أنس المجالس ج٢٧
لا أزلي إلا الله.
27- الحمدُ لله ربّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على سيّدِنا محمَّدٍ أشرفِ المرسلِينَ أمّا بعدُ فإنّ اللهَ تَباركَ وتعالى خَلَق عبادَه وكلَّفَهُم ولم يَخلُقهُم سُدًى فمِمّا كلَّفَهم بهِ اعتقادُ أنّ اللهَ هو الموجودُ في الأزلِ وحْدَه وما سِواه وُجِدَ بعدَ عدَمٍ لا يُستَثنى في ذلكَ شَىءٌ دُونَ شَىء، فالعالَم جِنسُه وأفرادُه مُحدَثٌ، وعن ذلكَ أخبرَنا رسولُ الله ﷺ بقوله: «كانَ اللهُ ولم يَكن شَىءٌ غَيرُه» هذا الحديثُ ورَدَ على سؤالٍ سألَه رسولَ اللهِ بعضُ أهلِ اليمَن، قالوا: يا رسولَ الله جِئناكَ لنتَفقَّه في الدّين ولنَسألَكَ عن أوّلِ هذا الأمرِ كيفَ كان، أي نَسألُك عن أوّل العالم فأجابَهم بقولِه: «كانَ اللهُ ولم يكن شىءٌ غيرُه وكانَ عَرشُه على الماء»، أجابهم بأهمَّ ممّا سألوا، هم سَألوا عن أوّلِ العالم، كيفَ كانَ بَدءُ العالَم، سألُوا عن هذا فأجابهم أوّلًا بما هو أهمُّ مِن ذلكَ ثم أجابَهم عن سؤالِهم، أمّا الأمرُ الذي هو أهَمُّ مِن سؤالِهم هو قولُه ﷺ: «كانَ اللهُ ولم يكُن شَىءٌ غَيرُه» أفادَهُم أنّ الأزليّةَ لا تَكُون إلّا للهِ، أفهَمَهُم أنّ الموجودَ الذي لا ابتداءَ لوجُودِه هوَ اللهُ فقط، هذا الأمرُ الأهمُّ مِن سؤالهم، سؤالُهم كانَ عن أوّلِ العالَم ثم هو عليه الصَّلاةُ والسَّلام أجابَهم أوّلًا بما هو أهمُّ.
ولا يُشاركُه في ذلكَ شَىءٌ غيرُه ، فلا تصِحُّ الألوهيةُ مع سَبْقِ شَىءٍ غيرِ الله تبارك وتعالى بحيثُ يكونُ ذلك الشىءُ الذي هو غيرُ الله أزليًّا كما أنّ اللهَ أزليٌّ، هذا يُنَافي إثباتَ الألوهيّةِ لأنّ إثباتَ شَىءٍ غيرِ اللهِ تَعالى في الأزَل يُنافي إثباتَ الألُوهيّةِ لله تعالى، لأنّ مَعنى الألوهيّةِ الوجُودُ بلا ابتداءٍ، لأنّه لما كانَ وجُودُ اللهِ أزليًّا لا ابتداءَ لهُ صحّ أنْ يكونَ هو الإلهَ للعَالَم، ولو كانَ هناك شَىء يُشارك اللهَ في الوجود الأزليّ لم تصِحَّ الألوهيّةُ لله. فعُلِم مِن هذا أن مَن أثبتَ الألوهيّةَ لغَير الله لم يؤمن بألوهيّةِ الله، لأنّ الألوهيّةَ مِن خصائصِها الأزليّةُ، فاللهُ تعالى لو لم يكن في الأزَل وَحْدَه بأنْ كانَ يُشَاركُه بالوجودِ في الأزَلِ غَيرُه لم يكن إلهًا، لأنّه لكانَ مِثلَ ذلكَ الغَير الذي كانَ موجُودًا معَه في الأزل، فلو كانَ الأمرُ كذلك لكانَ هو أزليًّا وهذا الغَيرُ كانَ أزليًّا فمِن أين يَختَصُّ ويَنفَرِدُ اللهُ بالألوهيّةِ، لا تَصِحُّ الألوهيّةُ لهُ لو كانَ الأمرُ كذلك، لكنّه هو منفَردٌ بالوجودِ الأزلي لم يكن في الأزلِ معَه شَىء لا جنسُ العالَم ولا أفرادُ العالَم.
الحديثُ المعروفُ بحديثِ عِمْرانَ بنِ الحصَين المروِيُّ بهذا اللّفظِ في البخاري في كتابِ بَدْء الخَلق والمرويُّ في صحيح أبي بَكر بنِ الجارود وفي كتاب «الأسماء والصّفاتِ» للبَيهقي وكتابِ «الأسماء والصّفات» لأبي منصورٍ البغداديِّ التّميمي وغيرِ ذلكَ مِن كتُبِ الحديثِ صَريحٌ في أنّه لم يكن في الأزل شَىءٌ غَيرُ اللهِ لا جِنسُ العالَم ولا أفرادُ العالَم، هذا الاعتقادُ الذي كانَ عليه الرَّسولُ والصّحابَةُ ثم مَن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِنا هذا فمَن زاغ عن هَذا فهو ضالٌ خَارجٌ عن الإسلام، والذينَ خَرجُوا عن هذا المعنى فَريقانِ فريقٌ يقولونَ العالَم بمادَّته وصُورتِه أزَليٌّ، هؤلاءِ كانوا قَبلَ البِعثَة.
ثمّ بَعضُ مَن انتَسَب إلى الإسلام تبِعَهُم كابنِ سِينا وجماعتِه فهؤلاء على هذا المعتقدِ أنّ العالَم بمادّتِه وصُورتِه أزليّ، وهناكَ طَائفةٌ انتَسَبوا إلى الإسلام واعتَقدوا ما اعتقَده بعضُ الفلاسفةِ الذين كانوا لا ينتَسِبُون إلى الإسلام وافَقُوهم فقَالوا نوعُ العالم أزليّ، أمّا أفرادُه أي أشخاصُه حادثةٌ وكلاهما خَارجان عن الإسلام لأنهما اشتَركا في جَعلِ الألوهيّةِ لغَيرِ الله تعالى.
كلمةُ "الغَير" تَقطَع ألسِنةَ هؤلاءِ الممَوّهِينَ يُقَالُ لهم أنتُم تقولونَ نوعُ العالَم لم يَزلْ معَ الله أي أنّهُ أزَليٌّ كما أنّ اللهَ أزليٌّ فهذا هوَ عَينُ اللهِ أم غَيرُ الله، فإن قالوا عَينُ الله فقَد كفَروا، وإن قالوا هوَ غيرُ الله كفَروا لاعتقادِهم أنّه كانَ مع الله في الأزل أي أنّ اللهَ لم يُحدثْه بل مَوجودٌ بلا ابتداءٍ كمَا أنّ اللهَ مَوجُودٌ بلا ابتِداء، أمّا الجوابُ على سؤالهم فهو قولُه ﷺ: «وكانَ عَرشُه على الماء» أي حَدَثَ وَوُجِد عَرشُه على الماء، أي أنّ هَذينِ أوّلُ ما أبرزَه اللهُ منَ العدَم إلى الوجود، هَذانِ أوّلُ العالَم وجُودًا خلَقَهُما اللهُ تعالى قَبلَ غيرِهما مِن أفرادِ العالَم.