كُلُّ شىءٍ يكونُ في جِهةٍ فَهُوَ جِسْمٌ، إمَّا جِسْمٌ لَطِيفٌ أَوْ جِسْمٌ كَثِيفٌ. الجِسْمُ اللطِيفُ كالنُّورِ وَالرِّيحِ والظلامِ، والجسمُ الكَثيفُ كالنَّجمِ وَالشَّمسِ وَالقَمَرِ. النجمُ والشَّمسُ والقمَرُ في هذا الفراغِ فوقَنَا، هذا الفَراغُ مِنْ هنا إلَى السَّماءِ الأولَى مَسيرَةُ خَمْسِمائةِ سنةٍ، الريحُ في هذَا الفَراغِ، الرِّيحُ جِسمٌ. الذِي يَقُولُ اللهُ في السماءِ وَيَظُنُّ أنَّ اللهَ ضوءٌ وَنُورٌ حَلَّ في جهةِ السَّماءِ جَعَلَهُ جِسْمًا، كَفَرَ. والذِي يَقُولُ بِصُورَةِ البَشَرِ أَكْفَرُ. كانَ فِي الماضِي مُشَبِّهَةٌ يَدَّعُونَ الإِسْلامَ وَيُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: "اللهُ بِصُورَةِ شَابٍّ أَمْرَد" وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: "بِصُورَةِ شَيْخٍ أَشْمَط" اخْتَلَطَ سَوادُ شَعَرِهِ بِبَيَاضِهِ. كانُوا يَدَّعونَ الإسلامَ وَيُصَلُّونَ وَيَصومُونَ، هؤلاءِ أَكْفَرُ مِنَ الذِي يَقُولُ اللهُ جِهَةَ فَوْقٍ وَلَمْ يَجْعَلْهُ بِصُورَةِ بَشَرٍ. الذِي جَعَلَهُ بصورَةِ بَشَرٍ أكفَرُ، هذَا مَعْنَى المجَسِّمِ.
أما "وَمَنْ وَصَفَ اللهَ بِمَعْنًى مِنْ معانِي البَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ" معناهُ أنَّ الذِي يَعْتَقِدُ أنَّ للهِ كَلامًا كَكَلامِ البَشَرِ مِنْ حَرْفٍ وصوتٍ والذِي يَعْتَقِدُ أَنَّ رُؤْيَتَهُ بِمُقَابَلَةٍ، أي يَرَى العَالَمَ مِنْ جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ كافِرٌ، كذلكَ الذِي يَعْتَقِدُ أَنَّ المؤمِنينَ يَرَوْنَ اللهَ بَعْدَما يَدْخُلونَ الجنَّةَ فِي جِهَةٍ مِنَ الجِهَاتِ أَوْ فِي كُلِّ الجِهاتِ فَهُوَ أيضًا كافِرٌ بَلْ يَرَاهُ المؤمنونَ في الجَنَّةِ مِنْ غَيْرِ مقابَلَةٍ مِنْ غَيْرِ أن يكونَ في جِهَةٍ مِنْهُمْ، اللهُ يُرَى لا كَمَا يُرى المخلوقُ، المخلوق يُرَى قَرِيبًا بِالمسافَةِ أو بعيدًا بالمسافَةِ.
كذلكَ الذِي يَظُنُّ أنَّ كلامَهُ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ شَبَّهَهُ بِالبَشَرِ ، نحنُ كلامُنَا بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ. أبُو حَنِيفَةَ رضِيَ اللهُ عنهُ كانَ أَدْرَكَ الصحابَةَ، وُلِدَ سنةَ ثَمَانِينَ مِنَ الهِجْرَةِ تَعَلَّمَ العِلْمَ مِمَّنْ تَعَلَّمَ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: "نَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِالآلاتِ وَالحُروفِ وَاللهُ يَتَكَلَّمُ بِلا ءالَةٍ وَلا حَرفٍ". الذِي يقولُ اللهُ يتكلَّمُ بالآلةِ والحرفِ وَالصَّوتِ شَبَّهَهُ بِخَلْقِهِ. هذَا البَيانُ لَيسَ شيئًا جَديدًا، أَبُو حَنيفَةَ قالَه، قالَ: "نَحنُ نَتَكَلَّمُ بِالآلاتِ والحُروفِ" معناهُ بعضُ الحروفِ تَخْرُجُ مِنَ الشفَةِ، وبعضُها مِنَ الحَلْقِ لا تَخْرُجُ إلاَّ مِنَ الحَلْقِ، وبعضُها مِنْ طَرَفِ اللسانِ، الحروفُ لَهَا مَخَارجُ. الذِي يَقُولُ اللهُ يتكلَّمُ بِالحَرْفِ وَالصَّوتِ جعلَهُ كخَلْقِهِ. الذِي يَظُنُّ أنَّ اللهَ يَتَكَلَّمُ ثُمَّ يَقْطَعُ ثُمَّ يَتَكَلَّمُ ثُمَّ يَقْطَعُ أو يَظُنُّ أنَّ اللهَ عَلِمَ أشياءَ ثُمَّ عَلِمَ أشياءَ ثُمَّ علمَ أشياءَ هذَا جعلَ اللهَ مِثْلَ خَلْقِهِ، جَعَلَ اللهَ حَادِثًا. اللهُ لا تَقُومُ بِهِ صِفَةٌ حادِثَةٌ، قالَ أبو حَنِيفَةَ: "مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ تَقُومُ بِهِ صِفَةٌ حَادِثَةٌ أَوْ شَكَّ أَوْ تَوَقَّفَ فَهُوَ كَافِرٌ". القُرْءَانُ نَقُولُ عَنْهُ كَلامُ اللهِ لا بِمَعْنَى أَنَّ اللهَ قَرأَهُ بِالحَرْفِ وَالصَّوْتِ، بَلْ نَقُولُ كلامُ اللهِ لأنَّهُ عبارَةٌ عَنْ كَلامِ اللهِ الأَزَلِيِّ، كمَا إِذَا قُلْنَا "الله" ذَكَرْنَا اللهَ بالحرفِ والصوتِ لكن اللهُ الذِي نَذْكُرُهُ شَىءٌ لا كَالأَشْيَاءِ.
الحنابِلَةُ الذِينَ ضَلُّوا يَقُولونَ اللهُ كلامُهُ بِحرفٍ وصوتٍ مِثْلُ ابنِ تَيْمِيَةَ هؤلاءِ كَفَرُوا لأَنَّهم وَصَفُوا اللهَ بِالحَادِثِ. اللهُ لا يُوصَفُ بالحادثِ كلُّ صفاتِه أَزَلِيَّةٌ أبدِيَّةٌ. حَياتُهُ أزَلِيَّةٌ أبديةٌ لا يَدْخُلُها تقطُّعٌ، كذلكَ عِلْمُهُ أزَلِيٌّ أبديٌّ كذلكَ قُدْرَتُهُ أزليةٌ أبديةٌ وسَمْعُهُ أزليٌّ أبديٌّ ومشيئَتُهُ أزليَّةٌ أبديةٌ وبَصَرُهُ أزلِيٌّ أبديٌّ، ومعَ هذا نَحنُ لا نَقُولُ القُرءانُ مَخلوقٌ وَلَوْ كَانَتْ هذِهِ الحروفُ مخلوقَةً لأنَّ هذِهِ الحروفَ عِبَارَةٌ عَنْ كَلامِ اللهِ الذِي ليسَ حَرْفًا. كَمَا إذَا قُلْنَا "الله" ما معنى "الله"؟ ذلكَ الذَّاتُ الأَزَلِيُّ الأَبَدِيُّ الذِي لا يُشْبِهُ شَيئًا لكن هذهِ الحُروفُ مَخْلُوقَةٌ شَىءٌ يَحْدُثُ ثم يَنْقَضِي. حُروفُ لفظِ الجلالَةِ "الله" تَدُلُ على ذلكَ الذَّاتِ الموجودِ الذِي لَيْسَ لَهُ ابْتِدَاءٌ. كذلكَ هذهِ الحروفُ ـ أي حروفُ القُرْءَانِ ـ تَدُلُّ عَلَى ذلكَ الكَلامِ الأزَلِيِّ الأَبَدِيِّ. كلامُهُ لَيْسَ كَكَلامِ الخَلْقِ لَيْسَ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ، كلامُه كلامٌ واحِدٌ ليسَ كَكَلامِ الخَلْقِ بِالانْتِقَالِ مِنْ حرفٍ إلى حرفٍ.
