الخطبة الأولى

الحمدُ للهِ الذِي أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِإِظْهَارِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ البَشَرِ، وقَدَّرَ وِلَادَتَهُ فِي هَذَا الشَّهْرِ الشَّرِيْفِ الأَزْهَرِ، وأرسله رحمةً للعالمينَ فكان خيرَ من بشّرَ وأنذر، أحمدُهُ تعالى حمدَ من أمرَ بالمعروفِ ونهى عن المنكر، وأشهدُ أنْ لَا إله إلَّا اللهُ وحدَهُ لَا شريكَ لهُ شهادةً أنجو بها مِنَ العذابِ الأكبرِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ صاحبُ المعجزاتِ التي بطولِ الزمانِ ذكرُهَا يُنْشَر، اللهم صلِّ وسلمْ علَى سيدِنَا محمدٍ فخرِ ربيعةَ ومُضَر، من انشقَّ له القمرُ، وكلّمه الضبُّ والشجر، وارتجّ ليلةَ ولادتِهِ إيوانُ كسرى فمالَ وانكسر، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ ومن لنهجِهِ اتّبعَ ونشر، أما بعدُ:

عبادَ اللهِ اتقُوا اللهَ تعالَى وخافوه، واعلموا أنكم صائرونَ سائرونَ للحساب، وسيُسألُ كلُّ واحدٍ منكم عن قولِهِ وفعلِهِ واعتقادِهِ، “يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ”(الحاقة:18) فاتقوا اللهَ تعالى القائلَ في كتابهِ العظيمِ:“يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ”(ءال عمران:30).

إخوة الإيمانِ والإسلام: قبل ألفٍ وأربعمائةٍ وخمسٍ وأربعين سنة؛ زدْ عليها ثلاثَ عشرةَ سنةً من مبعثِه ﷺ إلى هجرتِه ﷺ؛ زدْ عليها أربعينَ سنةً من ولادتِه إلى مبعثِه ﷺ، أي قبلَ ألفٍ وأربعمائةٍ وثمانٍ وتسعين سنةً تقريبا؛ ولد أحبُّ الخلقِ إلى الله سيدُنا محمدٌ ﷺ، فمن ءامنةَ بنتِ وَهْبٍ وزوجِها عبدِ اللهِ ولدَ محَمَّدُ ابنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ المُطّلبِ بنِ هاشمِ بنِ عبدِ مَنافِ بنِ قُصيِّ بنِ كِلابِ بنِ مُرّةَ ابنِ كَعْبِ بنِ لؤيِّ بنِ غالبِ بنِ فِهْرِ بنِ مالكِ بنِ النَّضْرِ بنِ كِنانةَ بنِ خُزيمةَ بنِ مُدْرِكةَ بنِ إلياسِ بنِ مُضرَ بنِ نزارِ بنِ مَعَدِّ بنِ عدنانَ ﷺ. ولد سيدُنا محمدٌ ﷺ في الثاني عشرَ من شهرِ ربيعٍ الأول من عام الفيلِ في مكانٍ في مكةَ يُقال له سوقُ الليل، وفي ليلةِ مولدِهِ ﷺ، ارتجّ إيوانُ كسرى وسقط منه أربعَ عشرةَ شُرفةً، إشارةً إلى أنه لم يبقَ من ملوكِ الفرسِ إلا أربعةَ عشرَ ملكًا، كان ءاخرُهم في خلافةِ سيدِنا عثمانَ ابنِ عفان رضي الله عنه، وخمدت نارُ فارس التي كانت تعبدُ من دونِ الله تعالى، ولم تَخمُدْ قبلَ ذلك بألفِ عام، وجفّت بحيرةُ ساوة(1)والتي كانت تسيرُ بها السفنُ(2). ثم إن سيدَنا محمدًا ﷺ اشتهِرَ قبلَ مبعثِهِ بالصدقِ والأمانةِ؛ بل وبكلِّ الصفاتِ الممدوحةِ؛ بل إن حجرًا كان يعرفُ النبيَّ ﷺ، ويسلِّمُ عليه قبل أن يُبعثَ ويَنزلَ الوحيُّ على سيدِنا رسولِ اللهِ ﷺ؛ فقد روى الإمامُ مسلمٌ في صحيحِه عَنْ الصحابيِّ الجليلِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رضي اللهُ عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ”حجرٌ قبل بعثة النبيِّ ﷺ، كان يخاطبُ رسولَ الله ﷺ ويقولُ السلام عليك يا رسولَ الله، ﷺ.

إخوة الإسلام: ماذا عسانا أن نقولَ من القولِ السديدِ في يومِ مولدِ الحبيبِ سيدِنا محمد؟ يا رسولَ الله أيها الفَخِمُ المُفخَّمُ والنبيُّ المُعظّم والحبيبُ الـمُكرَّمُ، يا صاحبَ الفَضْلِ على أمتِكَ، يا مَن ءاثَرْتَ أُمتَك بدعوتِكَ التي أعطاكَ ربُّكَ؛ فقد روى الإمامُ مسلم في صحيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا”وذلك منْ رحمتِك بهم وأنت كما وَصَفَكَ ربُّكَ في كتابِهِ العزيز:“بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ” ( التوبة :128 ) فالاحتفالُ بمولدِ النبيِّ ﷺ والحديثُ عنه ﷺ وعن أخلاقِه ونشأتِهِ وسيرتِه يزيدُ العاشقينَ لرسولِ الله ﷺ عشقًا، ويزيدُ المحبّينَ حبّا، والمشتاقينَ شوقًا؛ فهذا العباسُ عمُّ النبيِّ ﷺ يقول: يا رسولَ الله إني امتدحتُكَ بأبياتٍ، فقالَ له النبيُّ ﷺ: “قلْ لا يَفْضُضِ اللهُ فاك”(3) فأنشدَ العباسُ رضي الله عنه أبياتا قال فيها:

من قبلِها طبت في الظلالِ(4) وفي – مستودعٍ(5) حين يخصفُ الورقُ(6)
وأنت لما وُلدتَ أشــرقتِ الأرضُ – وضـــاء بنــــــــــوركَ الأُفُـــقُ(7)

والنبيُّ ﷺ لم يحرّم عليه ولم يقلْ له ما هذه البدعةُ السيّئةُ؟! بل أثنى عليه ودعا له بأن تبقى أسنانُه سليمةً؛ فحفظها اللهُ له؛ حيث توفي العبّاسُ رضي الله عنه في خلافةِ سيدِنا عثمانَ بنِ عفّان رضي الله عنه، وهو ابن ثمانٍ وثمانين سنة، ولم يسقط له سِنٌّ واحد(8).فالاحتفالُ بمولدِ النبيِّ ﷺ سنةٌ حسنةٌ؛ كيف لا؟ والمحتفلون يقرؤون القرءانَ الكريمَ ويذكرون سيرةَ النبيِّ العظيم، ويطعمونَ الطعامَ ويصلونَ على النبيِّ الكريم، أليس هذا من الخير؟! بلى والله، واللهُ تعالى يقولُ في القرءان الكريم: “وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”(الحج:77) فنحنُ نشكرُ اللهَ تعالى على نعمةِ ولادةِ النبيِّ ﷺ الذي قال فيه ربّهُ: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ”(الأنبياء:107) وقدوتُنا في الشكرِ هو سيّدُ الشاكرينَ رسولُ اللهِ ﷺ؛ فقد سئِلَ ﷺ عن صيامِ يومِ الاثنينِ فقال: “ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ”(9)فاحتفالُنا بمولِدِهِ ﷺ هو شكرٌ للهِ تعالى على ولادتهِ ﷺ، فلو لم يَكُنْ في ذلك إلا إرغامُ الشيطانِ وسرورُ أهلِ الإيمانِ المسلمينَ لكفَى. نسأل الله تعالى أن يرزقَنا اتباعَ النبيِّ ﷺ الاتباعَ الكاملَ، هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم.

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ:

أخي المسلم: إياك أن ترتابَ أو تخافَ ما لو قال لك قائلٌ: “كيف تحتفلُ بمولدِ النبيِّ محمدٍ ﷺ والرسولُ لم يفعلْهُ ولا صحابةُ رسولِ اللهِ ﷺ؟!”؛ بل كن ثابتا راسخًا كالجبلِ؛ فليس كلُّ شيءٍ تركه رسولُ اللهِ ﷺ يكونُ حراما؟!! فنبيُّنا ﷺ لم يأكلِ الضبَّ ولكن لم ينكرْ على سيدِنا خالدِ بنِ الوليد رضي الله عنه أكلَه له، فلو كان عدمُ أكلِ النبيِّ ﷺ له يدلُّ على حرمتِهِ؛ أكانَ يسكتُ ﷺ عن ذلك(10)؟! فتركُ النبيِّ ﷺ الاحتفالَ بمولدِهِ بالطريقةِ التي يفعلُها المسلمونَ اليومَ(11) لا يدلُّ على كونِه حراما. وأما تركُ الصحابةِ رضوانُ الله عليهم الاحتفالَ بمولدِهِ ﷺ على الطريقةِ التي يفعلُها المسلمونَ اليومَ فمن بابِ أولى أن لا يكونَ مجردُ تركهِم ذلك دليلا على كونِه حراما، فإذا كان تركُ النبيِّ ﷺ لشيءٍ لا يعني حرمتَه؛ فمن بابِ أولى أن يكونَ تركُ الصحابةِ رضوانُ الله عليهم لشيءٍ لا يعني حرمتَهُ؛ فقد تركَ سيدُنا أبو بكرٍ الصدّيق وسيدنا عمرُ وسيدُنا عثمان، وسيدُنا عليٌّ رضي اللهُ عنهم؛ بل وسائرُ الصحابةِ رضوانُ اللهِ عليهم نقطَ المصحفِ؛ فإنَّ أوَّلَ من نقطهُ هو التابعيُّ الجليلُ يحيى بنُ يَعْمَر(12) ، فهل يعني ذلك حرمةَ نقطِ المصحفِ الشريف؟! فاحتفلوا بمولدِ خير خلقِ الله ﷺ؛ وأظهروا ذلك، ولا تلتفتوا للمحرّمين، واقتدوا به ﷺ؛ نسألُ اللهَ تعالى أن يرزقَنا حبَّ النبيِّ ﷺ، واتباعَه الاتّباعَ الكاملَ؛ إنه على كل شيءٍ قديرٌ وبعبادِه لطيفٌ خبيرٌ.

عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: “إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم اجعلنا من أصحابِ الهممِ العاليةِ، اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين. اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.

الحاشية

1. مدينة في فارس.
2. ذكر هذه الأمور الثلاثة التي حصلت عند ولادة النبي ﷺ الحافظ ابن حجر في فتح الباري.
3. أي دعا له أن تبقى أسنانُهُ سليمةً.
4. أي في ظلال الجنة فإنه لا شمس فيها؛ أي كان طيبا في صلب ءادم عليه السلام.
5. المراد به المكان والمستودع الذي كان فيه سيدنا آدم عليه السلام وزوجته حواء في الجنة، وبعضهم يذكر غير هذا.
6. أي في الجنة، حيث خصف ءادم عليه السلام وزوجته حواء عليهما من ورق الجنة، وخصف الورق ضمه بعضه لبعض ليكون لبسا وسترا.
7. روى ذلك الطبراني في معجمه الكبير، والحاكم في مستدركه، والحافظ ابن حجر في أماليّه وحسّنه.
8. كما جاء في إتحاف الخيرة للبوصيري.
9. رواه مسلم في صحيحه.
10. ورد ذلك في حديث صحيح رواه البخاري في صحيحه.
11. إنما قيّد بالطريقة التي يفعلها المسلمون اليوم؛ لأن النبي ﷺ كان يصوم يوم الاثنين كما ذكر، ومعلومٌ أن الصيام طاعةٌ لله، وطاعةُ الله لا شكَّ فرح وسرور، فمعناه أن النبي ﷺ كان يفرح باليوم الذي ولد فيه، ولذلك جعله الحافظ ابن حجر العسقلاني أصلا على مشروعية الاحتفال بمولده ﷺ.
12. وقيل أبو الأسود الدؤلي، وقيل نقطه بشكله المعروف الآن الخليل بن أحمد، وكلهم ليسوا صحابة.