نزول سيدنا عيسى

أما بعد

يقول الله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ      ءال عمران 19

  ويقول الله تعالى:  وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ     ءال عمران 85

 وروى البخاري ومسلم  عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَا أَوْلَى النَّاسِ ‏ ‏بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ‏ ‏فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ ‏ ‏لِعَلَّاتٍ ‏ ‏أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ. وفي رواية مسلم :فليس بيننا نبي. وفي رواية للبخاري : لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ .

   وروى الحاكم عن أبي هريرة قال:قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: (أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى، ودينهم واحد، وليس بيني وبين عيسى بن مريم نبي).قال الحاكم :هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.

‏عَنْ ‏ ‏عُبَادَةَ بن الصامت‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى ‏ ‏مَرْيَمَ ‏ ‏وَرُوحٌ مِنْهُ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ الْعَمَلِ . رواه البخاري ومسلم . وفي رواية : مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ أَيَّهَا شَاءَ .و‏زَادَ اِبْن الْمَدِينِيّ فِي رِوَايَته " وَابْن أَمَته " .

قَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا حَدِيث عَظِيم الْمَوْقِع , وَهُوَ مِنْ أَجْمَع الْأَحَادِيث الْمُشْتَمِلَة عَلَى الْعَقَائِد ; فَإِنَّهُ جُمِع فِيهِ مَا يَخْرُج عَنْهُ جَمِيع مِلَل الْكُفْر عَلَى اِخْتِلَاف عَقَائِدهمْ وَتَبَاعُدهمْ .

وَوَصْفه بِأَنَّهُ " مِنْهُ " كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ ) فَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَائِن مِنْهُ كَمَا أَنَّ مَعْنَى الْآيَة الْأُخْرَى أَنَّهُ سَخَّرَ هَذِهِ الْأَشْيَاء كَائِنَة مِنْهُ , أَيْ أَنَّهُ مُكَوِّن كُلّ ذَلِكَ وَمُوجِده بِقُدْرَتِهِ وَحِكْمَته .

وقَوْله : " عَلَى مَا كَانَ مِنْ الْعَمَل " أَيْ مِنْ صَلَاح أَوْ فَسَاد , لَكِنّ أَهْل التَّوْحِيد لَا بُدّ لَهُمْ مِنْ دُخُول الْجَنَّة , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مَعْنَى قَوْله : " عَلَى مَا كَانَ مِنْ الْعَمَل " أَيْ يَدْخُل أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة عَلَى حَسَب أَعْمَال كُلّ مِنْهُمْ فِي الدَّرَجَات .

 قال الله تعالى   }  : وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا{   النساء 157

}إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ المقربين{   ءال عمران 45

}يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وكيلا  {         النساء 171

}لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا {    النساء 172

}لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {  المائدة 17

}لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أنصار {     المائدة 72

}مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ {   المائدة 75

}وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ  {    التوبة 30

}وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ {        البقرة 87 

}فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ {   ءال عمرن 52

}إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ { ءال عمران 59

}قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ  {   ءال عمران 84

}وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ{ المائدة 46

}وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الغيوب {     المائدة 116

وَالصَّحِيح أَنَّ اللَّه تَعَالَى رَفَعَهُ إِلَى السَّمَاء مِنْ غَيْر وَفَاة وَلَا نَوْم كَمَا قَالَ الْحَسَن وَابْن زَيْد , وَهُوَ اِخْتِيَار الطَّبَرِيّ , وَهُوَ الصَّحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَقَالَهُ الضَّحَّاك .

 وَذَكَرَ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة حَدَّثَنَا الْأَعْمَش عَنْ الْمِنْهَال عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَمَّا أَرَادَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَرْفَع عِيسَى إِلَى السَّمَاء خَرَجَ عَلَى أَصْحَابه وَهُمْ اِثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنْ عَيْن فِي الْبَيْت وَرَأْسه يَقْطُر مَاء فَقَالَ لَهُمْ : أَمَا إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ سَيَكْفُرُ بِي اِثْنَتَيْ عَشْرَة مَرَّة بَعْد أَنْ آمَنَ بِي , ثُمَّ قَالَ : أَيّكُمْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَل مَكَانِي وَيَكُون مَعِي فِي دَرَجَتِي ؟ فَقَامَ شَابّ مِنْ أَحْدَثهُمْ فَقَالَ أَنَا . فَقَالَ عِيسَى : اِجْلِسْ , ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِمْ فَقَامَ الشَّابّ فَقَالَ أَنَا . فَقَالَ عِيسَى : اِجْلِسْ . ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِمْ فَقَامَ الشَّابّ فَقَالَ أَنَا . فَقَالَ نَعَمْ أَنْتَ ذَاكَ . فَأَلْقَى اللَّه عَلَيْهِ شَبَه عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام . قَالَ : وَرَفَعَ اللَّه تَعَالَى عِيسَى مِنْ رَوْزَنَة كَانَتْ فِي الْبَيْت إِلَى السَّمَاء . قَالَ : وَجَاءَ الطَّلَب مِنْ الْيَهُود فَأَخَذُوا الشَّبِيه فَقَتَلُوهُ ثُمَّ صَلَبُوهُ , وَكَفَرَ بِهِ بَعْضهمْ اِثْنَتَيْ عَشْرَة مَرَّة بَعْد أَنْ آمَنَ بِهِ ; فَتَفَرَّقُوا ثَلَاث فِرَق : قَالَتْ فِرْقَة : كَانَ فِينَا اللَّه مَا شَاءَ ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاء , وَهَؤُلَاءِ الْيَعْقُوبِيَّة . وَقَالَتْ فِرْقَة : كَانَ فِينَا اِبْن اللَّه مَا شَاءَ اللَّه ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّه إِلَيْهِ , وَهَؤُلَاءِ النَّسْطُورِيَّة . وَقَالَتْ فِرْقَة : كَانَ فِينَا عَبْد اللَّه وَرَسُوله مَا شَاءَ اللَّه ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَيْهِ , وَهَؤُلَاءِ الْمُسْلِمُونَ . فَتَظَاهَرَتْ الْكَافِرَتَانِ عَلَى الْمُسْلِمَة فَقَتَلُوهَا , فَلَمْ يَزَلْ الْإِسْلَام طَامِسًا حَتَّى بَعَثَ اللَّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وقد أخرج ابن أبي حاتم   والنسائي  عن ابن عباس قال كان عيسى مع اثني عشر من أصحابه في بيت فقال إن منكم  من يكفر بي بعد أن ءامن  ثم قال أيكم  بلقى عليه شبهي  ويقتل مكاني  فيكون  رفيقي في الجنة  ، فقام شاب أحدثهم  سنا فقال أنا  قال  اجلس  ثم عاد فعاد  فقال اجلس  ثم فعاد الثالثة  فقال أنت هو  فألقي عليه شبهُهُ  فأخذ الشاب فصلب بعد أن رفع عيسى عليه السلام  من روزنة في البيت  وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشاب . وهذا اسناده  صحيح . والروزنة  نافذة في السطح يصعد اليها في زاوية من البيت  تكون .

أما ما يرويه  بعضهم من أن يهوديا جاء مع اليهود ليدلهم ووعدوه مبلغ كذا من المال ثم لما أدخلهم الى البيت  ألقي عليه  شبه المسيح فظنوه هو المسيح فقتلوه فهذا غير ثابت  لكنه مشهور عند المؤرخين  والصحيح هو ما قاله عبد الله  بن عباس .     

وأما قول الله تعالى : } إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيه تَخْتَلِفُونَ  {.         ءال عمران 55

فبحسب اللفظ متوفيك مقدم أما بحسب المعنى متوفيك مؤخر ورافعك مقدم  فالترتيب بحسب المعنى : إِنِّي رَافِعُكَ إِلَيَّ أي الى محل كرامتي أي  المكان الذي هو مشرف عندي وهو السماء  وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي اليهود  و مُتَوَفِّيكَ أي بعد إنزالك  الى الأرض  أي مميتك  بعد إنزالك الى الأرض  هذا هو القول الصحيح الموافق  للأحاديث  وهكذا فسر عبد الله بن عباس  ترجمان القرءان الآية أي من باب المقدم  والمؤخر  كما في قوله تعالى } وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى  فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى { الأعلى 4و5    الغثاء اليابس المتكسر  والأحوى الأخضر  والنبات  أولا يكون أحوى أي أخضر ثم يكون غثاء أي يابسا متكسرا  .

ويجوز تفسير مُتَوَفِّيكَ أي قابضك من الأرض وأنت حيّ  وَرَافِعُكَ إِلَيَّ أي  الى محل كرامتي وَقَالَ الْحَسَن وَابْن جُرَيْج : مَعْنَى مُتَوَفِّيك قَابِضك وَرَافِعك إِلَى السَّمَاء مِنْ غَيْر مَوْت ; مِثْل تَوَفَّيْت مَالِي مِنْ فُلَان أَيْ قَبَضْته .   كلا التفسرين  جائز .

ومما يدل على أن كلمة متوفيك تأتي لمعان عديدة قوله تعالى :وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ  وقوله تعالى :اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا

 إنما الذي  لا يجوز تفسير  مُتَوَفِّيكَ بمعنى مميتك  قبل رفعك الى السماء وإنزالك الى الأرض لأن هذا يعارض حديث  أحمد وأبي داود الآتي ذكره .

نزول المسيح عيسى عليه السلام .

قال الله تعالى :} ‏وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ{  ‏

الزخرف 61

روى ابن حبان عن ابن عباس  عن النبي في قوله تعالى : وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ  

قال : نزول عيسى بن مريم قبل يوم القيامة .

