بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس السادس والعشرون

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

رحمة الله – والشفاعة

قال الله تعالى: (ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون) (الأعراف).

وقال تعالى: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) (البقرة).

إن الله سبحانه وتعالى يرحم المؤمنين والكافرين في الدنيا، وَسِعت رحمته كُلًّا. أما في الآخرة فرحمته خاصة للمؤمنين. قال تعالى: (ورحمتي وسعت كل شيء) أي وسعت في الدنيا كل مؤمن وكافر. قال (فسأكتبها للذين يتقون) أي أخصها في الآخرة لمن اتقى الشرك وسائر أنواع الكفر والكبائر.

وقال تعالى: (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين) (الأعراف). أي أن الله حرم الله على الكافرين الرزق النافع والماء المروي في الآخرة وذلك لأنهم أضاعوا أعظم حقوق الله الذي لا بديل له ألا وهو الإيمان بالله ورسوله.

لا شفاعة للكافر:

إن رحمة الله تعم وتشمل المؤمن والكافر في هذه الدنيا، أما في الآخرة فإن الله لا يرحم الكافر بشفاعة نبي من الأنبياء أو بغير ذلك من الأعمال التي كان يعملها مع الناس في هذه الدنيا كإطعام المسكين والعطف على اليتيم فإن ذلك إذا حصل من الكفار في هذه الدنيا فإنهم يُجازون في هذه الدنيا بالصحة والرزق ونحو ذلك، أما في الآخرة فليس للكافر في كفة الحسنات شيء لأن الله تعالى لا يقبل الأعمال الصالحة، لا يقبل الحسنات إلا ممن آمن بالله ورسوله. قال تعالى: (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا) (النساء).

وقال الله تعالى: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) والمعنى أن أحدًا لا يشفع عند الله إلا بإذن الله. فالكفار لا يشفع فيهم أحد من الأنبياء والملائكة ولا غيرهم. حتى سيدنا محمد لا يشفع لمن مات كافرًا ولو كان من أقاربه كأبي لهب. وكذلك سيدنا عيسى عليه السلام لا يشفع للذين يعبدونه. وكذلك سيدنا موسى عليه السلام لا يشفع لهؤلاء اليهود الذين كفروا وكذّبوا المسيح ومحمدًا عليهما الصلاة والسلام قال الله تعالى: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) (الأنبياء) أي لا يشفعون إلا لمن مات على الإيمان.

الشفعاء عند الله

الأنبياء الذين هم أفضل المخلوقات وأفضلهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يشفعون لبعض العصاة من أممهم. ولكنهم لا يشفعون لبعض العصاة من أممهم. ولكنهم لا يشفعون لمن مات وكان يسب الله أو يستهزئ بالأنبياء أو الملائكة أو يستهزئ بالصلاة أو الصيام أو أحكام الشرع ويظن نفسه أنه مسلم.

والملائكة بما أنهم أطهارٌ ليس عليهم ذنوب، مجبولون على طاعة الله مكرمون عند الله، كلهم مؤمنون مسلمون مطيعون لربهم لا يعصون الله، فإن الله يشفِّعهم في الآخرة في عصاة المسلمين الذين ماتوا قبل التوبة وعليهم ذنوب كثيرة.

وليعلم أن الذي يسب الله في حالة الغضب أو المزح أو الجد لا يكون مسلمًا. قال الله تعالى: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) (التوبة). وكذلك يكفر من يعتقد أن الله جسم قاعد فوق العرش. فقد قال الشيخ عبد الغني النابلسي "من اعتقد أن الله ملأ السموات والأرض أو أنه جسم قاعد فوق العرش فهو كافر". وقال الإمام الأشعري: "من اعتقد أن الله جسم فهو غير عارف بربه وإنه كافر به". إن الله لا يشبه المخلوقات، لا يوصف بالهيئة ولا الشكل ولا الصورة ولا يوصف بالحركة ولا السكون ولا الوقوف ولا الجلوس (ليس كمثله شيء) (ولم يكن له كفوًا أحد). أما المسلم الذي يؤمن بالله ورسوله الإيمان الصحيح فإنه إن مات على الذنوب الكبيرة قد يشفع له النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

وسائر الأنبياء يشفعون لعصاة المسلمين من أممهم. فإبراهيم عليه السلام لا يشفع يوم القيامة لأبيه آزر الذي كان مشركًا وكان ينحتُ التماثيل التي يعبدونها من دون الله. وقد دعاه سيدُنا إبراهيم إلى الإيمان بالله وتركِ عبادة الأوثان والتماثيل التي لا تضر ولا تنفع والتي لا تستحق العبادة. وبيّن له أن الله هو خالق الطعام والشراب وهو الذي يرزق من يشاء وهو خالق كل شيء إلا أن آزر عاند وأبى أن يتخلى عن كفره.

وكذلك الشهيد المسلم الذي قُتِل في سبيل الله يشفع في سبعين من أهله العصاة المؤمنين.

وكذلك العلماء العاملون الصادقون المتقون يشفعون.

الشفاعة نوعان:

1 – شفاعة للمسلمين العصاة بعد دخولهم النار لإخراجهم منها قبل أن تنتهي المدة التي يستحقونها.

2 – وشفاعة لمن استحقوا دخول النار من عصاة المسلمين بذنوبهم فلا يدخلهم الله النار بهذه الشفاعة.

وعصاة المسلمين فقط هم الذين يأذن الله للأنبياء والملائكة والشهداء والعلماء العاملين أن يشفعوا لهم فيقبل الله شفاعتهم.

وأما من كان مؤمنًا تقيًا فهذا لا يحتاج إلى الشفاعة لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" رواه أبو داود والترمذي وغيرهما.

إذن ليس هناك كافر يشفع فيه رسول الله ذلك اليوم ولا أحد من أنبياء الله لا عيسى ولا إبراهيم ولا موسى ولا نوح ولا غيرهم من الأنبياء عليهم السلام.

دعوة عيسى:

قال الله تعالى إخبارًا عن عيسى الذي كان مسلمًا دعا لعبادة الله: (يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار). (المائدة) المعنى أنه لا يشفع لكم أحد، لا يُخلصكم من عذاب الله أحد، أي أنا لا أشفع لكم ولا أجد غيري يشفع لكم وليس لكم إلا النار التي أعدت للكفار ولكل من يعبد غير الله. هذه دعوة عيسى ودعوة كل نبيٍ من أنبياء الله: دعوة إلى توحيدِ الله وعبادتِه وحده.

أخي المسلم، خلاصة ما مضى أن الذي يعتقد أن نبيًا من أنبياء الله يشفع لأحد من الكفار يوم القيامة فقد كفر لأنه كذّب القرآن وكذلك من اعتقد أن الكافر يرحمه الله تعالى يوم القيامة كما يرحم بعض عصاة المسلمين فقد كفر لأن الله أخبرنا أن رحمته في الآخرة خاصة بالمؤمنين. قال تعالى: (ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون).

اللهم إنا نسألك أن ترحمنا وأن تغفر لنا وأن تثبت قلوبنا على الإيمان وأن تشفّع النبي الكريم فينا، ونسألك أن تميتنا على كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله.