وكان السبب في ذلك أنه أفتى فتيا وذكر فيها: لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد (الحديث المشهور)، وأَن زيارة قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا تشدّ إليها الرحال كقبر إبراهيم الخليل وقبر محمّد النبي صلى الله عليه وسلم، واتّفق أن شمس الدين بن قيّم الجوزية سافر إلى القدس الشريف ورقي في الحرم على منبر وعظٍ، وفي أثناء وعظه ذكر هذه المسئلة وقال: ها أنا من ههنا أَرجع ولا أزور الخليل، وجاء إلى نابلس وعمل له مجلس وعظٍ وذَكر المسئلة بعينها حتى إنه قال: ولا يُزار قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلا مسجده، فقاموا عليه الناس فحماه منهم والي البلد وكتبوا أهل القدس ونابلس إلى دمشق بصورة ما وقع من المذكور وما صدر منه، فطلبه القاضي المالكي فتودّد وصعد إلى الصالحية إلى قاضي القضاة شمس الدين بن مسلم، وتاب وأسلم على يده فقبل توبته وحكم بإسلامه وحقن دمه، ولم يعزره لأجل الشيخ تقي الدين بن تيمية، فحينئذٍ قامت الفقهاء الشافعية والمالكية وكتبوا فتيا في الشيخ تقي الدين بن تيمية لكونه أوّل من تكلّم في هذه المسئلة فكتب عليها الشيخ برهان الدين ابن الشيخ تاج الدين نحو أربعين سطرًا بأشياء كثيرة يقولها ويفتي بها، وءاخر القول أفتي بتكفيره، ووافقه شهاب الدين بن جَهبل الشافعي وكتب تحت خطه كذلك الصدر المالكي وغيرهم، وحملت الفتيا إلى نائب السلطنة فأراد أن يعقد لهم مجلسًا ويجمع الفقهاء والعلماء فرأى أن الأمر يتسع الكلام فيه، ولا بدّ من إعلام السلطان فأخذ الفتيا وجعلها في المطالعة وسيّرها إلى السلطان فجمع لها القضاة ولم يحضر المالكي فإنه كان مريضًا،