الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين. وبعد فإن أهل السنة هم الصحابة ومن تبعهم في المعتقد أي أصول الاعتقاد، وهي الأمور الستة المذكورة في حديث جبريل الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره».

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد فمن أراد بُحبُوحة الجنة فليلزم الجماعة» رواه الترمذي وصححه. وقال عليه الصلاة والسلام: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة» رواه أبو داود، وفي رواية: «كلهم في النار إلا السّوادَ الأعظم» وفي رواية أخرى: «ما أنا عليه وأصحابي» وكلٌّ من الروايات الثلاث في المعنى واحدٌ، وذلك لأنَّ جمهور الأمّة أي معظمَهم في أصول العقيدة لم يخرجوا عما كان عليه الرسول وأصحابُه.

وقد قيض الله للأمة إمامين جليلين هما أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي رضي الله عنهما. فقاما بإيضاح عقيدة أهل السنة التي كان عليها الصحابة ومن تبعهم بإيراد أدلة نقلية وعقلية مع رد شبه المعتزلة أَتَم القيام برد شبههم وإبطالها، فنُسب إليهما أهل السنة فصار يقال لأهل السنة أشعريون وماتريديون.

والأشعري هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري اليماني البصري. ولد الإمام رحمه الله سنة ستين ومائتين في البصرة وعاش فيها زمانا، ثم دخل بغداد وتوفي فيها سنة أربع وعشرين وثلاثمائة على الراجح.

وأهل بيته كلهم سنيون لكنه رحمه الله تعالى كان على مذهب المعتزلة مدة من حياته تلميذا لمحمد بن عبد الوهاب الجبائي أحد رؤوسهم، إلى أن بين الله له فساد مذهبهم فتاب رضي الله عنه بعدما عرضت له أمور وفقه الله بسببها للرجوع والإنابة. فمن ذلك ما رواه الحافظ ابن عساكر في تبيين كذب المفتري أن أبا علي الجبائي كان ضعيفا في المناظرة فكان إذا أراد أن يناظر إنسانا أرسل أبا الحسن الأشعري لينوب عنه فحضر يوما مجلسا فناظره إنسان فقطع الأشعريَّ ثم إنه بعد ذلك أظهر التوبة والانتقال عن مذهبه. ومنها ما اشتهر أنه ناظر الجبائي في إحدى المسائل التي خالفت فيها المعتزلة أهل السنة فقطعه.

ثم إن الإمام رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرؤيا يأمره أن ينصر المذاهب المروية عنه صلى الله عليه وسلم وأن يأخذ بالأحاديث الصحيحة التي تلقاها أبو الحسن من أهل الحديث في مسألة الرؤية فإنها الحق. فانتبه من نومه فزِعا وأخذ يتأمل في مذهب كل من أهل السنة والمعتزلة، فظهر له صحة أدلة أهل السنة وفساد كلام المعتزلة. ثم رأى النبي عليه الصلاة والسلام فأمره بأن يتأمل في باقي المسائل التي خالف فيها المعتزلة لأهل السنة ويصنف في نصرة أهل السنة والدفاع عنهم وأن يجتهد في ذلك وأخبره بأن الله سيمده بمدد من عنده. وروي أنه بعد انقطاعه في بيته خرج إلى الجامع في البصرة يوم الجمعة فاعتلى المنبر وأظهر التوبة من مذهب الاعتزال والرجوع عنه.

ولم يأت الإمام الأشعري رحمه الله فيما قاله برأي مستحدث. قال ابن السبكي في طبقاته اعلم أن أبا الحسن الأشعري لم يبتدع رأيا ولم ينشئ مذهبا وإنما هو مقرر لمذاهب السلف فالانتساب إليه إنما هو باعتبار أنه أقام الحجج والبراهين على طريقتهم فصار المقتدي به في ذلك يسمى أشعريا أهـ ثم بعد هؤلاء الأئمة كان آلاف بعد آلاف من علماء أهل السنة سالكون لطريق الإمام الاشعري حتى صار لا يقال عن الإنسان إنه سني إلا إذا كان أشعريا أو ماتريديا نسبة للإمام أبي منصور الماتريدي.

وفي قومه نزل قول الله تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا من يرتدَّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبّهم ويحبّونه أذلة على المؤمنين أعزّة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم}. فيشير صلى الله عليه وسلم بعد نزولها إلى أبي موسى الأشعري قائلاً: "هم قوم هذا" وضرب بيده على ظهر أبي موسى الأشعري. قال القشيري: فأتباع أبي الحسن الأشعري من قومه لأن كل موضع أضيف فيه قوم إلى نبي أريد به الأتباع. وقال الحافظ البيهقي:

وذلك لما وجد فيه من الفضيلة الجليلة والمرتبة الشريفة للإمام أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه فهو من قوم أبي موسى وأولاده الذين أوتوا العلم ورزقوا الفهم مخصوصا من بينهم بتقوية السنة وقمع البدعة بإظهار الحجة ورد الشبهة. ذكره ابن عساكر في تبيين كذب المفتري. ولما جاء الأشعريون من اليمن كان لهم بلاء حسن في الإسلام، وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبًا". وذكر الإمام البخاري في صحيحه باب (قدوم الأشعريين وأهل اليمن) أن أبا موسى رضي الله عنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "هم مني وأنا منهم".

ونحن نحمد الله تعالى على هذه العقيدة السنية التي نحن عليها والتي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، والتي مدح الرسول صلى الله عليه وسلم معتنقها، فقال فيما رواه الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح: "لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش"، ولقد فتحت القسطنطينية بعد ثمانمائة عام فتحها السلطان محمد الفاتح رحمه الله، وكان سنيًّا منزهًا يعتقد أن الله موجود بلا مكان ويحب الصوفية الصادقين ويتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم.