الخطبة الثانية
إنّ الحمدَ للهِ نَحمدُهُ ونَستعينُهُ ونَستهدِيهِ ونشكُرُه ونَستغفرُه، والصلاةُ والسلامُ على سَيِّدِنا محمدٍ الصادِقِ الوَعْدِ الأَمينِ وعلَى إِخوانِه النبيِّينَ وَالْمُرْسَلِين.
أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ فإِنِّي أوصيكُمْ ونفسِي بتَقوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ فاتقوه وَاثْبُتُوا علَى الإسلامِ بِتَجَنُّبِ الكُفْرِيَّاتِ التِي تُخْرِجُ قَائِلَها مِنَ الإسلامِ كَمَا يَحْصُلُ مِنْ بَعْضِ السُّفهاءِ حيثُ يَقُولُ أحدُهُمْ للطِّفْلِ الذِي عمرُهُ سنتَانِ مَثَلًا "سُبَّ لَهُ – أَيْ لِشَخْصٍ كَبِيرٍ – رَبَّه" وَهذَا كفرٌ والعِياذُ باللهِ تعالى
لأَنَّ تَلْقِينَ الغَيْرِ الكُفْرَ كُفْرٌ إِنْ كانَ يَفْهَمُ الْمُخَاطَبُ مَعْنَى كَلمةِ الكُفْرِ أَوْ لا،
فَانْصَحُوا مَنْ صدَرَ منهُ ذلكَ بالتَّشَهُّدِ لِلْعَوْدِ إلى الإِسلام.ومن قصص التائبين العجيبة، ما رواه أبو طاهر السِّلَفِي، من قصة عبد الله بن مسلمة القعنبي، تلميذ الإمام مالك،
فإن عبد الله هذا كان بـالبصرة، وكان شابا مجّاناً يدمن على شرب الخمر، وله رفاق يجالسونه ويذهبون معه إلى الحانة لشرب الخمر
وفي ذات يوم كان خارجاً، واقفاً عند باب بيته ومعه سكين، مثلما نلاحظ اليوم في كثير من الشباب الطائشين،
فمر به شعبة بن الحجاج رحمه الله أحد أئمة المحدثين وكان راكبا على حمار فاستوقفه، وقال للناس لمن حوله: من هذا؟ قالوا: هذا شعبة، قال: ومن شعبة؟ قالوا: محدث من علماء الحديث.
فأمسك بلجام حماره ، وقال له : حدثني. قال له شعبة -وقد رأى من شكله وملابسه، وهيأته أنه ليس من أهل هذا الشأن- : لستَ بأهل لأن أحدثك بالحديث، لستَ من أهل الحديث،
فقال: حدثني وإلا جرحتك بهذه السكين التي في يدي. فقال له شعبة: حدثني مَنْصُورٌ ، عَنْ رِبْعِيٍّ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسَ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى : إِذَا لَمْ تَسْتَحِ ، فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ .ذَمٌّ للّذينَ لا يَستَحُون.
هَذَا وَعِيْدٌ أَيِ افْعَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ تُجَازَى بِهِ. مَعناهُ الذي خَلَع جِلبَابَ الحَياءِ يَصنَعُ مَا يشَاءُ، هذا ذَمٌّ لمَنْ لا يَستَحِي، لأنّ الحيَاءَ يَمنَعُ مِنَ الرّذَائِل فمَنْ ليسَ لهُ حَياءٌ يَنطَلِقُ في الرّذَائِلِ
ففهم القعنبي الرسالة وتأثر لذلك تأثرا كبيرا ثم عاد ودخل إلى بيته، وقد وقع في قلبه الحياء من الله عز وجل.ثم قال لأمه: إذا جاءك أصحابي، فأدخليهم إلى البيت وأطعميهم، وأخبريهم بتوبتي وإراقة الخمور، وكسر أوانيها، حتى لا يعودوا مرة أخرى،
ثم خرج إلى المدينة، وأخذ العلم عن الإمام مالك، ولما عاد إلى البصرة، كان شعبة رضي الله عنه قد مات، فلم يروِ عنه إلا ذلك الحديث...( إذا لم تستح فاصنع ماشئت)
قَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ : كَانَ الْقَعْنَبِيُّ مُجَابَ الدَّعْوَةِ .قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّهَيْرِيُّ ، عَنِ الْجُنَيْنِيِّ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ مَالِكٍ ، فَقَدِمَ ابْنُ قَعْنَبٍ مِنْ سَفَرٍ ، فَقَالَ مَالِكٌ : قُومُوا بِنَا إِلَى خَيْرِ أَهْلِ الْأَرْضِ .قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْكَاتِبُ : كَانَ الْقَعْنَبِيُّ عَابِدًا فَاضِلًا ، قَرَأَ عَلَى مَالِكٍ كُتُبَهُ
واعلموا عِبَادَ اللهِ أنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: "إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا"
لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ / اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات،
اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ،
تابع تكملة نهاية الخطبة الثانية