قَالَ مُجَاهِد " وَإِنَّهُ لَعِلْم لِلسَّاعَةِ " أَيْ آيَة لِلسَّاعَةِ خُرُوج عِيسَى اِبْن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام قَبْل يَوْم الْقِيَامَة وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَأَبِي الْعَالِيَة وَأَبِي مَالِك وَعِكْرِمَة وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَغَيْرهمْ وَقَدْ اشتهرت الْأَحَادِيث عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِنُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَبْل يَوْم الْقِيَامَة إِمَامًا عَادِلًا وَحَكَمًا مُقْسِطًا . وَقَوْله تَعَالَى " فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا " أَيْ لَا تَشُكُّوا فِيهَا إِنَّهَا وَاقِعَة وَكَائِنَة لَا مَحَالَة " وَاتَّبِعُونِ " أَيْ فِيمَا أُخْبِركُمْ بِهِ .

‏عَنْ ‏ ‏حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ ‏ ‏قَالَ ‏ اطَّلَعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ فَقَالَ مَا ‏ ‏تَذَاكَرُونَ قَالُوا نَذْكُرُ السَّاعَةَ قَالَ إِنَّهَا ‏ ‏لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ ‏ ‏آيَاتٍ ‏ ‏فَذَكَرَ ‏‏ الدُّخَانَ ‏ ‏وَالدَّجَّالَ  ‏ ‏وَالدَّابَّةَ وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَنُزُولَ ‏ ‏عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَيَأَجُوجَ ‏ ‏وَمَأْجُوجَ ‏ ‏وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ ‏ ‏الْعَرَبِ ‏ ‏وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ ‏ ‏الْيَمَنِ ‏ ‏تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ. رواه مسلم .

وفي البخاري ومسلم  أن ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏يَقُولُ ‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ‏ ‏ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ ‏ ‏الْجِزْيَةَ ‏ ‏وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ ‏

‏وَفِي رِوَايَةِ ‏ ‏ابْنِ عُيَيْنَةَ ‏ ‏إِمَامًا ‏ ‏مُقْسِطًا ‏ ‏وَحَكَمًا عَدْلًا ‏ ‏وَفِي رِوَايَةِ ‏ ‏يُونُسَ ‏ ‏حَكَمًا عَادِلًا وَلَمْ يَذْكُرْ إِمَامًا ‏ ‏مُقْسِطًا ‏ ‏وَفِي حَدِيثِ ‏ ‏صَالِحٍ ‏ ‏حَكَمًا ‏ ‏مُقْسِطًا ‏ ‏. ‏ ‏

ففي صحيح البخاري عن أَبي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ فِيكُمْ ‏ ‏ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ ‏ ‏الْجِزْيَةَ ‏ ‏وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ

‏ ففي البخاري ومسلم  أن أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‏ ‏لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ‏ ‏ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏حَكَمًا عَدْلًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ ‏ ‏الْجِزْيَةَ ‏ ‏وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ثُمَّ يَقُولُ ‏ ‏أَبُو هُرَيْرَةَ ‏ ‏وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ‏} ‏وَإِنْ مِنْ ‏ ‏أَهْلِ الْكِتَابِ ‏ ‏إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ‏{

‏قَوْله : ( لَيُوشِكَن ) فَهُوَ بِضَمِّ الْيَاء وَكَسْر الشِّين أَيْ لَيَقْرَبَن أَيْ لَا بُدّ مِنْ ذَلِكَ سَرِيعًا،قَوْله : ( أَنْ يَنْزِل فِيكُمْ ) ‏أَيْ فِي هَذِهِ الْأُمَّة , فَإِنَّهُ خِطَاب لِبَعْضِ الْأُمَّة مِمَّنْ لَا يُدْرِك نُزُوله . ‏قَوْله : ( حَكَمًا ) ‏أَيْ حَاكِمًا , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَنْزِل حَاكِمًا بِهَذِهِ الشَّرِيعَة           لَا يَنْزِل بِرِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّة , وَشَرِيعَة نَاسِخَة , فَإِنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَة بَاقِيَة لَا تُنْسَخ , بَلْ يَكُون عِيسَى حَاكِمًا مِنْ حُكَّام هَذِهِ الْأُمَّة .  وَفِي رِوَايَة اللَّيْث عَنْ اِبْن شِهَاب عِنْد مُسْلِم " حَكَمًا مُقْسِطًا " وَلَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن شِهَاب " إِمَامًا مُقْسِطًا "وَالْمُقْسِط الْعَادِل , يُقَال : أَقْسَطَ يُقْسِط إِقْسَاطًا فَهُوَ مُقْسِط إِذَا عَدَلَ , وَالْقِسْط بِكَسْرِ الْقَاف الْعَدْل , وَقَسَطَ يَقْسِط قَسْطًا بِفَتْحِ الْقَاف فَهُوَ قَاسِط إِذَا جَارَ .فالْمُقْسِط الْعَادِل بِخِلَافِ الْقَاسِط فَهُوَ الْجَائِر . وَلِأَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة " أَقْرِئُوهُ مِنْ رَسُول اللَّه السَّلَام " وَعِنْد أَحْمَد مِنْ حَدِيث عَائِشَة " وَيَمْكُث عِيسَى فِي الْأَرْض أَرْبَعِينَ سَنَة " وَلِلطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل " يَنْزِل عِيسَى اِبْن مَرْيَم مُصَدِّقًا بِمُحَمَّدِ عَلَى مِلَّته " . ‏قَوْله : ( فَيَكْسِر الصَّلِيب وَيَقْتُل الْخِنْزِير ) ‏أَيْ يُبْطِل دِين النَّصْرَانِيَّة بِأَنْ يَكْسِر الصَّلِيب حَقِيقَة وَيُبْطِل مَا تَزْعُمهُ النَّصَارَى مِنْ تَعْظِيمه , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ تَحْرِيم اِقْتِنَاء الْخِنْزِير وَتَحْرِيم أَكْله, لِأَنَّ الشَّيْء الْمُنْتَفَع بِهِ لَا يُشْرَع إِتْلَافه , وَوَقَعَ لِلطَّبَرَانِيّ فِي " الْأَوْسَط " مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة " فَيَكْسِر الصَّلِيب وَيَقْتُل الْخِنْزِير وَالْقِرْد " زَادَ فِيهِ الْقِرْد وَإِسْنَاده لَا بَأْس بِهِ ,كما قال الحافظ ،, وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَيْضًا تَغْيِير الْمُنْكَرَات وَكَسْر آلَة الْبَاطِل ،وَقَتْل الْخِنْزِير مِنْ هَذَا الْقَبِيل. وَفِيهِ دَلِيل لِلْمُخْتَارِ مِنْ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور أَنَّا إِذَا وَجَدْنَا الْخِنْزِير فِي دَار الْكُفْر أَوْ غَيْرهَا وَتَمَكَّنَّا مِنْ قَتْله قَتَلْنَاهُ , وَإِبْطَال لِقَوْلِ مَنْ شَذَّ فَقَالَ : يُتْرَك إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَاوَة .

وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَطَاء بْن مِينَاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم" وَلَتَذْهَبَن الشَّحْنَاء وَالتَّبَاغُض وَالتَّحَاسُد " .وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَيَضَع الْجِزْيَة )   قال النووي:" فَالصَّوَاب فِي مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَقْبَلهَا وَلَا يَقْبَل مِنْ الْكُفَّار إِلَّا الْإِسْلَام وَمَنْ بَذَلَ مِنْهُمْ الْجِزْيَة لَمْ يَكُفّ عَنْهُ بِهَا بَلْ لَا يَقْبَل إِلَّا الْإِسْلَام أَوْ الْقَتْل . هَكَذَا قَالَهُ الْإِمَام أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره مِنْ الْعُلَمَاء رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى". قال الحافظ : وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ عِنْد أَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة " وَتَكُون الدَّعْوَى وَاحِدَة ".

أقول : وعند أبي داود والإمام أحمد باسناد صحيح  "ويدعو الناس الى الإسلام  ويضع الجزية "   قَالَ النَّوَوِيّ : وَمَعْنَى وَضْع عِيسَى الْجِزْيَة مَعَ أَنَّهَا مَشْرُوعَة فِي هَذِهِ الشَّرِيعَة أَنَّ مَشْرُوعِيَّتهَا مُقَيَّدَة بِنُزُولِ عِيسَى لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْخَبَر , وَلَيْسَ عِيسَى بِنَاسِخِ لِحُكْمِ الْجِزْيَة بَلْ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُبَيِّن لِلنَّسْخِ بِقَوْلِهِ هَذَا. فَإِنَّ عِيسَى يَحْكُم بِشَرْعِنَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِامْتِنَاع مِنْ قَبُول الْجِزْيَة فِي ذَلِكَ الْوَقْت هُوَ شَرْع نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أي أن الله تعالى  جعل اقرار الكفار بالجزية ملغيا  بنزول المسيح  فكان من شرع محمد نسخ الجزية بنزول المسيح .

وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَيَفِيض الْمَال ) بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر الْفَاء وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَة وَمَعْنَاهُ يَكْثُر , وَفِي رِوَايَة عَطَاء بْن مِينَاء الْمَذْكُور " وَلَيَدْعُوَنّ إِلَى الْمَال فَلَا يَقْبَلهُ أَحَد " وَسَبَب كَثْرَته نُزُول الْبَرَكَات وَتَوَالِي الْخَيْرَات بِسَبَبِ الْعَدْل وَعَدَم الظُّلْم وَحِينَئِذٍ تُخْرِج الْأَرْض كُنُوزهَا وَتَقِلّ الرَّغَبَات فِي اِقْتِنَاء الْمَال لِقِصَرِ الْآمَال لِعِلْمِهِمْ بِقُرْبِ السَّاعَة . فَإِنَّ عِيسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَعْلَام السَّاعَة وَاَللَّه أَعْلَم .

