الشرح القويم الدرس ٢٤
إحياء الموتى لإبراهيم وبيان أن النبي لا يشك في قدرة الله
ليُعلَم أنّ الشّكَّ في قُدرَة الله مُستَحِيلٌ على الأنبياءِ، فمَا كَانَ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي وَقْتٍ مِنَ الأَوْقَاتِ شَاكًّا فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ كَانَ مُنْذُ صِغَرِهِ قَدْ أُلْهِمَ الرُّشْدَ وَالإِيمَانَ، وَلَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَأُوتِيَ النُّبُوَّةَ وَبَعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا يُعَلِّمُ النَّاسَ الإِسْلامَ، ذَهَبَ إِلَى مَلِكِ الْبِلادِ نُمْرُودَ الَّذِي كَانَ كَافِرًا جَاحِدًا لا يَعْتَرِفُ بِوُجُودِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وَهُوَ يُجِادِلُهُ: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} فَقَالَ نُمْرُودُ: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ أَطْلَقَ سَرَاحَ رَجُلٍ كَانَ سَجِينًا عِنْدَهُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالإِعْدَامِ، فَقَالَ: «لَقَدْ أَحْيَيْتُهُ»، ثُمَّ قَتَلَ رَجُلًا آخَرَ فَقَالَ: «لَقَدْ أَمَتُّهُ»، فَغَلَبَهُ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ لَمَّا قَالَ لَهُ: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ}. وَلَكِنَّ نُمْرُودَ لَمْ يَتَوَقَّفْ عِنْدَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ بَلْ قَالَ فيما يُرْوَى: قُلْ لِرَبِّكَ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى وَإِلَّا قَتَلْتُكَ، فَلَمْ يَخَفْ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنْهُ وَلَكِنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَرَى نُمْرُودُ وَأَتْبَاعُهُ إِحْيَاءَ الْمَوْتَى عَلَّهُمْ يُؤْمِنُونَ، فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى وَقَالَ: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} [سُورَةَ الْبَقَرَة]. وَصُودِفَ مُرُورُ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قُرْبَ الْبَحْرِ فَشَاهَدَ جِيفَةَ بَهِيمَةٍ مَطْرُوحَةً عَلَى الشَّاطِئِ، فَإِذَا هَاجَتِ الأَمْوَاجُ دَفَعَتْهَا إِلَى الْبَرِّ فَأَكَلَتْ مِنْهَا السِّبَاعُ، فَإِذَا ذَهَبَتِ السِّبَاعُ جَاءَتِ الطُّيُورُ فَأَكَلَتْ مِنْهَا ثُمَّ طَارَتْ، ثُمَّ إِذَا سَحَبَ الْمَوْجُ الْجِيفَةَ إِلَى الْبَحْرِ أَكَلَتْ مِنْهَا الأَسْمَاكُ وَالْحِيتَانُ، فَدَعَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ وَقَالَ: «رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تَجْمَعُ أَجْزَاءَ الْحَيَوَانِ فِي بُطُونِ السِّبَاعِ وَالطُّيُورِ وَحَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ لِيَزْدَادَ يَقِينِي».
وَعِنْدَهَا حصلت مُعْجِزَةٌ كَبِيرَةٌ بَاهِرَةٌ دَالَّةٌ عَلَى صِدْقِ هَذَا النَّبِيِّ الْعَظِيمِ وَأَنَّهُ مُرْسَلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، إِذِ اسْتَجَابَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِدُعَاءِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وَعَلَّمَهُ كَيْفَ يَصْنَعُ أَوَّلًا، فَأَمَرَهُ كَمَا قيل بِأَنْ يَأْخُذَ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ، فَأَخَذَ دِيكًا أَحْمَرَ، وَحَمَامَةً بَيْضَاءَ، وَطَاوُوسًا أَخْضَرَ وَغُرَابًا أَسْوَدَ، ثُمَّ ذَبَحَهَا وَأَسَالَ دَمَهَا، وَبَعْدَ ذلَكِ قَطَّعَهَا قِطَعًا صَغِيرَةً، وَخَلَطَ لُحُومَهَا بِبَعْضِهَا مَعَ الدَّمِ وَالرِّيشِ حَتَّى يَكُونَ أَعْجَبَ، ثُمَّ وَزَّعَ أَجْزَاءَ هَذَا الْخَلِيطِ الْغَرِيبِ عَلَى سَبْعَةِ جِبَالٍ، وَوَقَفَ هُوَ بِحَيْثُ يَرَى تِلْكَ الأَجْزَاءَ، وَأَمْسَكَ رُءُوسَ تِلْكَ الطُّيُورِ فِي يَدِهِ ثُمَّ قَالَ: «تَعَالَيْنَ بِإِذْنِ اللَّهِ». فَتَطَايَرَتْ تِلْكَ الأَجْزَاءُ، فَجَعَلَ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْظُرُ إِلَى الرِّيشِ يَطِيرُ إِلَى الرِّيشِ، وَالدَّمِ إِلَى الدَّمِ، وَاللَّحْمِ إِلَى اللَّحْمِ، وَالأَجْزَاءِ مِنْ كُلِّ طَائِرٍ يَتَّصِلُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ. وَعَادَتِ الأَشْلاءُ تَتَجَمَّعُ، حَتَّى قَامَ كُلُّ طَائِرٍ وَحْدَهُ وَلَكِنْ مِنْ غَيْرِ رَأْسٍ، لِيَكُونَ أَبْلَغَ لِسَيِّدِنَا إِبْرَاهيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي الرُّؤْيَةِ الَّتِي سَأَلَهَا، وَعَادَتِ الرُّوحُ إِلَيْهَا وَسَعَتْ إِلَيْهِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ مُسْرِعَةً، وَصَارَ كُلُّ طَائِرٍ يَجِيءُ لِيَأْخُذَ رَأْسَهُ الَّذِي فِي يَدِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإِذَا قَدَّمَ لَهُ رَأْسًا غَيْرَ رَأْسِهِ لا يَقْبَلُهُ، فَإِذَا قَدَّمَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ تَرَكَّبَ مَعَ بَقِيَّةِ جَسَدِهِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ، فَاللَّهُ عَزِيزٌ لا يَغْلِبُهُ شَىْءٌ، وَلا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَا يُرِيدُ.
