر فصلى فوجد النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة فخرج يُهادي بين رجلين كأني أنظر رجليه تخطان من الوجه فأراد أبو بكرٍ أن يتأخر فاومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم إن مكانك ثم أتي به حتى جلس إلى جنبه فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأبو بكر يصلي بصلاة النبي والناس يصلون بصلاة أبي بكر" رواه أبو داود.
ثمرات طيبة في صلاة الجماعة:
إن اجتماع المسلمين في المساجد كل يوم خمس مرات يؤدي إلى ثمرات طيبة ونفع عظيم للمسلمين فهو يؤدي إلى التعارف والتعاون والتآلف بينهم ويصل القلوب بروابط المحبة فيعين القويُّ الضعيفَ ويعود الصحيحُ المريض ويرحم الغنيُّ الفقير وفي صلاة الجماعة يقف المسلمون صفًا واحدًا كأسنان المشط فيقف الكبير إلى جانب الصغير وصاحب العمل إلى جانب العامل والتاجر إلى جانب الأجير والقائد إلى جانب الجندي والأمير في صف المسكين وكل الرؤوس خاضعة لله وحده. فلا فضل لأحد على آخر إلا بالتقوى.
وصلاة الجماعة تُعوّد على حب النظام والانتظام في أمر الجماعة الأمر الذي يزيد من شوكة المسلمين وتآلفهم والتزامهم كلام القائد في أمره ونهيه فهم يقتدون بإمامهم يُكبّرون إذا كبّر ويركعون إذا ركع ويسجدون إذا سجد لا يسبقونه في فعل ولا يبتدرونه بعمل، فصلاة الجماعة من أهم شعائر المسلمين التي اهتم بها النبي وصحه، قال تعالى: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) (الحج) وقال تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) (آل عمران).
فيا أخي المسلم عليك بسنة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وباتباع شرعه وبالتزام هديه فإن أفضل الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وبه عزنا وسؤددنا في الدنيا والآخرة.
اللهم أمِدَّنا بأمداد نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ووفقنا إلى كمال الاقتداء به والعمل بسنته الشريفة، اللهم يا جامع الناس في يوم لا ريب فيه إجمع قلوبنا وإخواننا على طاعتك ومرضاتك وآخر دعوانا أن الحمدُ لله رب العالمين.