 ‏‏قَوْله : ( حَتَّى تَكُون السَّجْدَة الْوَاحِدَة خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ) ‏
‏أَيْ إِنَّهُمْ حِينَئِذٍ لَا يَتَقَرَّبُونَ إِلَى اللَّه إِلَّا بِالْعِبَادَةِ , لَا بِالتَّصَدُّقِ بِالْمَالِ , وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ النَّاس يَرْغَبُونَ عَنْ الدُّنْيَا حَتَّى تَكُون السَّجْدَة الْوَاحِدَة أَحَبّ إِلَيْهِمْ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا .

‏وقال النووي :" فَمَعْنَاهُ وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّ النَّاس تَكْثُر رَغْبَتهمْ فِي الصَّلَاة وَسَائِر الطَّاعَات لِقِصَرِ آمَالهمْ بِقُرْبِ الْقِيَامَة , وَقِلَّة رَغْبَتهمْ فِي الدُّنْيَا لِعَدَمِ الْحَاجَة إِلَيْهَا . وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر مِنْ مَعْنَى الْحَدِيث . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : مَعْنَاهُ أَنَّ أَجْرهَا خَيْر لِمُصَلِّيهَا مِنْ صَدَقَته بِالدُّنْيَا وَمَا فِيهَا لِفَيْضِ الْمَال حِينَئِذٍ وَقِلَّة الشُّحّ , وَقِلَّة الْحَاجَة إِلَيْهِ لِلنَّفَقَةِ قِي الْجِهَاد . قَالَ : وَالسَّجْدَة هِيَ السَّجْدَة بِعَيْنِهَا أَوْ تَكُون عِبَارَة عَنْ الصَّلَاة . وَاَللَّه أَعْلَم ". ‏

وَقَدْ رَوَى اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن أَبِي حَفْصَة عَنْ الزُّهْرِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي هَذَا الْحَدِيث " حَتَّى تَكُون السَّجْدَة وَاحِدَة لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ " .

‏وَأَمَّا قَوْله : ( ثُمَّ يَقُول أَبُو هُرَيْرَة اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ { وَإِن مِّنْ أَهْل الْكِتَاب إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْل مَوْته } ‏ الْآيَة )‏هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : إِنَّمَا تَلَا أَبُو هُرَيْرَة هَذِهِ الْآيَة لِلْإِشَارَةِ إِلَى مُنَاسَبَتهَا لِقَوْلِهِ : " حَتَّى تَكُون السَّجْدَة الْوَاحِدَة خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا " فَإِنَّهُ يُشِير بِذَلِكَ إِلَى صَلَاح النَّاس وَشِدَّة إِيمَانهمْ وَإِقْبَالهمْ عَلَى الْخَيْر , فَهُمْ لِذَلِكَ يُؤْثِرُونَ الرَّكْعَة الْوَاحِدَة عَلَى جَمِيع الدُّنْيَا . وَالسَّجْدَة تُطْلَق وَيُرَاد بِهَا الرَّكْعَة , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الصَّلَاة حِينَئِذٍ تَكُون أَفْضَل مِنْ الصَّدَقَة لِكَثْرَةِ الْمَال إِذْ ذَاكَ وَعَدَم الِانْتِفَاع بِهِ حَتَّى لَا يَقْبَلهُ أَحَد .

قَوْله فِي الْآيَة : ( وَإِنْ ) بِمَعْنَى مَا , أَيْ لَا يَبْقَى أَحَد مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَهُمْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى إِذَا نَزَلَ عِيسَى إِلَّا آمَنَ بِهِ , وَهَذَا مَصِير مِنْ أَبِي هُرَيْرَة إِلَى أَنَّ الضَّمِير فِي قَوْله : ( إِلَّا لَيُؤْمِنَنّ بِهِ ) وَكَذَلِكَ فِي قَوْله : ( قَبْل مَوْته ) عَوْد عَلَى عِيسَى , أَيْ إِلَّا لَيُؤْمِنَنّ بِعِيسَى قَبْل مَوْت عِيسَى , وَبِهَذَا جَزَمَ اِبْن عَبَّاس فِيمَا رَوَاهُ اِبْن جَرِير مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْهُ بِإِسْنَادِ صَحِيح , وَمِنْ طَرِيق أَبِي رَجَاء عَنْ الْحَسَن قَالَ قَبْل مَوْت عِيسَى : وَاَللَّه إِنَّهُ الْآن لَحَيّ وَلَكِنْ إِذَا نَزَلَ آمِنُوا بِهِ أَجْمَعُونَ , وَنَقَلَهُ عَنْ أَكْثَر أَهْل الْعِلْم وَرَجَّحَهُ اِبْن جَرِير وَغَيْره .

 قَالَ الْعُلَمَاء : الْحِكْمَة فِي نُزُول عِيسَى دُون غَيْره مِنْ الْأَنْبِيَاء الرَّدّ عَلَى الْيَهُود فِي زَعْمهمْ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ , فَبَيَّنَ اللَّه تَعَالَى كَذِبهمْ وَأَنَّهُ الَّذِي يَقْتُلهُمْ , أَوْ نُزُوله لِدُنُوِّ أَجَله لِيُدْفَن فِي الْأَرْض , إِذْ لَيْسَ لِمَخْلُوقٍ مِنْ التُّرَاب أَنْ يَمُوت فِي غَيْرهَا .

‏ وفي مسلم عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَاللَّهِ ‏ ‏لَيَنْزِلَنَّ ‏ ‏ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏حَكَمًا عَادِلًا فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ ‏ ‏وَلَيَضَعَنَّ ‏ ‏الْجِزْيَةَ ‏ ‏وَلَتُتْرَكَنَّ ‏ ‏الْقِلَاصُ ‏ ‏فَلَا ‏ ‏يُسْعَى عَلَيْهَا وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى الْمَالِ فَلَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ.

‏وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَيُتْرَكَنَّ الْقِلَاص فَلَا يُسْعَى عَلَيْهَا ) ‏

‏فَالْقِلَاص بِكَسْرِ الْقَاف جَمْع قَلُوص بِفَتْحِهَا وَهِيَ مِنْ الْإِبِل كَالْفَتَاةِ مِنْ النِّسَاء وَالْحَدَث مِنْ الرِّجَال . وَمَعْنَاهُ أَنْ يُزْهَد فِيهَا وَلَا يُرْغَب فِي اِقْتِنَائِهَا لِكَثْرَةِ الْأَمْوَال , وَقِلَّة الْآمَال , وَعَدَم الْحَاجَة , وَالْعِلْم بِقُرْبِ الْقِيَامَة . وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ الْقِلَاص لِكَوْنِهَا أَشْرَف الْإِبِل الَّتِي هِيَ أَنْفَس الْأَمْوَال عِنْد الْعَرَب . وَهُوَ شَبِيه بِمَعْنَى قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { وَإِذَا الْعِشَار عُطِّلَتْ } وَمَعْنَى ( لَا يُسْعَى عَلَيْهَا ) : لَا يُعْتَنَى بِهَا أَيْ يَتَسَاهَل أَهْلهَا فِيهَا , وَلَا يَعْتَنُونَ بِهَا . هَذَا هُوَ الظَّاهِر .وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاء ) ‏

‏فَالْمُرَاد بِهِ الْعَدَاوَة . ‏وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى الْمَال فَلَا يَقْبَلهُ أَحَد ) ‏‏هُوَ بِضَمِّ الْعَيْن وَفَتْح الْوَاو وَتَشْدِيد النُّون وَإِنَّمَا لَا يَقْبَلهُ أَحَد لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ كَثْرَة الْأَمْوَال , وَقِصَر الْآمَال , وَعَدَم الْحَاجَة , وَقِلَّة الرَّغْبَة لِلْعِلْمِ بِقُرْبِ السَّاعَة.

‏ وفي صحيح البخاري ومسلم أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ‏ ‏ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ.

وفي صحيح مسلم أَنَّ ‏ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏ ‏يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ‏ ‏ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏فِيكُمْ وَأَمَّكُمْ .

وفي صحيح مسلم أَنَّ ‏ ‏جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ ‏ ‏لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ‏ ‏ظَاهِرِينَ ‏ ‏إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ فَيَنْزِلُ ‏ ‏عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ تَعَالَ صَلِّ لَنَا فَيَقُولُ لَا إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ ‏ ‏تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ .

وَعِنْد أَحْمَد مِنْ حَدِيث جَابِر فِي قِصَّة الدَّجَّال وَنُزُول عِيسَى " وَإِذَا هُمْ بِعِيسَى , فَيُقَال تَقَدَّمَ يَا رُوح اللَّه , فَيَقُول لِيَتَقَدَّمْ إِمَامكُمْ فَلْيُصَلِّ بِكُمْ " .

وَلِابْنِ مَاجَهْ فِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ الطَّوِيل فِي الدَّجَّال قَالَ : " وَكُلّهمْ أَيْ الْمُسْلِمُونَ بِبَيْتِ الْمَقْدِس وَإِمَامهمْ رَجُل صَالِح قَدْ تَقَدَّمَ لِيُصَلِّيَ بِهِمْ , إِذْ نَزَلَ عِيسَى فَرَجَعَ الْإِمَام يَنْكُص لِيَتَقَدَّم عِيسَى , فَيَقِف عِيسَى بَيْن كَتِفَيْهِ ثُمَّ يَقُول : تَقَدَّمْ فَإِنَّهَا لَك أُقِيمَتْ ".

