وبهذا الدليل يبطل قول بعض الملحدين بتسلسل الوالدية والولدية في جانب الماضي إلى غير نهاية، ويقال في البذر والزرع ونحو ذلك مثل ذلك، ويقال في إبطال قولهم:"ما من نطفة إلا من إنسان ولا من إنسان إلا من نطفة وهكذا إلى غير بداية" وقولهم:"ما من زرع إلا من بذر ولا من بذر إلا من زرع وهكذا إلى غير بداية في جانب الماضي" يلزم منه ذلك المحال وما أدّى إلى المحال محال.
وبيان القضية الثالثة بوجه ءاخر أن نقول: لو وجدت حوادث لا أول لها للزم أن يوجد عددان متغايران وليس أحدهما أكثر من الآخر ولا مساويًا له، لأنا لو نظرنا عدد الحوادث من الطوفان مثلاً إلى الأزل مع عددها من الآن مثلاً إلى الأزل لكانا عددين متغايرين قطعًا، ويستحيل بينهما المساواة لتحقيق الزيادة في أحدهما، والشىء دون زيادة لا يكون مساويًا لنفسه بزيادة، ويستحيل أن يكون أحدهما أكثر من الآخر لعدم تناهي أفراد كل واحد منهما فلا يفرغ أحدهما قبل الآخر بالعدّ، وحقيقة الأقلّ ما يصير عند العد فانيًا قبل الآخر والأكثر ما يقابله. ونحن لو فرضنا الآن شخصين يعُدُّ أحدهما الحوادثَ من الطوفان إلى الأزلِ والآخر يعدهما من الآن إلى الأزل لاستحال على مذهب الفلاسفة أرسطو وابن سينا أن يفنى أحد العددين بالعد قبل الآخر،