القرءانُ اللفظُ الذِي نَقْرَأُهُ مِنَ البَاءِ إلَى السِّينِ، أوَّلُهُ باءٌ مِنْ ﴿بِسمِ اللهِ الرحمنِ الرَّحِيمِ﴾ وءاخرُه سينٌ مِنْ ﴿مِنَ الجِنَّةِ والناسِ﴾ لَيْسَ اللهُ قَرَأَهُ بِالحَرْفِ والصَّوتِ، لَو كانَ كذلكَ لكانَ شَبِيهًا بِنَا. ليسَ يَبْدَأُ ثُمَّ يَسْكُتُ ثم يتكلَّمُ ثم يسكتُ لأنهُ ليسَ حَرْفًا، يَسْتَحِيلُ أن يَنْطِقَ بالحَرْفِ. لَمَّا تَقُولُ بسمِ اللهِ تَأْتِي البَاءُ ثُمَّ تَنْقَضِي ثُمَّ تَأتِي السينُ ثُمَّ تَنْقَضِي، يَسْتَحِيلُ أن يتكلمَ اللهُ بِهَا هكذَا. كلامُ اللهِ كلامٌ واحدٌ ليسَ مُتَجَزِّأً وليسَ لهُ أبعاض، هو كلامٌ واحِدٌ أَمْرٌ وَنَهْيٌ. كلامُ اللهِ الأزليُّ الأبديُّ في الدنيا سمعَهُ مِنَ البَشَرِ موسى عليه السلام وسيِّدُنا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، مِنْ بَيْنِ الأَنْبِيَاءِ كلِّهم. أمَّا في الآخِرَةِ يسمَعُهُ كُلُّ البَشَرِ وَالجِنِّ، كلُّهم يَسْمَعُونَ ذلكَ الكلامَ الذِي ليسَ حُروفًا ولا صَوْتًا. مُوسَى وسيدُنا محمدٌ عليهِمَا السلامُ سمعَا كلامَهُ الذِي ليس حَرفًا ولا صوتًا وليسَ لهُ ابتِداءٌ ولا انتهاءٌ. مَنْ كانَ يعتَقِدُ خلافَ ذلكَ فليسَ مُؤْمِنًا، فليسَ عَارِفًا بِاللهِ. ، بَعْضُ الناسِ إذَا سَمِعُوا "كَلامُ اللهِ ليسَ بِحَرفٍ لَيسَ بصوتٍ" يَسْتَغْرِبونَ، قَدْ يَظُنُّونَ مِنْ جَهْلِهِمْ أَنَّ هَذَا شَىءٌ مِنْ عِنْدِنَا وَلا يَدْرُونَ أَنَّ هَذَا التَّفْصيلَ وَالبَيانَ أَبُو حَنِيفَةَ قَالَهُ. وَكُلُّ أَهلِ السُّنَّةِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللهَ كَلامُهُ لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا.
وَرَدَ فِي القُرءانِ ﴿قُل لَوْ كانَ البحرُ مدادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ سورة الكهف / 109، مَعْنَاهُ كلامُ اللهِ ليسَ شيئًا لَهُ أَبْعَاض، وَإِنَمَا هو كلامٌ واحِدٌ وإنمَا قالَ تعالَى كلمات بلفظِ الجَمْعِ لِلتَّعظيمِ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ لَهُ كَلامًا مُتَجَزِّأً. في القرءانِ في موضِعٍ وَرَدَ ﴿وَكَلِمَةُ اللهِ﴾ وَوَرَدَ ﴿كَلِمَاتُ اللهِ﴾ بِلَفْظِ الجمعِ وَبِلَفْظِ الإِفْرادِ. كمَا أنَّ اللهَ عبَّرَ عن نفسِهِ بلفظِ الجمعِ وبلفظِ الإِفْرادِ، ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ سورة الإخلاص / 1، هَذَا صريحٌ فِي الإِفرادِ وَعبَّرَ عَنْ نفسِهِ بلفظِ الجَمْعِ قالَ تعالَى: ﴿إنَّا نَحْنُ نُحيِي وَنُمِيتُ﴾ سورة ق / 43، وَهُوَ وَاحِدٌ لكن عَبَّرَ عن نفسِهِ بِلَفْظِ الجَمعِ وَهُوَ واحِدٌ ليسَ جَمْعًا. وَعَبَّرَ بِلَفْظِ ﴿وَكُنَّا فاعِلِين﴾ سورة الأنبياء / 79، وَهُوَ فاعِلٌ واحِدٌ خالقٌ واحِدٌ. كذلِكَ قالَ ﴿كَلماتُ اللهِ﴾ سورة لقمان / ءاية 27، لِلتَّعظيمِ كَمَا عَبَّرَ عن نفسِهِ بنَحْنُ وَهُوَ وَاحِدٌ ليسَ اثْنَيْنِ وَلا ثلاثَةً ولا أَكْثَرَ.
هذا القُرءانُ الذي نحنُ نقرأُهُ والتوراةُ والإِنْجيلُ والزَّبورُ كُلُّ هؤلاءِ عِبَارَاتٌ عن ذلكَ الكَلامِ، هذهِ العِبَارَاتُ حُروفٌ، هِيَ عبارَاتٌ عَنْ كَلامِ اللهِ الذَّاتِيِّ لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا. بَعْضُ العِبَاراتِ بِالعَرَبِيَّةِ وَهُوَ القُرْءانُ وَبَعْضُ العِبَاراتِ بِالسُّرْيَانِيَّةِ وَهُوَ الإِنْجِيلُ وَبَعْضُ العباراتِ بِالعِبْرَانِيَّةِ وَهُوَ التَّوْرَاةُ وَالزَّبورُ. كُلٌ يُقالُ لَهُ كَلامُ اللهِ لا بِمَعْنَى أَنَّ اللهَ قَرَأَهُ هكذا بَلْ بِمَعْنَى أَنَّ هذهِ الكُتُبَ تَدُلُّ علَى ذَلِكَ الكلامِ الذِي لَيْسَ حَرْفًا ولا صوتًا. صفاتُ اللهِ عِلْمُهُ وقدرتُهُ ومشيئتُهُ وسمعُهُ وبصَرُهُ وكلامُهُ وحياتُهُ كُلُّ صِفَةٍ مِنْ هذِهِ الصِّفاتِ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ.
