بغية الطالب كتاب الصيام ج٢٤ محلق
ليلة القدر وليلة النصف من شعبان
ومضاعفة ثواب الطاعة في رمضان
وهذا الَّذي يَرويهِ بعضُ النّاسِ ممّا يُقرأ في عدَدٍ كثِيرٍ منَ البُلدَان سوريا ولبنانَ وفِلَسطينَ في ليلةِ النِّصْفِ مِن شَعبانَ مِن قولِ: "اللهم يا ذا المنِّ ولا يُمَنُّ عليكَ" إلى ءاخِره لا يَثبُت عن صَحابيّ مِن أصحَابِ رسولِ الله، لا عن عمرَ وإنْ كان رُوِي أنّ عمرَ كانَ يَقرأ بَعضًا منه، بَعضُ هذا اللّفظِ رُوِي لكن غيرُ ثَابت، وكذلكَ يُروى عن مجاهدٍ أنّه قالَ بعضَ هَذا اللّفظ. هذا مجاهدٌ مِن التابعينَ أخَذَ العِلم عن عبد الله بنِ عبّاس لم يرَ الرَّسولَ، وكذلكَ يُروى عن عبد الله بن مسعودٍ صاحبِ رسول الله، كذلكَ يُروى عن رجلٍ ءاخرَ منَ التّابعين يُقالُ له شَقِيْقُ بنُ عَبْد الله، عن كلٍّ من هؤلاء الأربعةِ ليسَ ثَابتًا.
ثمّ إنّ الَّذي رُوِي عن هؤلاء الأربعةِ عمرَ بنِ الخطَّابِ ومجاهدٍ وعبدِ اللهِ بنِ مَسعود وشَقيقِ بنِ عبد الله بعضُ هذا اللّفظِ ليسَ كلَّه. المرويُّ عنهم بعضُ هذا اللفظ ليس جميعَه، فلا تُصَدِّقُوا به لأنهُ خِلافُ الواقع لأنّ الليلةَ التي يُفرَق فيها كلُّ أمرٍ حَكيم هي ليلةُ القَدْر، ليلةُ القَدْر في الغَالِب تُصادِفُ ءاخِرَ رمَضانَ أواخرَه ليلةَ سَبعٍ وعِشرين، أو ثلاثٍ وعِشرينَ أو ليلةَ إحْدى وعشرينَ، وقَد تَحدُث في الشّفْع أي غيرِ الوِتْر، ليلةَ أُنزِلَ القُرءانُ دَفعةً واحِدة مِنَ الذّكْر أي اللوح المحفوظِ إلى السّماء الدُّنيا إلى بيتِ العِزّة، كانت تلكَ اللّيلةُ ليلةَ أربَعٍ وعِشرينَ مِن شَهرِ رمضانَ، على أنّه في ذلكَ الوقتِ لم يُفرَض رمضانُ ولا الصّلواتُ الخَمسُ لأنّ ذلكَ كانَ أوّلَ ما بُدئ رسولُ الله ﷺ بالوَحْي بواسِطَةِ جِبريلَ عليه السلام، عليه وعلى نبيّنا أفضلُ السَّلام.
لا يجُوزُ أن يُقالَ إنّ ليْلَةَ القَدرِ لا تكونُ إلا ليلةَ سَبْع وعِشرينَ أو خمسٍ وعِشرينَ أو سبعَ عشْرَة ، بل الأمرُ الصّحيحُ أن يُقال إنّها يجُوز أن تُصادِفَ أيّةَ لَيلةٍ مِن رمَضان، يجُوز أن تُصَادف أوّلَ ليلةٍ مِن رمضانَ ويجُوز أن تصادفَ الليلةَ الثّانيةَ ويجوزُ أن تُصَادِف الليلةَ الثّالثَةَ إلى ءاخِر الشّهْر.
عن عائشة رضي الله عنهاَ أنّ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال:"تَحَرَّوا لَيلةَ القَدْر في الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأوَاخِرِ مِن رَمضَانَ" رواه البخاري ومسلم.
فيَنبَغِي للمؤمنِ أن يجتَهِدَ في طاعةِ الله تعالى في كلّ رمَضانَ لأنّ الثوَاب فيه أعظَمُ مِن سائر الشّهُور، ثوابُ قيام اللّيل في رمضانَ أعظَمُ مِن ثواب قيام اللّيل في غيرِ رمَضان.
كذلكَ لَيلةُ عِيدِ الفِطْر كذلكَ ليلةُ عِيدِ الأضحَى مَن أَحياها بالعبادةِ كانَ لهُ فَضْلٌ.
- رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ علَيهِ وسَلَّم دعا لابنِ عَبّاسٍ تُرجُمَان القُرءانِ بقَولِه:" اللّهُمَّ عَلِّمْهُ الحِكمَةَ وتَأوِيلَ الكِتاب" أَيْ تَفْسِيرَ الْقُرْآنِ. رواه ابنُ مَاجَه، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ" الْمَجَالِسُ ":" وَلا شَكَّ أَنَّ اللَّهَ اسْتَجَابَ دُعَاءَ الرَّسُولِ هَذَا "اهـ، وَشَدَّدَ النَّكِيرَ وَالتَّشْنِيعَ عَلَى مَنْ يَمْنَعُ التَّأْوِيلَ وَوَسَّعَ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ، فَلْيُطَالِعْهُ مَنْ أَرَادَ زِيَادَةَ التَّأَكُّدِ.،عبدُ اللهِ بنُ عَبّاسٍ كانَ إذا تكلَّم يقالُ عنهُ أفصَحُ النّاس، مَن حَضَرَهُ وسمِعَ كلامَهُ يَقولُ عنهُ أَفصَحُ النّاسِ، ومَن نَظرَ إليهِ يقُولُ عنهُ أُجمل الناس، هوَ رضيَ اللهُ عنهُ وعن أَبِيهِ قالَ في قَولِه تَعالى: "فِيهَا يُفرَقُ كلُّ أَمرٍ حَكِيم"أي أنّهُ يكونُ تَقسِيمُ القَضَايا التي تَحدُثُ للعَالَم مِن تِلكَ اللّيلَةِ إلى مِثلِها في العَامِ القَابِل، وليسَ كمَا يقُولُ بعضُ النّاسِ مِن أنّ ليلةَ النِّصفِ مِن شَعبانَ هيَ اللّيلةُ التي تُوزَّعُ فيها الأرزاقُ لهذِه السّنَةِ إلى أنْ تَأتيَ اللّيلةُ التي هيَ في شَعبانَ القَابِل، وهيَ اللّيلةُ التي يُبيَّنُ فيها ويُفَصَّلُ فيها مَن يمُوتُ في هذِه المدّةِ ومَن يُولَدُ في هذِه المدّةِ إلى غَيرِ ذَلكَ مِنَ التّفاصِيل مِنْ حَوادِث البَشَر، نَقُول تُرجمانُ القُرءان عبدُ الله بنُ عَبّاس قالَ إنّ تلكَ اللّيلةَ هيَ لَيلَةُ القَدْرِ، ولَيلَةُ القَدرِ لا تَكُونُ إلا مِن رمَضانَ، ليسَت ليلةَ النِصفِ مِن شعبان، معَ ذلكَ لَيلةُ النِّصفِ مِن شَعبانَ لها فضِيلةٌ إذَا إنسانٌ أَحْيا تلكَ الليلةَ بالعِبادةِ فيهِ فائِدةٌ، عن علي بنِ أبي طالِب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذَا كانَت لَيلَةُ النِّصفِ مِن شَعبَانَ فقُومُوا لَيْلَها وصُومُوا نهارَهَا "رواه ابنُ ماجَه.