بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السادس والستون – تفسير آية الكرسي
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وعلى آله وأصحابه الطيبين.
وبعد، فإن أحسن الكلام كلام الله وأحسن الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
ومما ورد عنه عليه الصلاة والسلام بالإسناد المتصل في صحيح أبي عبد الله البخاري من حديث أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في آية الكرسي "أنها سيدة آي القرآن" أي أنها أفضل آية في القرآن وذلك لما احتوت عليه من المعاني التي منها توحيد الله تعالى ولما فيها من إثبات علم الله المحيط وأن أحدًا سوى الله ليس علمه محيطًا بكل شيء وأن الله تبارك وتعالى لا يعتريه عجز ولا سنة أي نُعاس ولا نوم، فما هي معاني هذه الآية العظيمة؟
(الله لا إله إلا هو الحي القيوم) في هذه الآية وصف الله تعالى نفسه بإنه لا إله سواه وأنه حي بحياة أزلية أبدية ليست بروح ودم وجسد ليست كحياة غيره فهو حي لا كالأحياء. وفي هذه الآية إثبات القيومية لله تعالى، والقيومية عبارة عن استغنائه تعالى عن كل شيء واحتياج كل شيء إليه فالله تعالى لا ينتفع بطاعة الطائعين ولا يتضرر بمعصية العصاة وإنما من أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها ولن يضر الله شيئًا.
قال تعالى: (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد) (فاطر) فهذه العوالم بما فيها من ملائكة وإنس وجن لا تستغني عن الله طرفة عين وليس معنى "القيوم" كما يظن بعض الجاهلين أنه قائم فينا أي الداخل فينا بل معناه أن الله هو المدبر لجميع الأشياء.
وأما معنى (لا تأخذه سنة ولا نوم) أي لا يصيبه نعاس ولا نوم لأنه منزه عن التطور والتغير والانفعال، هو خَلَق فينا الانفعالات والتطورات وأما هو فلا يكون ذا انفعالات ولا ذا تطورات لأن خالق الشيء لا يكون موصوفًا به.
وأما معنى (له ما في السموات وما في الأرض) أي أنه مالك ما في السموات وما في الأرض أي من ذوي العقول كالملائكة والإنسان والجن وغير ذوي العقول من البهائم ونحوها، فالله تعالى مالك ذلك كله.
قال تعالى: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) معنى هذه الكلمة أن أحدًا لا يشفع عند الله إلا بإذن الله فيوم القيامة الملائكة يشفعون لبعض عصاة المسلمين وكذلك يشفع الأنبياء والشهداء والعلماء العاملون لأهل الكبائر من المسلمين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" رواه الترمذي. أما الكفار فلا يشفع فيهم أحد من الأنبياء بدلالة قوله تعالى: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) (الأنبياء) أي إلا لمن مات على الإيمان.
وأما معنى (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء). معناها أن أهل السموات أي الملائكة وأهل الأرض بما فيهم من الأنبياء والأولياء من الإنس والجن لا يحيطون بشيء من علم الله، أي من معلومات الله إلا بما شاء أي إلا بالقدر الذي علمهم الله إياه. سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ذات يوم ضاعت له ناقة، فقال بعض الكفار مستهزئًا بالرسول، إن محمدًا يزعم أنه يأتيه خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته التي ضلت ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إني لا أعلم إلا ما علمني ربي وإنها بمكان كذا فذهبوا فوجدوها في المكان الذي أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا أحد يعلم الغيب كله إلا الله.
قال تعالى: (وسع كرسيه السموات والأرض) الكرسي هو جِرْمٌ عظيم خلقه الله تعالى، وهو بالنسبة لعُظم العرش كالكرسي بين يدي السرير، لذلك سُمي الكرسي، ثم الكرسي جرم كبير، فقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما السموات السبع في جَنْبِ الكرسي إلا كحَلقة في أرض فلاة". من رواية ابن حبان. الفلاةُ هي الأرض البرية، أي أن السموات السبع بالنسبة إلى الكرسي كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض، ثم قال عليه الصلاة والسلام وفضلُ العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة أي أن الكرسي نسبته من العرش كنسبة الحلقة من الفلاة.
قال الله تعالى: (ولا يؤوده حفظهما) أي لا يُتعبُ الله حفظُ السموات والأرض لأن كل الأشياء هينة على الله، فكما أن خلق الذرة هين على الله فخلق السموات السبع والكرسي والعرش هين على الله لا يصعب على الله شيء ولا يصيبه تعب وفي ذلك تكذيب لليهود الذين قالوا إن الله تَعِبَ بعد خلق السموات والأرض واستلقى ليستريح يوم السبت والعياذ بالله تعالى فرد الله عليهم في القرآن بقوله: (ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب) (سورة ق). أي من تعب.
ومعنى (وهو العلي العظيم) أن الله عالي القدر وليس المقصود علو المكان لأن الله تعالى منزه عن الجهة والمكان. بل المقصود أنه أعلى من كل شيء قدرًا، أقوى من كل قوي، أقدر من كل قادر، وهو العظيم أعظم من كل شيء قدرًا.
وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضل آية الكرسي أنه قال يومًا لأحد الصحابة يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قلت الله لا إله إلا هو الحي القيوم. فضرب رسول الله في صدره وقال ليهنئك العلم أبا المنذر. رواه مسلم.
واعلم أخي المؤمن أن كل حرف من القرآن فيه عشر حسنات وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف" رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
أخي المؤمن تذكر أن أبواب الخير كثيرة ونِعَم الله كثيرة فلا تشغل نفسك بالدنيا عن الآخرة لأن الدنيا لا تُغني عن الآخرة والحمد لله على هذه النعم وعلى ما علّمنا رسول الله من الخير الكثير.
اللهم الرزقنا قلبًا خاشعًا ولسانًا ذاكرًا وبدنًا على البلاء صابرًا، اللهم فقهنا في الدين وحفظنا القرآن الكريم واحفظنا ببركته يا رب العالمين.