قال الحافظ: "وَقَالَ أَبُو الْحَسَن الْخَسْعِيّ الْآبِدِيّ فِي مَنَاقِب الشَّافِعِيّ : تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار بِأَنَّ الْمَهْدِيّ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة وَأَنَّ عِيسَى يُصَلِّي خَلْفه , وَقَالَ أَبُو ذَرّ الْهَرَوِيُّ : حَدَّثَنَا الْجَوْزَقِيّ عَنْ بَعْض الْمُتَقَدِّمِينَ قَالَ : مَعْنَى قَوْله : " وَإِمَامكُمْ مِنْكُمْ " يَعْنِي أَنَّهُ يَحْكُم بِالْقُرْآنِ لَا بِالْإِنْجِيلِ . وَقَالَ اِبْن التِّين : مَعْنَى قَوْله : " وَإِمَامكُمْ مِنْكُمْ " أَنَّ الشَّرِيعَة الْمُحَمَّدِيَّة مُتَّصِلَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , وَأَنَّ فِي كُلّ قَرْن طَائِفَة مِنْ أَهْل الْعِلْم . وَهَذَا وَالَّذِي قَبْله لَا يُبَيِّن كَوْن عِيسَى إِذَا نَزَلَ يَكُون إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا , وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون عِيسَى إِمَامًا فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَصِير مَعَكُمْ بِالْجَمَاعَةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة . قَالَ الطِّيبِيُّ : الْمَعْنَى يَؤُمّكُمْ عِيسَى حَال كَوْنه فِي دِينكُمْ . وَيُعَكِّر عَلَيْهِ قَوْله فِي حَدِيث آخَر عِنْد مُسْلِم " فَيُقَال لَهُ : صَلِّ لَنَا , فَيَقُول : لَا , إِنْ بَعْضكُمْ عَلَى بَعْض أُمَرَاء تَكْرِمَة لِهَذِهِ الْأُمَّة " وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : لَوْ تَقَدَّمَ عِيسَى إِمَامًا لَوَقَعَ فِي النَّفْس إِشْكَال وَلَقِيلَ : أَتُرَاهُ تَقَدَّمَ نَائِبًا أَوْ مُبْتَدِئًا شَرْعًا , فَصَلَّى مَأْمُومًا لِئَلَّا يَتَدَنَّس بِغُبَارِ الشُّبْهَة وَجْه قَوْله : " لَا نَبِيّ بَعْدِي " . وَفِي صَلَاة عِيسَى خَلْف رَجُل مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة مَعَ كَوْنه فِي آخِر الزَّمَان وَقُرْب قِيَام السَّاعَة دَلَالَة لِلصَّحِيحِ مِنْ الْأَقْوَال أَنَّ الْأَرْض لَا تَخْلُو عَنْ قَائِم لِلَّهِ بِحُجَّةٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ا.هـ كلام الحافظ ابن حجر من الفتح .

 ولفظ البيهقي في الأسماء والصفات : ينزل عيسى ابن مريم من السماء " وفي هذه الرواية تكذيب  للقاديانية الكافرة في دعواهم أنه لم يرد في حديث نزول المسيح ذكر لفظ : من السماء .

‏ وَرَوَى أَحْمَد ومُسْلِم مِنْ طَرِيق حَنْظَلَة بْن عَلِيّ الْأَسْلَمِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُهِلَّنَّ ‏ ‏ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ ‏حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ ‏ ‏لَيَثْنِيَنَّهُمَا.

‏قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُهِلَّنَّ اِبْن مَرْيَم بِفَجِّ الرَّوْحَاء حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا ) ‏قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَيَثْنِيَنَّهُمَا ) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاء فِي أَوَّله مَعْنَاهُ يَقْرُن بَيْنهمَا , وَهَذَا يَكُون بَعْد نُزُول عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ السَّمَاء فِي آخِر الزَّمَان . وَأَمَّا ( فَجّ الرَّوْحَاء ) فَبِفَتْحِ الْفَاء وَتَشْدِيد الْجِيم . قَالَ الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْحَارِثِيّ , هُوَ بَيْن مَكَّة وَالْمَدِينَة قَالَ : وَكَانَ طَرِيق رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَدْر وَإِلَى مَكَّة عَام الْفَتْح وَعَام حَجَّة الْوَدَاع .

‏‏وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد مِنْ هَذَا الْوَجْه : ‏ ‏يَنْزِلُ ‏ ‏عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ ‏ ‏وَيَمْحُو الصَّلِيبَ وَتُجْمَعُ لَهُ الصَّلَاةُ وَيُعْطَى الْمَالُ حَتَّى لَا يُقْبَلَ وَيَضَعُ ‏الْخَرَاجَ  وَيَنْزِلُ ‏ ‏الرَّوْحَاءَ ‏ ‏فَيَحُجُّ مِنْهَا أَوْ يَعْتَمِرُ أَوْ يَجْمَعُهُمَا وَتَلَا أَبُو هُرَيْرَة ( وَإِنْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب إِلَّا لَيُؤْمِنَنّ بِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ) . قَالَ حَنْظَلَة قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : يُؤْمِن بِهِ قَبْل مَوْت عِيسَى .

‏وفي صحيح مسلم عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ ‏ ‏الرُّومُ ‏ ‏بِالْأَعْمَاقِ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏بِدَابِقٍ ‏ ‏فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏ ‏مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَتْ ‏ ‏الرُّومُ ‏ ‏خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ ‏ ‏سَبَوْا ‏ ‏مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ لَا وَاللَّهِ لَا ‏ ‏نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا فَيُقَاتِلُونَهُمْ فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا فَيَفْتَتِحُونَ ‏ ‏قُسْطَنْطِينِيَّةَ ‏ ‏فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ إِذْ صَاحَ فِيهِمْ الشَّيْطَانُ إِنَّ ‏ ‏الْمَسِيحَ ‏ ‏قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ فَيَخْرُجُونَ وَذَلِكَ بَاطِلٌ فَإِذَا جَاءُوا ‏ ‏الشَّأْمَ ‏ ‏خَرَجَ فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ إِذْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَيَنْزِلُ ‏ ‏عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَأَمَّهُمْ فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ فَلَوْ تَرَكَهُ ‏ ‏لَانْذَابَ ‏ ‏حَتَّى يَهْلِكَ وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِيَدِهِ ‏ ‏فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبَتِهِ .

وَرَوَى أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَاد صَحِيح مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن آدَم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي مُدَّة إِقَامَة عِيسَى بِالْأَرْضِ بَعْد نُزُوله :" فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً  " ورواه كذلك البيهقي وغيره .

 ففي سنن أبي داود عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ ‏ ‏يَعْنِي ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏وَإِنَّهُ نَازِلٌ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ رَجُلٌ ‏ ‏مَرْبُوعٌ ‏ ‏إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ بَيْنَ ‏مُمَصَّرَتَيْنِ ‏كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ ‏ ‏وَيَضَعُ ‏ ‏الْجِزْيَةَ ‏ ‏وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ وَيُهْلِكُ ‏ ‏الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ ‏ ‏فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ ‏ ‏يُتَوَفَّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ.

وفي مسند الامام أحمد عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ ‏ ‏أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ ‏ ‏بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ‏ ‏لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ نَازِلٌ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ رَجُلًا ‏ ‏مَرْبُوعًا ‏ ‏إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَصَّرَانِ ‏كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ فَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ ‏ ‏الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ ‏ ‏وَتَقَعُ الْأَمَنَةُ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى ‏ ‏تَرْتَعَ ‏ ‏الْأُسُودُ مَعَ الْإِبِلِ ‏ ‏وَالنِّمَارُ مَعَ الْبَقَرِ وَالذِّئَابُ مَعَ الْغَنَمِ وَيَلْعَبَ الصِّبْيَانُ بِالْحَيَّاتِ لَا تَضُرُّهُمْ فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يُتَوَفَّى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ .‏

  وفي مسند الامام أحمد ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ ‏ ‏لِعَلَّاتٍ ‏ ‏دِينُهُمْ وَاحِدٌ ‏ ‏وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ ‏ ‏بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ‏ ‏لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ نَازِلٌ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ فَإِنَّهُ رَجُلٌ ‏ ‏مَرْبُوعٌ ‏ ‏إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ ‏ ‏سَبْطٌ ‏ ‏كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ بَيْنَ مُمَصَّرَتَيْنِ‏ ‏فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعُ ‏ ‏الْجِزْيَةَ ‏ ‏وَيُعَطِّلُ الْمِلَلَ حَتَّى يُهْلِكَ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا غَيْرَ الْإِسْلَامِ وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ ‏ ‏الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ ‏ ‏الْكَذَّابَ وَتَقَعُ الْأَمَنَةُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى ‏ ‏تَرْتَعَ ‏ ‏الْإِبِلُ مَعَ الْأُسْدِ جَمِيعًا وَالنُّمُورُ مَعَ الْبَقَرِ وَالذِّئَابُ مَعَ الْغَنَمِ وَيَلْعَبَ الصِّبْيَانُ وَالْغِلْمَانُ بِالْحَيَّاتِ لَا يَضُرُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيَمْكُثُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ ثُمَّ يُتَوَفَّى فَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَيَدْفِنُونَهُ ‏.

وفي رواية عند أحمد : حَتَّى يُهْلَكَ فِي زَمَانِهِ ‏ ‏مَسِيحُ الضَّلَالَةِ ‏ ‏الْأَعْوَرُ الْكَذَّابُ ‏ ‏.

وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنَده : حَدَّثَنَا هِشَام عَنْ قَتَادَة عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن آدَم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَمْكُث عِيسَى فِي الْأَرْض بَعْدَمَا يَنْزِل أَرْبَعُونَ سَنَة ثُمَّ يَمُوت وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَيَدْفِنُوهُ " . وَهَذَا حَدِيث إِسْنَاده قَوِيّ.

