بسم الله الرحمن الرحيم
سيدنا نوح عليه السّلام هو من ذريّة سيّدنا شيث بن آدم عليهما السّلام، سكن الجزيرة العربيّة وكان كغيره من أنبياء الله تعالى عبداً شكورا. و كان لا يأكل طعاماً أو يلبس لباساً إلاّ حمد الله تعالى. وكان يأكل من كسب يديه فرعى الغنم ولكن رعي الغنم لم يكن مهنته الأساسيسة فنبي الله نوح عليه السّلام كان نجّارا. وكان عليه السّلام كباقي الأنبياء الكرام يعلّم النّاس دين الإسلام وسيّدنا نوح عليه السّلام كان أوّل نبي مرسل إلى الكفار حيث بقي يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، يقول لهم اعبدوا الله وحده لا شريك له ولا شبيه له ولكن لم يصدقه ولم يؤمن به إلا ثمانون إنسانا، فأمره الله تعالى أن يبني سفينة عظيمة وألهمه ربه أنه سيأتي يوم وسيفور الماء من التنور وهو الحجر الذي كان يخبز عليه الخبز في الدار فإن حصل هذا الأمر فاركب أنت وأصحابك هذه السفينة،
فنفذ سيدنا نوح عليه السلام ما أمره به ربه، وبنى على اليابسة أكبر سفينة في ذلك العصر، فكان يمر به المشركون ويضحكون استهزاءً ويقولون تبني سفينة على اليابسة هل أنت مجنون وأما امرأة نوح عليه السلام وكان اسمها واعلة فبعد أن رأت أن الأمر طال قالت لسيدنا نوح أما ينصرك ربك، فقال لها بلى، قالت فمتى، فأجابها إذا فار التنور، فخرجت تولول قائلتًا لقومها يا قوم والله إنه لمجنون يزعم أنه لا ينصره ربه إلا أن يفور التنور فكان هذا كفرًا منها وخيانة لسيدنا نوح عليه السلام، وبعد مرور السنين رأت امرأة نوحٍ عليه السلام بأن الماء يفور من التنور فاندهشت وأخبرته بذلك فقال عليه السلام جاء وعد ربي حقا، ومع أنها رأت وشاهدت هذه المعجزة إلا أنها لم تؤمن ولم تسلم،
وصار الماء يفور من ذلك التنور بشدة وقوة، وكأنه يغلي ثم صار يأتي بجوانب الأرض ويدور حولها كالإكليل حتى إن الأرض قد تفجرت عيونا وتفتحت أبواب السماء بالماء، فصار المطر ينزل كأفواه القرب وصارت البهائم تأتي وسط الأرض هربًا من الماء وجاءت الريح فدفعتها وسيدنا جبريل يحشرها حتى تجمعت عند السفينة سبحان الله، وكان نوحٌ عليه السلام واقفًا على باب السفينة يدخلها إليها فيضرب بيديه على الزوجين من البهائم فتقع يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى فيدخلها السفينة وقيل إن الأوزة أول من دخلها وآخرها دخولًا كان الحمار، ولم يدخل إلى السفينة إلا ما يلد وما يبيض، فأما البق والذباب والدود فلم يحمل شيئًا منها وإنما خرجت بإذن الله من الطين،
ويروى أنه جاءته الحية والعقرب لدخول السفينة فقال لهما لا أحملكما لأنكما سبب الضرر والبلاء فقالتا احملنا فنحن نضمن لك أن لا نضر أحدًا ذكرك، فمن قرأ حين يخاف مضرتها سلامٌ على نوحٍ في العالمين لم تضره بإذن الله تعالى، وكان بين المؤمنين الثمانين الذين ركبوا السفينة أولاده الثلاثة حام وسام ويافث،
وأما ولده الرابع كنعان فلم يعرف سيدنا نوح أنه كان كافرا، فناداه ليصعد السفينة لكن لم يقبل وأبى واستكبر وظن أنه لو تعلق في رأس جبل لنجى من الغرق فركب فرسه معجبًا بنفسه وصعد على قمة جبل طور سيناء وما كاد يصل إليها حتى جاءت موجة عظيمة فاتبلعته هو وفرسه، فإن مياه الأرض فاضت وارتفعت إلى علو سبعة عشرة ذراعا، وكانت حارة مثل الحميم وتلاقت مع ماء السماء الذي كان باردًا مثل الثلج فوصل ارتفاع الماء المتجمع أربعين ذراعا فوق أعلى قمة جبل، وفي وسط هذا الجو المفزع والعواصف المخيفة والرياح القوية، كانت السفينة تجري في موجٍ عالٍ كالجبال وكان نوح عليه السلام والمؤمنون الذين معه متوكلين على الله، واثقين بحفظ الله لهم،
فلم يصبهم الخوف والفزع والهلع ومرت السفينة بمن فيها على عدة بلدان، ووصلت إلى مكة المكرمة وطافت سبع طوفات حول مكان الكعبة، التي تهدمت بسبب الطوفان، وفي أثناء هذه الرحلة حصلت لسيدنا نوح في السفينة عدة معجزات، منها أنه كان إذا قال بسم الله مجراها جرت السفينة وإذا قال بسم الله مرساها توقفت السفينة، ومن المعجزات أيضًا أنه كان معه حجران أحدهما أبيض كبياض النهار والآخر أسود كسواد الليل فإذا جاء الليل اشتد سواد الحجر الأسود وغلب بياض الحجر الأبيض، وإذا طلع الصبح اشتد بياض الحجر الأبيض وغلب سواد الحجر الأبيض فكان بذلك يعرف مواقيت الصلاة لأن المطر بقي منهمرًا وقتًا طويلا وقد احتجبت الشمس خلفه، ثم بعد مرور ستة أشهر وبعد أن مات كل البشر الذين يؤمنوا بالله ولم يصدقوا بنوحٍ عليه السلام توقفت السفينة في العراق،
واستقرت على جبلٍ منخفض هناك اسمه الجودي، فنزلوا وما إن وطئوا الأرض حتى هللوا وكبروا فرحًا وكان ذلك اليوم العاشر من شهر المحرم أي يوم عاشوراء، وكان يوم الجمعة، فصام نوح عليه السلام ذلك اليوم وأمر جميع من معه فصاموا شكرًا لله على سلامتهم ولم يكن على وجه الأرض أحدٌ غيرهم، فبنوا قرية وأسموها قرية الثمانين على عددهم بناحية الموصل، وكانت أول قرية عمرت على وجه الأرض بعد الطوفان، وما هي إلا مدة حتى مات أصحاب نوحٍ عليه السلام من رجالٍ ونساء إلا أولاده الثلاثة ونساءهم فتكاثروا وتناسلوا وبارك الله لهم في ذريتهم فكان العرب وفارس والروم وأهل الشام واليمن من ذرية سام ابن نوح عليه السلام وفيهم البياض والسمرة،
وكان السند والهند والزنج والحبشة وكل جلد أسود من ذرية حام ابن نوح وفيهم بياضٌ قليل وأما الترك والبربر وما وراء الصين ويأجوج ومأجوج والسقالبة كلهم من ذرية يافث ابن نوح وفيهم الصفرة والحمرة، فالبشر كلهم الآن ذرية نوحٍ عليه السلام، أما سيدنا نوح عليه السلام فقد عاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة، ثم مات وأما السفينة فبقيت على جبل الجودي حتى أدركها أوائل هذه الأمة، والله تعالى أعلم وأحكم.