بسم الله الرحمن الرحيم - الإيمانُ بالقدر
القَدَرُ هو إيجاد الله الأشياء على حسب ما سبق في عِلْمِهِ الأزليّ ومشيئته الأزليّة، أي تدبير الله الأشياء على وَفْق ما سبق في علمه ومشيئته الأزليّين، وإن شئت قلت: هو جَعلُ كلّ شيء على ما هو عليه. وبهذا المعنى يكون المراد بالقدر التدبيرُ الذي هو صفة لله عزّ وجلّ. وليُعلَم أنّ كل ما يجري في هذا العالم من الحركات والسكنات من أعمال العباد خيرها وشرها إنما يدخل في الوجود بتقدير الله عزّ وجلّ. ويدلّ على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السّلام حين سأله عن الإيمان: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" أخرجه مسلم في صحيحه. ومعنى هذا الحديث أن المقدورات أي المخلوقات ومنها الخير والشرّ تُوجَد بتقدير الله الأزليّ.
فالطاعة التي تحصل من المخلوقين وكذلك المعصية التي تحصل منهم كلٌّ يَحدُث بتقدير الله إيّاها. وليس معنى الحديث أنّ تقدير الله الذي هو صفة ذاته منه خير ومنه شرّ، لأنّ تقدير الله للشرّ لا يُوصَف بالشّر، بل تقديره عزّ وجلّ لجميع الكائنات حسنٌ وليس شرًّا ولا قبيحًا. ففي الحديث ذكِر القدر وأريد المقدور أي المخلوق لأنّ المخلوق هو الذي يُوصَفُ بالشّر والخير، إذ فِعْل العبد للقبيح قبيح منه وفعله للخير حَسَنٌ منه، وأمّا تقدير الله للقبيح فليس قبيحًا لأنّه لا آمر له ولا ناه، بل العبد هو المأمور والمنهيُّ فإن قام بالمأمور فحسَنٌ وإن ارتكب المنهيَّ فقبيح، وهذا معنى قول علماء التّوحيد: ما قبح من العبد فعله لا يقبح من الله خلقه.
وروى البيهقيّ في كتابه "القضاء والقدر" أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ذكِرَ عنده القدر يومًا فأدخَلَ أصْبُعَهُ السّبابة والوسطى في فيه، فرقم بهما باطن يده فقال: "أشهد أنّ هاتين الرَّقْمَتَيْن كانتا في أُمّ الكتاب". والمعنى أنه أدخل أصبُعَيْهِ في فمه فأمسَّهُما ريقه ثم رقم بهما في كفّه الأخرى، وقال هذا الرقم الذي رقمته الآن بأصبعيّ كان في اللوح المحفوظ، أي كلّ أعمالنا مكتوبة فيه، أي هي تحدث بتقدير الله عزّ وجلّ على حسب علمه ومشيئته الأزليين.
وروى البيهقيّ في "القضاء والقدر" عن مَيْسَرَة عن سيّدنا علي رضي الله عنه أنّه قال: "إنّ أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستيقن يقينًا غير ظنّ أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ويقرّ بالقدر كلّه. والمعنى أنّه لا يتمّ الإيمان في قلب أحدكم حتى يعتقد اعتقادًا جازمًا لا يخالطه شكّ أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه إن كان من الرّزق أو المصائب أو غير ذلك، وأنّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه، قال: "ويُقِرُّ بالقدر كلّه" أي لا يجوز أن يؤمن ببعض القدر ويكفر ببعض. بل يجب على كلّ مسلم أن يؤمن بأنّ كلّ ما يجري في الكون من خير أو شرّ، هدًى أو ضلالة، يُسْر أو عُسْر، حُلْو أو مُرّ، كلُّ ذلك بتقدير الله حدث، ولولا أنّ الله تعالى قدّره وخلقه ما كان ليحصُلَ.
وعن يوسف بن ماهك قال: كنّا نُحَدّثُ عن الهُدهُد، فقال ابن عبّاس: "إنّ الهدهد يعرف مسافة الماء في الأرض"، أي حدقته فيها قوة تزيد عن قوة حدقة بقيّة الطير والإنسان فيرى الماء من بُعْدٍ، فقال نافع بن الأزرق: قف قف، أو يقول إنّ الهدهد يعرف مسافة الماء في الأرض وهو يُنصَبُ له الفخُّ ويُذَرُّ عليه من التراب مثل الحريرة، ثم يجيء حتى يأخذ الفخّ بعُنُقِهِ؟! فقال ابن عباس: إنّ البصر ينفَعُك ما لم يأتِ القَدَر، فإذا جاء حال القدر دون البصر رواه البيهقي في كتابه "القضاء والقدر"، وفي رواية "إذا جاء القدر عَمِيَ البصر".
وروى البيهقيّ رحمه الله تعالى في كتابه "القضاء والقدر" أنّ عليّ بن موسى الرّضا الكاظم كان يقعد في الروضة وهو سابّ ملتحفٌ بمِطْرَفِ خَزٍّ، فيسأله الناس ومشايخ العلماء في المسجد، فسُئِل عن القدر، فقال: قال الله عزّ من قائل: (إن المجرمين في ضلال وسعر 47 يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر 48 إنا كل شيء خلقناه بقدر) [القمر: 47 – 49]، ثم قال الرّضا: كان أبي يذكر عن آبائه أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كان يقول: "إنّ الله خلق كلّ شيء بقدر حتى العجزَ والكَيْسَ وإليه المشيئة وبه الحولُ والقوّةُ".
عليّ الرّضا هو أبو الحسن أحد أحفاد سيّدنا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، ولد سنة 148هـ في المدينة المنوّرة وتوفي سنة 203هـ ودُفن في مدينة مَشْهد، ومعنى ما ذكره عن سيّدنا عليٍّ أنّ الله خَلَق كلَّ شيء بتقديره الأزليّ، ومن ذلك العجز، وهو ضعف الفهم والإدراك، وضعف الهمّة وفتورُها، وكذلك الكَيْس وهو الذكاء والفطانة، ومعنى قوله رضي الله عنه: "وإليه المشيئة" أنّ الله تعالى له المشيئة الشّاملة العامّة الأزليّة الأبديّة التي لا تتحوّل ولا تتغيّر، فكلُّ الممكنات الحادثات من أجرام وحركات العباد وسكناتهم ونيّاتهم، ما كان خيرًا منها أو شرّ، كلّ ذلك يحدث بمشيئة الله عزّ وجلّ، وقد سبقت مشيئته المشيئات كلّها،
فلا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم. وأمّا قول سيّدنا عليّ – رضي الله عنه - : "وبه الحول والقوّة" فالحول هو الابتعاد والتحفّظ عن الشّرّ، والقوّة هي القوّة على فعل الخير. والمعنى أنّ العبد لا يستطيع أن يدفع عن نفسه شرًّا إلا بعون الله أي إلا أن يحفظه الله، ولا أحد يقوى على طاعةٍ لله إلا بتقدير الله ومشيئته وتوفيقه. فالذين وفقهم الله لفعل الطّاعات من الإنس والجنّ فعملوها وحقّقوها فليس ذلك إلاّ بعون الله، فلله الفضل وله المنّة عليهم. وهذه العبارة من خالص التوحيد وجواهر العلم، هي موجزة ولكن مُفادُها واسع عظيم.
وروى البيهقيّ أيضًا بالإسناد الصحيح عن عبد الله بن الحارث قال: خَطَبنا عمر بن الخطّاب بالجابية – وهي أرض بالشّام – فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "من يهده الله فلا مضلّ له ومن يُضْلِلْ فلا هادي له" وكان عنده الجاثليق(1) (القاثوليك) وهو الرئيس العامّ للنصارى وكان من أهل الذمّة فقال بقميصه شيئًا فقال عمر: ما يقول عدوُّ الله؟ قالوا: لم يقل شيئًا، ثم أعادها عمر فتشهد فقال: من يهده الله فلا مضلّ له ومن يُضْلِل فلا هادي له، فأعاد الجاثليق ما قال، فقال عمر:
ما يقول؟ قالوا: يزعم أنّ الله يهدي ولا يُضِلّ، فقال عمر: كذبت عدوَّ الله، بل الله خلقك وهو أضلّك وهو يدخلك النار إن شاء، أي إن شاء أن تموت على كفرك، ثم قال: "والله لولا وَلْثُ عَهْدِك لضربتُ عُنُقِكَ" أي لولا أنك من أهل الذمّة لعاملتُك معاملة المرتدّين، ومعنى كلام سيّدنا عمر أنّ الذي قدّر الله له وشاء له في الأزل أن يكون مهتديًا فلا أحد يجعله ضالًّا، ومن قدّر الله له وشاء له أن يكون ضالًّا فلا أحد يجعله مهتديًا، وكلام عمر موافق لقوله تعالى: (ومن يهد الله فما له من مضل) [الزمر: 37]، وقوله تعالى: (ومن يضلل الله فلا هادي له) [الأعراف: 186].
وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنذر قومه أول ما نزل عليه الوحي عملًا بقوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) [الشعراء: 214]، ففَعَل فاهتدى به أناس ولم يَهْتدِ به آخرون، حتى من أقاربه كأبي لهب وغيره. والـمُوجب لذلك أي لأنْ يهتدي هؤلاء دون هؤلاء أنّ الله قدّر وشاء في الأزل ذلك فتنفّذت مشيئته في الفريقين.
سيّدنا موسى – عليه السلام – عندما ذهب لميقات ربّه سماع كلام الله الأزليّ خَلَّفَ على قومه أخاه هارون وكان نبيًّا، ثم قضى أربعين ليلةً ثم عاد إليهم فوجدهم قد عبدوا العجل إلاّ بعضًا منهم. فتَنَهم شخص يقال له موسى السّامريّ، فقد صاغ لهم عجلًا من ذهب ووضع فيه شيئًا من أثر حافر فرس جبريل، لأنه عندما أراد فرعون خوض البحر كان جبريل على فرس، فموسى السّامريّ الخبيث رأى موقف فرس جبريل فأخذ منه شيئًا ووضعه في العجل المصوغ من الذّهب، فجعل الله في خوارًا كالعجل الحقيقيّ، فقال لهم السّامريّ:
"هذا إلهكم وإله موسى" فعبده بعضهم. فلمّا وجدهم سيّدنا موسى قد فُتِنوا اغتاظ اغتياظًا شديدًا فأحرقه وكسّره ورماه في البحر. ثم اختار سبعين شخصًا من قومه ليتضرّعوا إلى الله فاهتزّت بهم الأرض، قال الله تعالى إخبارًا عن موسى أنه قال: (قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء) [الأعراف: 155]. والمعنى أنّ هذا الأمر الذي حدث في قومي من عبادتهم العجل فتنتُك، أي امتحان منك وابتلاء، أضلَلْتَ يا ربّي بها قسمًا وثبّتّ قسمًا على الهدى.
ومن ينسُب لله خَلْق الخير دون الشّر فقد نَسَب إلى الله تعالى العجز، ولو كان كذلك لكان للعالم مدبّران: مدبّر للخير وآخَرُ للشرّ، وهذا إشراك.
وهذا الرأي السّفيه يجعلُ لله تعالى في مُلكِه مغلوبًا لأنّه على حسب اعتقاده: الله تعالى أراد الخير فقط ولم يُرد الشرّ، فيكون قد وقع الشرّ من عدوّه إبليس وأعوانه الكفّار رَغْمَ إرادته، ويكفر من يعتقد هذا الرأي لمخالفته قوله تعالى: (والله غالب على أمره) [يوسف: 21]. أي لا أحد يمنع نفاذ مشيئة الله، وقد شاء الله تعالى للمؤمنين أن يكونوا مؤمنين باختيارهم فآمنوا، وشاء للكافرين أن يكونو كافرين باختيار فكفروا، ولو شاء أن يؤمن جميعهم لآمنوا، قال تعالى: (قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين) [الأنعام: 149]، أي ولكنّه لم يشأ هداية جميعكم. ثم هؤلاء الكفّار لو رُدُّوا إلى الدنيا لعادوا إلى ما كانوا عليه.
فمن عمل الحسنات والطاعات وتجنّب المحرّمات فليحمد الله الذي وفّقه لذلك، ومن وجد غير ذلك من العصيان فلا يلومَنَّ إلا نفسه، فإنّ الله ليس ظالمًا له، بل هذا العبد ظلم نفسه بمخافة أمر الله وقد صحّ حديث "فمن وَجَد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومَنَّ إلا نفسه" رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي ذرّ – رضي الله عنه – عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
(1) لفظ يوناني.