قوله‏( مَرْبُوع ) ‏: أَيْ بَيْن الطَّوِيل وَالْقَصِير ‏( بَيْن مُمَصَّرَتَيْنِ ) ‏ قَالَ فِي النِّهَايَة : الْمُمَصَّرَة مِنْ الثِّيَاب الَّتِي فِيهَا صُفْرَة خَفِيفَة , أَيْ يَنْزِل عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام بَيْن ثَوْبَيْنِ فِيهِمَا صُفْرَة خَفِيفَة ‏( كَأَنَّ رَأْسه يَقْطُر وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَل ) ‏: كِنَايَة عَنْ النَّظَافَة وَالنَّضَارَة ‏‏( فَيَدُقّ الصَّلِيب ) ‏: أَيْ يَكْسِرهُ . قَالَ فِي شَرْح السُّنَّة وَغَيْره : أَيْ فَيُبْطِل النَّصْرَانِيَّة وَيَحْكُم بِالْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّة . وَقَالَ اِبْن الْمَلَك : الصَّلِيب فِي اِصْطِلَاح النَّصَارَى خَشَبَة مُثَلَّثَة يَدَّعُونَ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام صُلِبَ عَلَى خَشَبَة مُثَلَّثَة عَلَى تِلْكَ الصُّورَة .‏( ثُمَّ يُتَوَفَّى ) ‏ بِصِيغَةِ الْمَجْهُول .

قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم بْن عَسَاكِر : "يُتَوَفَّى بِطَيْبَةَ فَيُصَلَّى عَلَيْهِ هُنَالِكَ وَيُدْفَن بِالْحُجْرَةِ النَّبَوِيَّة ". وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَلَام : مَكْتُوب فِي التَّوْرَاة صِفَة مُحَمَّد وَعِيسَى ابْن مَرْيَم يُدْفَن مَعَهُ . كَذَا فِي مِرْقَاة الصُّعُود .

‏وَأَخْرَجَ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرَك عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا : " إِنَّ رُوح اللَّه عِيسَى نَازِل فِيكُمْ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ فَإِنَّهُ رَجُل مَرْبُوع إِلَى الْحُمْرَة وَالْبَيَاض , عَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَصَّرَانِ كَأَنَّ رَأْسه يَقْطُر وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَل , فَيَدُقّ الصَّلِيب وَيَقْتُل الْخِنْزِير وَيَضَع الْجِزْيَة وَيَدْعُو النَّاس إِلَى الْإِسْلَام , فَيُهْلِك اللَّه فِي زَمَانه الْمَسِيح الدَّجَّال وتقَع الْأَمَنَة عَلَى الْأَرْض،حتى ترعى الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان مع الحيات، لا تضرهم ،فَيَمْكُث أَرْبَعِينَ سَنَة ثُمَّ يُتَوَفَّى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ"  قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.

قُلْت : وأحاديث نزوله مشهورة قريب من التواتر بل قال بعضهم : تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نُزُول عِيسَى ابْن مَرْيَم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ السَّمَاء إِلَى الْأَرْض عِنْد قُرْب السَّاعَة وَهَذَا هُوَ مَذْهَب أَهْل السُّنَّة .

‏قَالَ النَّوَوِيّ قَالَ الْقَاضِي عياض : نُزُول عِيسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَتْله الدَّجَّال حَقّ وَصَحِيح عِنْد أَهْل السُّنَّة لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة فِي ذَلِكَ , وَلَيْسَ فِي الْعَقْل وَلَا فِي الشَّرْع مَا يُبْطِلهُ , فَوَجَبَ إِثْبَاته .

‏وَفِي فَتْح الْبَارِي : تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار بِأَنَّ الْمَهْدِيّ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة , وَأَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام يُصَلِّي خَلْفه ". ‏وَقَالَ الْحَافِظ أَيْضًا : الصَّحِيح أَنَّ عِيسَى رُفِعَ وَهُوَ حَيّ . اِنْتَهَى

أَخْرَجَ الْإِمَام أَحْمَد فِي مُسْنَده مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد بِإِسْنَادٍ فِيهِ كَثِير بْن زَيْد , وَثَّقَهُ أَحْمَد وَجَمَاعَة وَبَقِيَّة رِجَاله رِجَال الصَّحِيح بِلَفْظِ : " يُوشِك الْمَسِيح ابْن مَرْيَم أَنْ يَنْزِل حَكَمًا مُقْسِطًا , فَيَقْتُل الْخِنْزِير , وَيَكْسِر الصَّلِيب , وَتَكُون الدَّعْوَة وَاحِدَة , فَأَقْرِئُوهُ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " .

‏وَأَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة : " إِنِّي لَأَرْجُو إِنْ طَالَ بِي عُمُر أَنْ أَلْقَى عِيسَى ابْن مَرْيَم فَإِنْ عَجَّلَ بِي مَوْت فَمَنْ لَقِيَهُ فَلْيُقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَام " ورد مرفوعًا وموقوفًا على أبي هريرة .

‏وَأَخْرَجَ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا بِلَفْظِ : " لَيَهْبِطَنَّ عِيسَى ابْن مَرْيَم حَكَمًا وَإِمَامًا مُقْسِطًا وَلَيَسْلُكَنَّ فَجًا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أو بنيتهما وَلَيَأْتِيَنَّ قَبْرِي حَتَّى يُسَلِّم وَلَأَرُدَّنَّ عَلَيْهِ. يقول أبو هريرة: أي بني أخي، إن رأيتموه فقولوا: أبو هريرة يقرئك السلام. قال الحاكم :هذا حديث صحيح الإسناد،ووافقه الذهبي.

وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ فِي بَاب قَتْل عِيسَى ابْن مَرْيَم الدَّجَّال مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد الْأَنْصَارِيّ قَالَ : سَمِعْت عَمِّي مُجَمِّع بْن جَارِيَة الْأَنْصَارِيّ يَقُول : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " يَقْتُل اِبْن مَرْيَم الدَّجَّال بِبَابِ لُدّ " هَذَا حَدِيث صَحِيح .

ومن الأمور العجيبة التى تحصل في ذلك الوقت أيضا  أن الله تعالى  ُينِطِقُ الشجر والحجر فيقول للمسلم يا مسلم هذا  يهودي  خلفي تعال فاقتله الا شجر الغرقد  فإنه  لا يدل عليه  لآنه من شجرهم .

ثم إن المسيح عليه السلام  لما ينزل من السماء ينزل ويداه على أجنحة ملكين ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق كما ذكر رسول الله  مع أنه في ذلك الوقت هذه المنارة  لم تكن موجودة شرقي دمشق  أما الان فهي موجودة كما وصفها رسول الله  والمنارة هي بمعنى عمود النور الذي عمل للمطار الجديد شرقي دمشق وهذه المنارة  بيضاء كالمنارة التي في رأس بيروت   ثم إن المسيح لما ينزل يلتقي مع المهدي في بلاد الشام  والشام ليست سوريا فقط بل لبنان والآردن وفلسطين  كل هذا شام

وقوله عليه السلام  ثُمَّ يُتَوَفَّى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ " يُعلمُ منه أن الله لم يُمِتهُ بعد إنما رفعه حيا من الأرض الى السماء يقظان  ومن قال إنه قد توفي من غير قتل ولا صلب فقد غلط .

وفي صحيح مسلم : فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ ‏ ‏الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ‏ ‏فَيَنْزِلُ عِنْدَ ‏ ‏الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ ‏ ‏شَرْقِيَّ ‏ ‏دِمَشْقَ ‏ ‏بَيْنَ ‏ ‏مَهْرُودَتَيْنِ (ثَوْبَيْنِ مَصْبُوغَيْنِ(   ‏ ‏وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ ‏ ‏جُمَانٌ ‏ ‏كَاللُّؤْلُؤِ (الْجُمَانحَبَّات مِنْ الْفِضَّة وَالْمُرَاديَتَحَدَّر مِنْهُ الْمَاء عَلَى هَيْئَة اللُّؤْلُؤ فِي صَفَائِهِ)  فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي ‏ ‏طَرْفُهُ ‏ ‏فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ ‏ ‏بِبَابِ لُدٍّ ‏ ‏فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يَأْتِي ‏ ‏عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ‏ ‏قَوْمٌ قَدْ ‏عَصَمَهُمْ ‏ ‏اللَّهُ مِنْهُ فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ (فَيَمْسَح عَلَى وُجُوههمْ تَبَرُّكًا وَبِرًّا .( َيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ . ( ثم يظهر يأجوج ومأجوج ) .

فَقَالَتْ ‏ ‏أُمُّ شَرِيكٍ بِنْتُ أَبِي الْعَكَرِ ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيْنَ ‏ ‏الْعَرَبُ ‏ ‏يَوْمَئِذٍ قَالَ هُمْ يَوْمَئِذٍ قَلِيلٌ وَجُلُّهُمْ ‏ ‏بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ ‏ ‏وَإِمَامُهُمْ رَجُلٌ صَالِحٌ فَبَيْنَمَا إِمَامُهُمْ قَدْ تَقَدَّمَ ‏ ‏يُصَلِّي بِهِمْ الصُّبْحَ إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ ‏ ‏عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏الصُّبْحَ فَرَجَعَ ذَلِكَ الْإِمَامُ يَنْكُصُ يَمْشِي ‏ ‏الْقَهْقَرَى ‏ ‏لِيَتَقَدَّمَ ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَيَضَعُ ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ تَقَدَّمْ فَصَلِّ فَإِنَّهَا لَكَ أُقِيمَتْ ‏ ‏فَيُصَلِّي بِهِمْ إِمَامُهُمْ فَإِذَا انْصَرَفَ قَالَ ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏افْتَحُوا الْبَابَ فَيُفْتَحُ وَوَرَاءَهُ ‏ ‏الدَّجَّالُ ‏ ‏مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ يَهُودِيٍّ كُلُّهُمْ ذُو سَيْفٍ مُحَلًّى (ما يُتَزَيَّن به من مصاغ الذهب والفضة) وَسَاجٍ (الطيلسان) فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ ‏ ‏الدَّجَّالُ ‏ ‏ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ وَيَنْطَلِقُ هَارِبًا وَيَقُولُ ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏إِنَّ لِي فِيكَ ضَرْبَةً لَنْ تَسْبِقَنِي بِهَا فَيُدْرِكُهُ عِنْدَ بَابِ ‏ ‏اللُّدِّ ‏ ‏الشَّرْقِيِّ فَيَقْتُلُهُ فَيَهْزِمُ اللَّهُ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏فَلَا يَبْقَى شَيْءٌ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ ‏ ‏يَتَوَارَى بِهِ يَهُودِيٌّ إِلَّا أَنْطَقَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ لَا حَجَرَ وَلَا شَجَرَ وَلَا حَائِطَ وَلَا دَابَّةَ إِلَّا الْغَرْقَدَةَ فَإِنَّهَا مِنْ شَجَرِهِمْ لَا تَنْطِقُ إِلَّا قَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ الْمُسْلِمَ هَذَا يَهُودِيٌّ فَتَعَالَ اقْتُلْهُ .

 ثم قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَيَكُونُ ‏ ‏عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏فِي أُمَّتِي حَكَمًا عَدْلًا وَإِمَامًا ‏ ‏مُقْسِطًا ‏ ‏يَدُقُّ الصَّلِيبَ وَيَذْبَحُ الْخِنْزِيرَ ‏ ‏وَيَضَعُ ‏ ‏الْجِزْيَةَ ‏ ‏وَيَتْرُكُ الصَّدَقَةَ فَلَا ‏ ‏يُسْعَى عَلَى شَاةٍ وَلَا بَعِيرٍ وَتُرْفَعُ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ وَتُنْزَعُ ‏ ‏حُمَةُ ‏ ‏كُلِّ ذَاتِ ‏ ‏حُمَةٍ (‏ يقال لِسَمّ العقرب الحُمَّة )‏حَتَّى يُدْخِلَ الْوَلِيدُ يَدَهُ فِي ‏ ‏فِي الْحَيَّةِ فَلَا تَضُرَّهُ وَتُفِرَّ الْوَلِيدَةُ الْأَسَدَ فَلَا يَضُرُّهَا وَيَكُونَ الذِّئْبُ فِي الْغَنَمِ كَأَنَّهُ كَلْبُهَا وَتُمْلَأُ الْأَرْضُ مِنْ السِّلْمِ كَمَا يُمْلَأُ الْإِنَاءُ مِنْ الْمَاءِ وَتَكُونُ الْكَلِمَةُ وَاحِدَةً فَلَا يُعْبَدُ إِلَّا اللَّهُ وَتَضَعُ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا وَتُسْلَبُ ‏ ‏قُرَيْشٌ ‏ ‏مُلْكَهَا وَتَكُونُ الْأَرْضُ ‏ ‏كَفَاثُورِ ‏ ‏الْفِضَّةِ(الفاثور الخِوان , وقيل طست أَو جامٌ من فضة أَو ذهب و الخِوَانُ الذي يُؤْكل عليه)تُنْبِتُ ‏‏ نَبَاتَهَا  بِعَهْدِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏حَتَّى يَجْتَمِعَ ‏ ‏النَّفَرُ ‏ ‏عَلَى الْقِطْفِ( القِطف العنقود) مِنْ الْعِنَبِ فَيُشْبِعَهُمْ وَيَجْتَمِعَ ‏ ‏النَّفَرُ ‏ ‏عَلَى الرُّمَّانَةِ فَتُشْبِعَهُمْ وَيَكُونَ الثَّوْرُ بِكَذَا وَكَذَا مِنْ الْمَالِ وَتَكُونَ الْفَرَسُ بِالدُّرَيْهِمَاتِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا يُرْخِصُ الْفَرَسَ قَالَ لَا تُرْكَبُ لِحَرْبٍ أَبَدًا قِيلَ لَهُ فَمَا ‏ ‏يُغْلِي ‏ ‏الثَّوْرَ قَالَ تُحْرَثُ الْأَرْضُ كُلُّهَا. رواه ابن ماجه.

  ثم إن الرسول  وصف لونه ففي رواية في صحيح البخاري  أنه ءادم   الآدم  معناه الأسمر  وفي رواية أنه وصفه بالأحمر  فمعنى الروايات أنه ليس أبيض مشرقا بل هو أسمر سمرة خفبفة مع شىء من الحمرة وبياض خفيفين   فالذي ورد في البخاري أنه أسمر أما في أبي داود  وورد أنه أبيض كما يقولون في لبنان  حنطاوي .

عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ ‏ ‏بِالْكَعْبَةِ ‏ ‏فَإِذَا رَجُلٌ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏سَبْطُ ‏ ‏الشَّعَرِ ‏ ‏يَنْطِفُ ‏ ‏أَوْ ‏ ‏يُهَرَاقُ رَأْسُهُ مَاءً  ينطِف إذا قطر قليلاً قليلاً   قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا ‏ ‏ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏ثُمَّ ذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ فَإِذَا رَجُلٌ جَسِيمٌ أَحْمَرُ ‏ ‏جَعْدُ ‏ ‏الرَّأْسِ أَعْوَرُ الْعَيْنِ كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ قَالُوا هَذَا ‏ ‏الدَّجَّالُ ‏ ‏أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ‏ ‏ابْنُ قَطَنٍ ‏ ‏رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏خُزَاعَةَ رواه البخاريورواه مسلم من طريق عبد الله بن عمر عن أبيه

‏قوله ( فَإِذَا رَجُل آدَم ) ‏بِالْمَدِّ , فِي رِوَايَة مَالِك " رَأَيْت رَجُلًا آدَم كَأَحْسَن مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْم الرِّجَال " بِضَمِّ الْهَمْزَة وَسُكُون الدَّال . ‏‏قَوْله ( سَبِط الشَّعْر ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْمُوَحَّدَة وَسُكُونهَا أَيْضًا . ‏‏قَوْله ( يَنْطِف ) ‏بِكَسْرِ الطَّاء الْمُهْمَلَة ‏( أَوْ يُهْرَاق ) ‏كَذَا بِالشَّكِّ , وَلَمْ يَشُكّ فِي رِوَايَة شُعَيْب , وَزَادَ فِي رِوَايَة مَالِك " لَهُ لِمَّة " بِكَسْرِ اللَّام وَتَشْدِيد الْمِيم  ( و اللِّمّة شعر الرأْس إذا كان يُجاوِز شحمة الأُذن)   " كَأَحْسَن مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ اللِّمَم " وَفِي رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَةَ عَنْ نَافِع " تَضْرِب بِهِ لِمَّته بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ رَجْل الشَّعْر  أَي لم يكن شديد الجعودة ولا شديد السبوطة بل بينهما يَقْطُر رَأْسه مَاء " . ‏قَوْله ( قَدْ رَجَّلَهَا ) بِتَشْدِيدِ الْجِيم ( يَقْطُر مَاء ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَة شُعَيْب " بَيْن رَجُلَيْنِ " وَفِي رِوَايَة مَالِك " مُتَّكِئًا عَلَى عَوَاتِق رَجُلَيْنِ يَطُوف بِالْبَيْتِ " وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس " وَرَأَيْت عِيسَى بْن مَرْيَم مَرْبُوع الْخَلْق إِلَى الْحُمْرَة وَالْبَيَاض سَبْط الرَّأْس " زَادَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِنَحْوِهِ " كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاس " يَعْنِي الْحَمَّام , وَفِي رِوَايَة حَنْظَلَة عَنْ سَالِم عَنْ اِبْن عُمَر " يَسْكُب رَأْسه أَوْ يَقْطُر " وَفِي حَدِيث جَابِر عِنْد مُسْلِم " فَإِذَا أَقْرَب مَنْ رَأَيْت بِهِ شَبَهًا عُرْوَة بْن مَسْعُود " .‏قَوْله ( قُلْت مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : اِبْن مَرْيَم ) ‏فِي رِوَايَة مَالِك " فَسَأَلْت مَنْ هَذَا ؟ فَقِيلَ : الْمَسِيح اِبْن مَرْيَم " وَفِي رِوَايَة حَنْظَلَة " فَقَالُوا عِيسَى اِبْن مَرْيَم " . ‏

 ‏ روى البخاري ومسلم  عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ لَقِيتُ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏قَالَ فَنَعَتَهُ فَإِذَا رَجُلٌ حَسِبْتُهُ قَالَ مُضْطَرِبٌ رَجِلُ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ ‏ ‏شَنُوءَةَ ‏ ‏قَالَ وَلَقِيتُ ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ ‏ ‏دِيمَاسٍ ‏ ‏يَعْنِي الْحَمَّامَ وَرَأَيْتُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ قَالَ وَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ أَحَدُهُمَا لَبَنٌ وَالْآخَرُ فِيهِ خَمْرٌ فَقِيلَ لِي خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ فَقِيلَ لِي هُدِيتَ الْفِطْرَةَ أَوْ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ ‏ ‏غَوَتْ ‏ ‏أُمَّتُكَ ‏ . ‏قَوْله : ( يَعْنِي الْحَمَّام ) ‏هُوَ تَفْسِير عَبْد الرَّزَّاق , وَلَمْ يَقَع ذَلِكَ فِي رِوَايَة هِشَام , وَالدِّيمَاس فِي اللُّغَة السِّرْب , وَيُطْلَق أَيْضًا عَلَى الْكِنّ , وَالْحَمَّام مِنْ جُمْلَة الْكِنّ . الْمُرَاد مِنْ ذَلِكَ وَصْفه بِصَفَاءِ اللَّوْن وَنَضَارَة الْجِسْم وَكَثْرَة مَاء الْوَجْه حَتَّى كَأَنَّهُ كَانَ فِي مَوْضِع كِنّ فَخَرَجَ مِنْهُ وَهُوَ عَرْقَان , وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَة اِبْن عُمَر بَعْد هَذَا " يَنْطِف رَأْسه مَاء " وَهُوَ مُحْتَمَل لِأَنْ يُرَاد الْحَقِيقَة , وَأَنَّهُ عَرَقَ حَتَّى قَطَرَ الْمَاء مِنْ رَأْسه , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون كِنَايَة عَنْ مَزِيد نَضَارَة وَجْهه , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن آدَم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَحْمَد وَأَبِي دَاوُدَ " يَقْطُر رَأْسه مَاء وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَل " . ‏

‏روى البخاري عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏قَالَ ‏ قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏رَأَيْتُ ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏ومُوسَى ‏ ‏وَإِبْرَاهِيمَ ‏ ‏فَأَمَّا ‏ ‏عِيسَى ‏ ‏فَأَحْمَرُ ‏ ‏جَعْدٌ ‏ ‏عَرِيضُ الصَّدْرِ وَأَمَّا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏فَآدَمُ ‏ ‏جَسِيمٌ ‏ ‏سَبْطٌ ‏ ‏كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ الزُّطِّ ‏.

 ‏قَالَ ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏بن مسعود  ذَكَرَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَوْمًا بَيْنَ ظَهْرَيْ النَّاسِ ‏ ‏الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ أَلَا إِنَّ ‏ ‏الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ ‏ ‏أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ وَأَرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏فِي الْمَنَامِ فَإِذَا رَجُلٌ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏كَأَحْسَنِ مَا يُرَى مِنْ ‏ ‏أُدْمِ ‏ ‏الرِّجَالِ تَضْرِبُ ‏ ‏لِمَّتُهُ ‏ ‏بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ رَجِلُ الشَّعَرِ يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ وَهُوَ يَطُوفُ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏فَقُلْتُ مَنْ هَذَا فَقَالُوا هَذَا ‏ ‏الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏ثُمَّ رَأَيْتُ رَجُلًا وَرَاءَهُ ‏ ‏جَعْدًا ‏ ‏قَطِطًا ‏ ‏أَعْوَرَ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ ‏ ‏بِابْنِ قَطَنٍ ‏ ‏وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلٍ يَطُوفُ ‏ ‏بِالْبَيْتِ ‏ ‏فَقُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا ‏ ‏الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ ‏. رواه البخاري ورواه مسلم من طريق عبد الله بن عمر .

‏قَوْله : ( وَأَرَانِي ) ‏بِفَتْحِ الْهَمْزَة , ذُكِرَ بِلَفْظِ الْمُضَارَعَة مُبَالَغَة فِي اِسْتِحْضَار صُورَة الْحَال . ‏‏قَوْله : ( آدَم ) ‏بِالْمَدِّ أَيْ أَسْمَر . ‏قَوْله : ( كَأَحْسَن مَا يُرَى ) ‏وفي رِوَايَة مَالِك عَنْ نَافِع " كَأَحْسَن مَا أَنْتَ رَاءٍ " . ‏‏قَوْله : ( تَضْرِب لِمَّته ) ‏بِكَسْرِ اللَّام أَيْ شَعْر رَأْسه , وَيُقَال لَهُ إِذَا جَاوَزَ شَحْمَة الْأُذُنَيْنِ وَأَلَمَّ بِالْمَنْكِبَيْنِ لِمَّة , وَإِذَا جَاوَزَتْ الْمَنْكِبَيْنِ فَهِيَ جُمَّة وَإِذَا قَصُرَتْ عَنْهُمَا فَهِيَ وَفْرَة . ‏‏قَوْله : ( رَجِل الشَّعْر ) ‏بِكَسْرِ الْجِيم أَيْ قَدْ سَرَّحَهُ وَدَهَنَهُ , وَفِي رِوَايَة مَالِك " لَهُ لِمَّة قَدْ رَجَّلَهَا فَهِيَ تَقْطُر مَاء " وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ يُرِيد أَنَّهَا تَقْطُر مِنْ الْمَاء الَّذِي سَرَّحَهَا بِهِ أَوْ أَنَّ الْمُرَاد الِاسْتِنَارَة وَكُنِّيَ بِذَلِكَ عَنْ مَزِيد النَّظَافَة وَالنَّضَارَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَالِم فِي نَعْت عِيسَى " أَنَّهُ آدَم سَبِط الشَّعْر " وَفِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْله فِي نَعْت عِيسَى " أَنَّهُ جَعْد " وَالْجَعْد ضِدّ السَّبِط فَيُمْكِن أَنْ يُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّهُ سَبِط الشَّعْر وَوَصْفه لِجُعُودَةِ فِي جِسْمه لَا شَعْره وَالْمُرَاد بِذَلِكَ اِجْتِمَاعه وَاكْتِنَازه , وَهَذَا الِاخْتِلَاف نَظِير الِاخْتِلَاف فِي كَوْنه آدَم أَوْ أَحْمَر , وَالْأَحْمَر عِنْد الْعَرَب الشَّدِيد الْبَيَاض مَعَ الْحُمْرَة , وَالْآدَم الْأَسْمَر , وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْن الْوَصْفَيْنِ بِأَنَّهُ اِحْمَرَّ لَوْنه بِسَبَبٍ كَالتَّعَبِ وَهُوَ فِي الْأَصْل أَسْمَر ,

‏قَوْله : ( وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ ) ‏ وَفِي رِوَايَة مَالِك مُتَّكِئًا عَلَى عَوَاتِق رَجُلَيْنِ وَالْعَوَاتِق جَمْع عَاتِق وَهُوَ مَا بَيْن الْمَنْكِب وَالْعُنُق .

‏روى البخاري ‏عَنْ ‏ ‏سَالِمٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ(ابن عمر):‏ ‏قَالَ ‏ لَا وَاللَّهِ مَا قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لِعِيسَى ‏ ‏أَحْمَرُ وَلَكِنْ قَالَ ‏ ‏بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ ‏ ‏بِالْكَعْبَةِ ‏ ‏فَإِذَا رَجُلٌ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏سَبْطُ الشَّعَرِ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً أَوْ ‏ ‏يُهَرَاقُ ‏ ‏رَأْسُهُ مَاءً فَقُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا ‏ ‏ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏فَذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ جَسِيمٌ ‏ ‏جَعْدُ ‏ ‏الرَّأْسِ أَعْوَرُ عَيْنِهِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا هَذَا ‏ ‏الدَّجَّالُ ‏ ‏وَأَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ‏ ‏ابْنُ قَطَنٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الزُّهْرِيُّ ‏ ‏رَجُلٌ مِنْ ‏ ‏خُزَاعَةَ ‏ ‏هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ‏.

‏روى البخاري ومسلم عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أُرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ ‏ ‏الْكَعْبَةِ ‏ ‏فَرَأَيْتُ رَجُلًا ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ ‏ ‏أُدْمِ ‏ ‏الرِّجَالِ لَهُ ‏ ‏لِمَّةٌ ‏ ‏كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ ‏ ‏اللِّمَمِ ‏ ‏قَدْ رَجَّلَهَا فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَسَأَلْتُ مَنْ هَذَا فَقِيلَ ‏ ‏الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ‏ ‏وَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ ‏ ‏جَعْدٍ ‏ ‏قَطَطٍ ‏ ‏أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ فَسَأَلْتُ مَنْ هَذَا فَقِيلَ ‏ ‏الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ.

وَقِيلَ : سُمِّيَتْ كَعْبَة لِاسْتِدَارَتِهَا وَعُلُوّهَا وَمِنْهُ كَعْب الرَّجُل , وَمِنْهُ كَعَبَ ثَدْي الْمَرْأَة إِذَا عَلَا , وَاسْتَدَارَ . ‏وَأَمَّا ( اللِّمَّة ) فَهِيَ بِكَسْرِ اللَّام وَتَشْدِيد الْمِيم وَجَمْعهَا لِمَم كَقِرْبَةِ وَقِرَب قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَيُجْمَع عَلَى ( لِمَام ) يَعْنِي بِكَسْرِ اللَّام وَهُوَ الشَّعْر الْمُتَدَلِّي الَّذِي جَاوَزَ شَحْمَة الْأُذُنَيْنِ فَإِذَا بَلَغَ الْمَنْكِبَيْنِ فَهُوَ ( جُمَّة ) . ‏

‏وَأَمَّا ( رَجَّلَهَا ) فَهُوَ بِتَشْدِيدِ الْجِيم وَمَعْنَاهُ سَرَّحَهَا بِمُشْطٍ مَعَ مَاء أَوْ غَيْره وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَقْطُر مَاء ) فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاض يَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلَى ظَاهِره أَيْ يَقْطُر بِالْمَاءِ الَّذِي رَجَّلَهَا بِهِ لِقُرْبِ تَرْجِيله وَإِلَى هَذَا نَحَا الْقَاضِي الْبَاجِيُّ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَمَعْنَاهُ عِنْدِي أَنْ يَكُون ذَلِكَ عِبَارَة عَنْ نَضَارَته وَحُسْنه وَاسْتِعَارَة لِجَمَالِهِ . ‏وَأَمَّا ( الْعَوَاتِق ) فَجَمْع عَاتِق . قَالَ أَهْل اللُّغَة . هُوَ مَا بَيْن الْمَنْكِب وَالْعُنُق . ‏

‏وَفِيهِ لُغَتَانِ التَّذْكِير وَالتَّأْنِيث وَالتَّذْكِير أَفْصَح وَأَشْهَر . قَالَ صَاحِب الْمُحْكَم : وَيُجْمَع الْعَاتِق عَلَى عَوَاتِق كَمَا ذَكَرْنَا وَعَلَى عُتُق وَعُتْق بِإِسْكَانِ التَّاء وَضَمّهَا . ‏

