بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الخامس والخمسون
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ليلة خير من ألف شهر
قال الله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر).
اعلموا إخوة الإيمان أن ليلة القدر ليست مما خُصت به أمة الحبيب المصطفى بل كانت أيام الأنبياء السابقين وإنما الحظ الذي خصت به الأمة المحمدية هو أنها وفقت ليكون شهر رمضان هو شهر صيامهم أما من قبلهم من أمم الأنبياء السابقين فلم يكن رمضان هو شهر صيامهم، وهذه فضيلة من فضائل كثيرة خص الله بها أمة محمد التي هي أفضل الأمم فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنتم تُتِمُون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرها على الله" رواه الترمذي.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أُنزل القرآن ليلة القدر ليلة أربع وعشرين من رمضان وأُنزلت التوراة لستِ ليال مضين من رمضان وأُنزل الإنجيل لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان" رواه الإمام أحمد والبيهقي. هذا الحديث الشريف فيه تفسير قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر). أي أنزلنا القرآن دفعة واحدة إلى بيت العزة في السماء الأولى في شهر رمضان في ليلة القدر، وكانت ليلة القدر في ذلك العام ليلة أربع وعشرين. ويُعلم من هذا الحديث أيضًا أن ليلة القدر ليست خاصة بالسابع والعشرين من رمضان، فكل ليالي رمضان يجوز أن تكون هي ليلة القدر، لكن الغالب أن تكون ليلة القدر في العشر الأخير منه.
ثم من بيت العزة الذي في السماء الأولى صار جبريل عليه السلام يُنزل بالآيات على رسول الله صلى الله عليه وسلم على حسب الأمر الإلهي شيئًا فشيئًا حتى تكامل نزوله على الرسول صلى الله عليه وسلم في نحو ثلاث وعشرين سنة. وأول ما أنزل عليه صلى الله عليه وسلم حين كان في غار حراء خمس آيات فقط وهي أول سورة العلق ثم بعد ذلك أنزل نجومًا أي مفرقًا. فالقرآن الكريم لم ينزل على الرسول دفعة واحدة في مصحف إنما كان ينزل عليه شيئًا بعد شيء وأحيانًا كانت تنزل عليه سورة كاملة. وكان صلى الله عليه وسلم كلما نزل عليه شيء من القرآن يعلمه أصحابه ليحفظوه حتى تم نزوله كله.
أحاديث في فضل ليلة القدر
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تَحَرّوا ليلة القدر في العشر الأواخر" متفق عليه. أي أنها في الغالب لا تكون إلا في العشر الأواخر من رمضان.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدّم من ذنبه" متفق عليه.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل وأيقظ أهله وجدّ وشدّ المئزر". متفق عليه. وعنها رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله إن علمت ليلة القدر ما أقول فيها قال: "قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" رواه الترمذي.
ليلة القدر الليلة العظيمة
قال تعالى: (وما أدراك ما ليلة القدر) وهذا على سبيل التعظيم لها والتشويق إلى خيرها. (ليلة القدر خير من ألف شهر) أي أن الله سبحانه وتعالى جعل العمل الصالح في ليلة القدر خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر. (تنزل الملائكة) أي أن الملائكة تنزل إلى الأرض وسبب هذا أنهم لما قالوا "أتجعل فيها من يفسد فيها" وظهر لهم أن الأمر بخلاف ما قالوه وتبين حال المؤمنين المتقين وما هم عليه من الطاعة والعبادة نزلوا إليهم ليسلموا عليهم. "والروح" هو سيدنا جبريل عليه السلام.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كانت ليلة القدر نزل جبريل في كبكبة من الملائكة يصلون ويسلمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله عز وجل" رواه السيوطي في الجامع الكبير (بإذن ربهم) أي بأمر ربهم (من كل أمر) أي بكل ما أمر به وقضاه. (سلام هي حتى مطلع الفجر) أي على الأولياء وأهل الطاعة.
إن الله عز وجل يُظهر للملائكة ما قدره من الأمور والأحكام والأرزاق والآجال وما يكون في تلك السنة إلى مثل هذه الليلة من السنة المقبلة ويُعرّفهم إياه ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم. وقيل إنها سميت ليلة القدر لعظم شأنها وقدرها على الليالي.
زكاة الفطر
اعلم يا أخي المسلم وفقنا الله وإياك لطاعته أن الفرائض هي أفضل ما يُتقرب به إلى الله عز وجل ومن جملة هذه الفرائض المتعلقة بشهر رمضان زكاةُ الفطر. وزكاة الفطر تجب بإدراك جزء من رمضان وجزء م شوال بأن كل حيًا عند غروب شمس آخر يومٍ من رمضان. وعلى هذا تجب على الولي عن المولود الجديد الذي وُلد آخر أيام رمضان وأدرك جزءًا من شوال.
والمسلم يُخرج زكاة الفطرة عن نفسه وعمن عليه نفقتهم إن كانوا مسلمين. ومن كان له أبوان مسلمان فقيران وجب عليه أداء الزكاة عنهما. ويجب على الرجل المسلم فطرةُ زوجته وأولاده الذين هم دون البلوغ. وأما الابن والابنة البالغين فلا يجب على الأب دفع زكاة الفطر عنهما وإنما يؤدي الولد البالغ عن نفسه إن استطاع، وإن لم يستطع جاز لأبيه أن يدفع له أو عنه بإذنه.
وإنما تجب زكاة الفطرة على من عنده مالًا فاضلًا عن دينه وكسوته ومكسنه وقوت من عليه نفقتهم يوم العيد وليلته. وأما مقدار الزكاة التي تجب إخراجها عن كل واحد صاعٌ من غالب قوت البلد. وأهل بلدنا يُخرجون ما مقداره ملء كفين أربع مرات من القمح وهو المسمى بالصاع. ومن شاء قّوم الصاع وأخرج مالًا بقيمته. ولا بد من النية في أداء الزكاة وهو أن ينوي بقلبه زكاة الفرض لقوله صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنيات" أين أن الأعمال الصالحة لا تكون معتبرة إلا بالنية. وتُعطى زكاة الفطرة لأي صنف من الأصناف الثمانية المذكورة في القرآن الكريم المستحقين للزكاة كالفقير والمسكين. ويجب أداؤها قبل غروب شمس يوم العيد ويحرم تأخيرها عنه بلا عذر مع العلم بأنه يجوز دفعها في أول رمضان.
أخي المسلم، شارفَ رمضانُ على نهايته فهلاّ وطدت نفسك على أداء الفرائض وفعلِ الخيرات والمبرّات قبل أن يفارقنا شهر القرآن والبركات.
