بغية الطالب ج ٢٦٧
ليلة القدر.
267- روى البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ»
فَائِدَةٌ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَعْيِينِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَعلامَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ صَبِيحَتَهَا بَيْضَاءَ لا شُعَاعَ لَهَا، فقال بعضٌ الصَّحِيحُ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَحْمَدَ، لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانِ»، الْحَدِيثَ.
وَقَالَ عَلِيٌّ وَعَائِشَةُ وَأُبَيُّ بنُ كَعْبٍ: هِيَ لَيْلَةُ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ،
وَقَالَ بَعْضٌ ومنهم شيخُنا رحمه الله: أَخْفَاهَا فِي جَمِيعِ شَهْرِ رَمَضَانَ لِيَجْتَهِدَ الْمَرْءُ فِي الْعَمَلِ وَالطَّاعَاتِ لَيَالِيَ رَمَضَانَ الْمُكَرَّم.
ومَن رَأى لَيلَةَ القَدْر يقظَةً لم يَرِدْ شَىءٌ في أنّه يُبَشَّرُ بالجنّة. مَا وَرَد نَصّ يُفِيدُ هَذا. يُرجَى لهُ ذلكَ.
والكَافِرُ يَجُوزُ أَنْ يَرَى لَيْلَةَ القَدْرِ يَقَظَةً ولَم يَرِدْ نَصٌّ أنَّ هذَا لا بُدَّ أنْ يُسْلِمَ لَكِن نَحْنُ نَقُولُ يُرجَى أن يُسْلِم احتِمَالٌ قَويٌّ ليسَ مؤكَّدًا. كمَا أنَّ الكَافِرَ قَد يَرَى الرَّسُولَ فِي الرُؤْيَا ثُمَّ يُسْلِمُ).رؤيةُ الرّسولِ في الرّؤيا بُشرَى أَقوى مِن هَذه، هَذا مؤكَّدٌ أنّه يموتُ على الإسلام.
لَيلَةُ القَدر لَيلَةٌ واحِدَةٌ في رمضانَ إنْ رءاها أهلُ لبنانَ ليلَةَ سَبعٍ وعِشرِينَ أهلُ أَمِيرِكا يرَونَها ليلةَ سَبعٍ وعِشرِينَ، العِبرَةُ باللَّيل.
وقَد يَراها واحِدٌ مِن أهل البَيت ومَن مَعه لا يَرَى، أمَا سمِعتُم أنّه في ليلةِ القَدر في بيتٍ واحِدٍ يكونُ جماعةٌ مِن النّاس أحدُهم يَرى ضوءً مَلأ البيتَ والفَضاءَ يَندَهش يقولُ الآنَ طلَع النّهار، ما هذا الضّوء، والآخَرُون مستَيقظُون لا يرونَ هذا الضّوءَ وهكذا حالُ القَبر.
الاجتهادُ في العشر الأواخِر من شهر رمضان أمرٌ مهمّ
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ ( أي مِن رمضَانَ)، أَحْيَا اللَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَر". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . والْمِئزَرُ، بكَسرِ الميم، هوَ الإزار.
وقَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لاَ يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ. رواه مسلم
ثم إنّ رؤيةَ لَيلةِ القَدْر هو لبَعضِ النَّاس، مِن النَّاس مَن يَرى الأنوار، نُورًا حُلْوًا جميلَ الشّكلِ أحلَى مِن نُور القَمر، وتَسجُد الأشجَارُ فيراها بعضُ النَّاس بعَينِه سَاجِدةً أمّا الذينَ حَجَبَ الله تَعالى أبصَارهُم عن رُؤْيتها لا يرَون، في البَيتِ "قد" يَرى واحِدٌ مِن أهلِ البَيت هذَا الضّوءَ يقَظةً والآخَرونَ لا يرَونَ إلاّ العَتَمَة لأنّ الضّوءَ مُطفَأ، هذَا يرى نُورًا ظَاهرًا يملأ البَيت وخارجَ البَيتِ، بَعض النَّاس يظَلُّون يُبصِرُونَه مُدّةً واسِعَةً وبعضُ النَّاس لحظَةً؛ على حسَب ما شاءَ اللهُ لهم، ثمّ الذي شاءَ اللهُ تَعالى له رؤيتَها فرآها يَكتُم ولا يُشِيعُ للنّاس فيقولُ: أنا رأيتُ أنا رأيتُ، لأنّ هذه مِن الأسرار،
ثم مِن أهمّ ما يُقال إذا رآها "اللهُمّ إنّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفوَ فاعْفُ عَنّي"، ثم يَدعُو بغَيرِ ذلكَ مِن الخَير لنَفسِه ولأهلِه ولأصدقَائِه وللمسلمِينَ عامّةً، أيُّ دُعَاءٍ بخَير إذا كانَ تلكَ السّاعَة أَطلَقَ اللهُ لسَانَه لأنّ بعضَ النَّاس تَرتَبِطُ ألسِنَتُهم لأنّهم رأَوا ما لم يرَوه قَبلَ ذلك، بعضُ النَّاس تلبَسُهم الدّهشَة فيَصيرُ عِندَهُم خَوفٌ أمّا بَعضُ النَّاس اللهُ تَعالى يُطْلِقُ ألسِنَتَهُم بالدّعاء، وبعضُ النَّاس يرَونَ الملائكةَ عِيانًا ومنهم مَن يَسمَعُونَ سَلامَ الملائكة، يقولُ لهم الملَكُ السّلامُ علَيكُم.
لَيلَةُ القَدْر يَراها بعضُ النّاس وَقتًا طَويلا وبَعضُهم وَقتًا قَصِيرا والذي يَراها الأحسَن أن لا يَتكلّم (لا يخبر الناس بأنه رءاها)، لأنّ في ذلكَ سِرّ.