‏وَأَمَّا طَوَاف عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَام - فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : إِنْ كَانَتْ هَذِهِ رُؤْيَا عَيْن فَعِيسَى حَيّ لَمْ يَمُتْ يَعْنِي فَلَا اِمْتِنَاع فِي طَوَافه حَقِيقَة , وَإِنْ كَانَ مَنَامًا كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فِي رِوَايَته فَهُوَ مُحْتَمِل لِمَا تَقَدَّمَ , وَلِتَأْوِيلِ الرُّؤْيَا . قَالَ الْقَاضِي : وَعَلَى هَذَا يُحْمَل مَا ذُكِرَ مِنْ طَوَاف الدَّجَّال بِالْبَيْتِ , وَأَنَّ ذَلِكَ رُؤْيَا إِذْ قَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيح أَنَّهُ لَا يَدْخُل مَكَّة وَلَا الْمَدِينَة مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُر فِي رِوَايَة مَالِك طَوَاف الدَّجَّال . وَقَدْ يُقَال : إِنَّ تَحْرِيم دُخُول الْمَدِينَة عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ فِي زَمَن فِتْنَته . وَاَللَّه أَعْلَم . ‏

‏وَأَمَّا ( الْمَسِيح ) فَهُوَ صِفَة لِعِيسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَصِفَة لِلدَّجَّالِ . فَأَمَّا عِيسَى فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي سَبَب تَسْمِيَته مَسِيحًا قَالَ الْوَاحِدِيّ : ذَهَبَ أَبُو عُبَيْد وَاللَّيْث إِلَى أَنَّ أَصْله بِالْعِبْرَانِيَّةِ مشيحا فَعَرَّبَتْهُ الْعَرَب , وَغَيَّرَتْ لَفْظه , كَمَا قَالُوا : مُوسَى وَأَصْله مُوشَى أَوْ مِيشَا بِالْعِبْرَانِيَّةِ . فَلَمَّا عَرَّبُوهُ غَيَّرُوهُ فَعَلَى هَذَا لَا اِشْتِقَاق لَهُ . قَالَ : وَذَهَبَ أَكْثَر الْعُلَمَاء إِلَى مُشْتَقّ وَكَذَا قَالَ غَيْره : إِنَّهُ مُشْتَقّ عَلَى قَوْل الْجُمْهُور ثُمَّ اِخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فَحُكِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ : لِأَنَّهُ لَمْ يَمْسَح ذَا عَاهَة إِلَّا بَرِئَ . وَقَالَ إِبْرَاهِيم وَابْن الْأَعْرَابِيّ : الْمَسِيح الصِّدِّيق . وَقِيلَ : لِكَوْنِهِ مَمْسُوح أَسْفَل الْقَدَمَيْنِ لَا أَخْمُص لَهُ , وَقِيلَ : لِمَسْحِ زَكَرِيَّا إِيَّاهُ , وَقِيلَ : لِمَسْحِهِ الْأَرْض أَيْ قَطْعهَا , وَقِيلَ : لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْن أُمّه مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ , وَقِيلَ : لِأَنَّهُ مُسِحَ بِالْبَرَكَةِ حِين وُلِدَ , وَقِيلَ : لِأَنَّهُ اللَّه تَعَالَى مَسَحَهُ أَيْ خَلَقَهُ خَلْقًا حَسَنًا وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَم .

‏ وفي صحيح مسلم عن ابْن عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَرَرْتُ لَيْلَةَ ‏ ‏أُسْرِيَ ‏ ‏بِي عَلَى ‏ ‏مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏آدَمُ ‏ ‏طُوَالٌ ‏ ‏جَعْدٌ ‏ ‏كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ وَرَأَيْتُ ‏ ‏عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ‏ ‏مَرْبُوعَ ‏ ‏الْخَلْقِ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ ‏ ‏سَبِطَ ‏ ‏الرَّأْسِ وَأُرِيَ ‏ ‏مَالِكًا ‏ ‏خَازِنَ النَّارِ ‏ ‏وَالدَّجَّالَ ‏ ‏فِي آيَاتٍ أَرَاهُنَّ اللَّهُ إِيَّاهُ ‏

 ‏فَلَا تَكُنْ فِي ‏ ‏مِرْيَةٍ ‏ ‏مِنْ لِقَائِهِ ‏ .

‏ وفي صحيح مسلم عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏عُرِضَ عَلَيَّ الْأَنْبِيَاءُ فَإِذَا ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏ضَرْبٌ مِنْ الرِّجَالِ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ وَرَأَيْتُ ‏ ‏عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا ‏ ‏عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ ‏ ‏وَرَأَيْتُ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ‏ ‏فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ ‏ ‏يَعْنِي نَفْسَهُ وَرَأَيْتُ ‏ ‏جِبْرِيلَ ‏ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏ ‏فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا ‏ ‏دَحْيَةُ ‏.

 أقول :فَلَا يَخْفَى عَلَى كُلّ مُنْصِف أَنَّ نُزُول عِيسَى ابْن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى الْأَرْض حَكَمًا مُقْسِطًا بِذَاتِهِ الشَّرِيفَة ثَابِت بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة وَالسُّنَّة الْمُطَهَّرَة وَاتِّفَاق أَهْل السُّنَّة وَأَنَّهُ الْآن حَيّ فِي السَّمَاء لَمْ يَمُتْ بِيَقِينٍ .

‏وَأَمَّا ثُبُوته مِنْ الْكِتَاب فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ رَدًّا عَلَى الْيَهُود الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ الزَّاعِمِينَ أَنَّهُمْ قَتَلُوا عِيسَى ابْن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام : { وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّه إِلَيْهِ } فَفِي هَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة أَخْبَرَنَا اللَّه تَعَالَى أَنَّ الَّذِي أَرَادَ الْيَهُود قَتْله وَأَخْذه وَهُوَ عِيسَى بِجِسْمِهِ وروحه لَا غَيْر رَفَعَهُ اللَّه إِلَيْهِ وَلَمْ يَظْفَرُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ كَمَا وَعَدَهُ اللَّه تَعَالَى قَبْل رَفْعه بِقَوْلِهِ : { وَمَا يَضُرُّونَك مِنْ شَيْء } وَبِرَفْعِ جَسَده حَيًّا فَسَّرَهُ اِبْن عَبَّاس كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيح . ‏

‏فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام رُفِعَ حَيًّا وَيَدُلّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الْمَذْكُورَة , الْمُصَرِّحَة بِنُزُولِهِ بِذَاتِهِ الشَّرِيفَة , الَّتِي لَا تَحْتَمِل التَّأْوِيل . ‏

‏وَقَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَإِنْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْل مَوْته } أَيْ قَبْل مَوْت عِيسَى ابْن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام كَمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة وَعَبْد اللَّه بْن عَبَّاس وَغَيْرهمَا مِنْ الصَّحَابَة وَالسَّلَف الصَّالِحِينَ وَهُوَ الظَّاهِر كَمَا قال بعض المفسرين , فَثَبَتَ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام لَمْ يَمُتْ بَلْ يَمُوت فِي آخِر الزَّمَان وَيُؤْمِن بِهِ كُلّ أَهْل الْكِتَاب . ‏

‏وَقَدْ ذَكَرَ اللَّه تَعَالَى فِي كِتَابه أَنَّ نُزُوله إِلَى الْأَرْض مِنْ عَلَامَات السَّاعَة قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَإِنَّهُ لَعِلْم لِلسَّاعَةِ } .

قال بعض المفسرين  : الصَّحِيح أَنَّ الضَّمِير عَائِد إِلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام , فَإِنَّ السِّيَاق فِي ذِكْره وَأَنَّ الْمُرَاد نُزُوله قَبْل يَوْم الْقِيَامَة كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَإِنْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْل مَوْته } أَيْ قَبْل مَوْت عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام , وَيُؤَيِّد هَذَا الْمَعْنَى الْقِرَاءَة { وَإِنَّهُ لَعَلَم لِلسَّاعَةِ } يَعْنِي بِفَتْحِ الْعَيْن وَاللَّام أَيْ أَمَارَة وَدَلِيل عَلَى وُقُوع السَّاعَة . ‏

‏وَقَالَ مُجَاهِد : { وَإِنَّهُ لَعِلْم لِلسَّاعَةِ } أَيْ آيَة لِلسَّاعَةِ خُرُوج عِيسَى ابْن مَرْيَم قَبْل يَوْم الْقِيَامَة . ‏وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَأَبِي الْعَالِيَة وَأَبِي مَالِك وَعِكْرِمَة وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَغَيْرهمْ , وَقَدْ اشتهرت الْأَخْبَار عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِنُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَبْل يَوْم الْقِيَامَة إِمَامًا عَادِلًا وَحَكَمًا مُقْسِطًا اِنْتَهَى .

فَهَذِهِ الْآيَات الْكَرِيمَة وَالنُّصُوص الصَّحِيحَة الثَّابِتَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَدُلّ دَلَالَة وَاضِحَة عَلَى نُزُول عِيسَى ابْن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ السَّمَاء إِلَى الْأَرْض عِنْد قُرْب السَّاعَة وَلَا يُنْكِر نُزُوله إِلَّا ضَالّ مُضِلّ مُعَانِد لِلشَّرْعِ مُخَالِف لِكِتَابِ اللَّه وَسُنَّة رَسُوله وَاتِّفَاق أَهْل السُّنَّة .

         جمعه العبد الفقير الى الله الغني

سليم علوان الحسني الشافعي

   في شهر ربيع الآخر 1423 هـ