ثُمَّ طَارَتِ الطُّيُورُ كَمَا كَانَتْ مِنْ جَدِيدٍ بِإِذْنِ اللَّهِ، بَعْدَ أَنْ تَحَقَّقَتْ مُعْجِزَةٌ كَبِيرَةٌ لِنَبِيٍّ مِنْ أَعْظَمِ الأَنْبِيَاءِ قَدْرًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُؤْمِنْ نُمْرُودُ إِذْ قَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ شَقَاوَتُهُ فَأَذَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ سَلَّطَ عَلَيْهِ نَوْعًا مِنَ الْحَشَرَاتِ دَخَلَ رَأْسَهُ وَلَمْ يَكُنْ يَهْدَأُ أَلَمُهُ حَتَّى يُضْرَبَ بِالأَحْذِيَةِ وَالْكُفُوفِ الْمُجْتَمِعَةِ إِلَى أَنْ مَاتَ.
(فقوله تعالى:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْيي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئنَّ قَلْبِي} (260)البقرة (أي بإجَابَةِ طَلَبي لأنّه مِنَ الجائز أنْ يُعطِيَ اللهُ بَعضَ الأنبياءِ جمِيعَ مَا طلَبَ، وأنْ يُعطِيَه بعضَ مَا طلَب ولا يُعطِيه بَعضًا، سيّدُنا محمَّدٌ الذي هو أشرَفُ خَلقِ الله وأكرَمُهم على الله مَا أُعطِيَ جمِيعَ مَا طلَبَ بل أُعطِيَ بَعضَ مَا طلَبَ ومُنِعَ بَعضَ مَا طلَبَ. وإبراهيمُ مَا كانَ جَازمًا وقَاطِعًا في نَفْسِه بأنَّهُ يُعطِيْه ما طلب، كانَ مؤمنًا بأنّ اللهَ قَادرٌ على ذلكَ لَكن كانَ عندَه احتِمَالٌ أنّه يُعطِيْه هَذا الشّيءَ، احتِمَالٌ أنّه يُرِيْه كَيفَ يُحيِي الموتى واحتِمَالٌ أنّه لا يُرِيْه، ليسَ شَكًّا بقُدرَةِ اللهِ تَعالى على أنْ يُرِيَهُ.)
وإنّما قَالَ لهُ: أوَلَم تُؤمِنْ" وقَدْ عَلِمَ أنّهُ أَثبَتُ النّاسِ إيمانًا ليُجِيبَ بما أجَابَ بهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الفَائِدَةِ الجَلِيلَةِ للسّامعِينَ.
وبلَى إيجَابٌ لِمَا بَعدَ النَّفْي مَعنَاهُ بَلَى آمَنتُ ولَكِن لأَزِيدَ سُكُونًا وطُمَأنِينَةً بمُضَامَّةِ عِلْمِ الضَّرُورَةِ عِلمَ الاستِدلالِ، وتَظَاهُرُ الأَدِلَّةِ أَسْكَنُ لِلقُلُوبِ وأَزْيَدُ لِلبَصِيرَةِ،
(فإبراهيمُ عليه السّلام لمْ يَسأَل ذلكَ لِلشَّكّ ولا للاستِبعَاد لذلكَ في قُدرَة الله تعالى، ألَا تَرَى أنّه قال: بلى" أي قَد آمَنتُ_ومعنى قولِه: لِيَطمَئِنّ قَلبي) أي ليطمئنَّ بأنّي مُجَاب الدّعوَة وأنّ ما سأَلتُكَ مِنْ حَاجةٍ تفَضَّلتَ عليَّ بها، ومنَنتَ بقضَائها (3|363 من كتاب: البيان عن أصول الإيمان والكشف عن تمويهات أهل الطغيان لمحمد بن أحمد أبي جعفر السِّمناني المُتوفّى 444 هجرية _قاض حنفي من سمنان العراق)