كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا، إِنْ كَانَ تَقِيًّا، وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا، وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا، الآنَ، قَبْلَ أَنْ تَحْضُرَهُ الوَفَاةُ، يَخْشَى المَوْتَ، يَخَافُ مِنَ المَوْتِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا كَذٰلِكَ، حَتَّى لَوْ كَانَ مِنْ عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ.
إِنَّمَا يَذْهَبُ عَنْهُ هٰذَا الخَوْفُ مِنَ المَوْتِ عِنْدَ البِشَارَةِ، عِنْدَمَا يَصِيرُ مُحْتَضَرًا، حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، فَيَأْتِيهِ -إِنْ كَانَ صَالِحًا– مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وُجُوهُهُمْ كَالشَّمْسِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَدْ يَأْتِي إِلَى بَعْضِ الصَّالِحِينَ خَمْسُمِئَةٍ مِنَ المَلَائِكَةِ، مِنْ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ، يَقْعُدُونَ هٰكَذَا فِي وَجْهِهِ، يَرَاهُمْ، وَالَّذِينَ عِنْدَهُ لَا يَرَوْنَهُمْ، هُوَ يَرَاهُمْ، اللهُ يَكْشِفُ لَهُ، يُرِيهِ هٰؤُلَاءِ المَلَائِكَةَ.
هُمْ عِنْدَمَا يَحْضُرُونَ هٰكَذَا فِي وَجْهِهِ، يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ نَظَرَ الاحْتِرَامِ، يَعْرِفُ ذٰلِكَ مِنْ وُجُوهِهِمْ، مِنْ نَظْرَتِهِمْ إِلَيْهِ، أَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ نَظْرَ احْتِرَامٍ.
فَيَأْتِي عَزْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَزْرَائِيلُ الَّذِي هُوَ مَلَكُ المَوْتِ، المَلَكُ المُوَكَّلُ بِقَبْضِ الأَرْوَاحِ. عَزْرَائِيلُ لَا يَأْتِي إِلَى كُلِّ النَّاسِ بِهَيْئَةٍ وَاحِدَةٍ.
بَعْضُ النَّاسِ لَمَّا يَأْتِيهِمْ عَزْرَائِيلُ، يَكُونُ بِهَيْئَةِ رَجُلٍ صَالِحٍ، بِهَيْئَةٍ مُؤْنِسَةٍ. إِذَا رَآهُ هٰذَا المُؤْمِنُ الصَّالِحُ يَسْتَأْنِسُ لِرُؤْيَتِهِ، وَإِذَا أَتَى لِلْكَافِرِ يَخَافُ، لَمَّا يَأْتِي لِلْكَافِرِ يَخَافُ.
وَالكَافِرُ لَا تَحْضُرُهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ، عِنْدَ حُضُورِ الوَفَاةِ، يَحْضُرُهُ مَلَائِكَةُ العَذَابِ، سُودٌ مُخِيفُونَ، سُودٌ مُخِيفُونَ.
فَهُنَا الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: إِنَّ هٰذَا العَبْدَ الصَّالِحَ حِينَ يُبَشَّرُ مِنْ قِبَلِ عَزْرَائِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِرَحْمَةِ اللهِ وَرِضْوَانِهِ، -لِأَنَّهُ حِينَ يَأْتِيهِ عَزْرَائِيلُ، يَقُولُ لَهُ:- "السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَلِيَّ اللهِ، أَبْشِرْ بِرَحْمَةِ اللهِ وَرِضْوَانِهِ"، لَمَّا يَقُولُ لَهُ هٰذَا القَوْلَ، يَذْهَبُ عَنْهُ الخَوْفُ مِنَ المَوْتِ، وَيُحِبُّ المَوْتَ.
الآنَ نَحْنُ نَكْرَهُ المَوْتَ، مَا مَعْنَى نَكْرَهُ المَوْتَ؟ نَخَافُهُ.
إِذَا أَتَانَا عَزْرَائِيلُ عَلَى هٰذِهِ الصُّورَةِ الحَسَنَةِ -اللهُمَّ ارْزُقْنَا ذٰلِكَ– وَأَتَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وَبَشَّرَنَا عَزْرَائِيلُ -نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرْزُقَنَا ذٰلِكَ– يَزُولُ عَنَّا الخَوْفُ مِنَ المَوْتِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
هُوَ، أَكْثَرُ الأَوْلِيَاءِ لَا يَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ أَوْلِيَاءُ، وَلَوْ كَانُوا مِنْ كِبَارِ الأَوْلِيَاءِ، إِلَّا عِنْدَ البِشَارَةِ مِنْ عَزْرَائِيلَ، لِأَنَّهُمْ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنَّهُمْ يَتَّهِمُونَ أَنْفُسَهُمْ بِالتَّقْصِيرِ.
يَعْنِي: لَوْ كَانَ هُوَ مِنَ الصَّالِحِينَ، مِنْ أَهْلِ الدَّرَجَاتِ العَالِيَةِ، دَائِمًا يَتَّهِمُ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ، فَيَزِيدُ فِي الطَّاعَاتِ، فَيَتَرَقَّى أَكْثَرَ عِنْدَ اللهِ.
هٰذَا الوَلِيُّ لَمَّا يَقُولُ لَهُ عَزْرَائِيلُ: "السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَلِيَّ اللهِ"، يَعْرِفُ أَنَّهُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ الصَّالِحِينَ.
ثُمَّ أَيْضًا، بَعْدَ هٰذِهِ البِشَارَةِ، وَبَعْدَ قَبْضِ الرُّوحِ مِنْ قِبَلِ عَزْرَائِيلَ، عَزْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَأْخُذُ هٰذِهِ الرُّوحَ الطَّيِّبَةَ، رُوحَ المُؤْمِنِ التَّقِيِّ.
الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا يَتْرُكُهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ"، يُسَلِّمُهَا لِمَنْ؟ لِمَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ، مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ يَزُفُّونَ هٰذِهِ الرُّوحَ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ.
وَمِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ أَيْضًا، مَلَائِكَةٌ يُرَحِّبُونَ بِهٰذِهِ الرُّوحِ، رُوحِ المُؤْمِنِ الطَّيِّبِ.
وَالرُّوحُ -بِقُدْرَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى– يَرَى، وَيَسْمَعُ، وَيَشُمُّ.
يَعْنِي: يَشُمُّ الرَّائِحَةَ الطَّيِّبَةَ، أَلَيْسَ قَدْ وَرَدَ فِي الحَدِيثِ أَنَّ المُؤْمِنَ الطَّيِّبَ التَّقِيَّ يُفْتَحُ لَهُ طَاقَةٌ مِنْ قَبْرِهِ إِلَى الجَنَّةِ، فَيَصِلُهُ رِيحُ الجَنَّةِ؟
يَعْنِي: يَشُمُّ رَائِحَةَ الجَنَّةِ.
الرُّوحُ تَشُمُّ، وَالرُّوحُ تَسْمَعُ، وَالرُّوحُ تَرَى، وَالرُّوحُ يَحِسُّ، هٰذِهِ الرُّوحُ تَشْعُرُ، يَعْنِي.