بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس السابع والأربعون

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

حقيقة الإيمان

قال الله تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا) (الحجرات).

وقال تعالى: (ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا) (الفتح).

إن الله تبارك وتعالى جعل أمور الدين مراتبًا بعضها أعظم من بعض فليست كل الحسنات في درجة واحدة فأفضل الأعمال عند الله تعالى وأنفعها هو الإيمان بالله ورسوله. فكل الأعمال لا تكون مقبولة عند الله إلا مع الإيمان بالله ورسوله. إن الذي آمن بالله ورسوله ومات على ذلك كان له عند الله النجاة من الخلود الأبدي في النار. وأما من مات ولم يكن على الإيمان بالله ورسوله فإنه يكون مخلدًا في نار جهنم والعياذ بالله تعالى.

إن الله تبارك وتعالى لا يقبل الحسنات إلا بعد الإيمان بالله ورسوله، قال تعالى: (ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا) (الفتح). الله تبارك وتعالى يخبرنا بهذه الآية أن الذي لم يؤمن بالله ورسوله محمد فإنه كافر وأن الله هيّأ له نارًا شديدة أي نار جهنم.

ثم إن معرفة الله ليس مجرد الاعتراف بوجود الله فإن كثيرًا من الناس يعترفون لفظًا بأن الله موجود لكنهم في الحقيقة ليسوا مؤمنين بالله، إنما الإيمان بالله هو أن يعتقد الإنسان اعتقادًا جازمًا لا شك فيه بأن الله موجود لا بداية لوجوده ولا نهاية لوجوده أي أزلي أبدي، وأنه هو الذي يستحق العبادة ولا أحد يستحق العبادة سواه. إن الله هو الذي يستحق غاية التذلل لأنه هو الذي أوجد العباد أي أخرجهم من العدم فجعلهم أحياء.

الله لا يُشبه المخلوقات:

الإيمان بالله هو أن يعتقد الإنسان أن الله تعالى موجود لا يُشبه شيئًا من المخلوقات، فإن الله تعالى هو خَلَقَ هذا العالم كله: خلق النور وخلق الظلمة، النور يأتي ثم يذهب فتعقبه الظلمة ثم تذهب الظلمة ثم يأتي النور مكانها وهكذا. إن الله تبارك وتعالى لا يجوز أن يُشبه شيئًا من خلقه، لا يجوز أن يُشبه الإنسان لا يجوز أن يكون شيئًا له رأس وصدر ورجلان، لو كان الله يُشبه الإنسان ما خلقه الإنسان، فهل الواحد منا يستطيع أن يخلق إنسانًا مثله؟ طبعًا لا يستطيع، فالشيء لا يخلق مثله.

إن الذي يعتقد أن الله له رأس لا يُعد مسلمًا، ولا مؤمنًا، والذي يعتقد أن الله يشبه الإنسان فليَعلم أنه كافر ليس له نصيب في الإسلام. وكذلك الذي يعتقد أن الله ضوء كالشمس أو كالقمر ليس له نصيب في الإسلام ولو صلى وصام وزعم أنه مسلم، ألم يسمع قول الله تعالى: (ولم يكن له كفوًا أحد) (الإخلاص). أي لا شبيه له ولا مثيل ولا نظير. إن الله هو خالق الظلمة كيف يكون ظلمة، وهو خالق النور كيف يكون نورًا. وهو خالق الروح كيف يكون روحًا.

ليس كمثله شيء:

إن الله موجود لا يشبه الموجودات، قال تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (الشورى). فمن قال: الله نور وقصد أنه ضوء كالشمس فهو كافر وأما من قال: الله نور وقصد أنه خالق النور أي هو الذي نوّر الأرض والسموات بالشمس والقمر والنجوم أو هدى الملائكة ومؤمني الإنس والجن فهذا صحيح.

قال الله تعالى: (الله نور السموات والأرض) النور أي أن الله هادي أهل السموات وأهل الأرض كما فسرها ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. الملائكة أهل السموات، وأهل الأرض هم الإنس والجن، فالله هدى من شاء من الإنس والجن وهدى الملائكة كلهم للإيمان، والإيمان نُورُ الله، من رزقه الله الإيمان فآمن بالله ورسوله محمد فإن هذا نوّر الله قلبه. قال الله تعالى: (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة زيتون لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسه نار) (النور).

في هذه الآية ضرب الله مثلًا للإيمان الذي في صدر المؤمن بأنه كالمشكاة فيها مصباح. لأنه لما يؤمن العبد بالله ورسوله صار هذا القلب فيه نور، نور الإيمان، ثم لما يتعلم هذا المؤمن القرآن ويعرف الحلال والحرام صار نورًا على نور. ومعنى "مثل نوره" أي مثل هُداه الذي في قلب العبد المؤمن، والمشكاة أي الطاقة المسدودة. وليس معنى هذه الآية أن الله تعالى ضوء يشبه الضوء الذي في الطاقة. هل يجوز أن يقال أن الله شبّه نفسه بالضوء الذي يوضع في الطاقة يُسقى من زيت الزيتون حاشا وكلا تبأ لهؤلاء الذين يفسرون الآيات على أهوائهم ويعتقدون أن الله جسم أو ضوء أو روح.

وقد قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: "أنّى يُشبه الخالق مخلوقه". المعنى أنه لا يجوز في العقل أن يكون الخالق الذي ليس كمثله شيء شبيهًا بمخلوقاته.

وقال الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه الله وهو من علماء بلاد الشام "من اعتقد أن الله ملأ السموات والأرض أو أنه جسم قاعد فوق العرش فهو كافر بربه".

الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم:

وأما معنى معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتقد العبد أن محمدًا الهاشمي القرشي هو عبد الله ورسوله صادق في جميع ما اخبر به وبلّغه عن الله تعالى فكلُّ ما جاء به صدق وحق وحكمة وعدل ليس فيه شيء غير صحيح.

أما الذي يعتقد أن محمدًا جاء بأشياء قسم منها صحيح وقسم منها غير صحيح فهو غير مؤمن وهو كاليهود لعنهم الله.

وإن من عرف الله بأنه موجود من غير أن يُشبّهه بشيء وعرف الرسول بأنه نبي الله وأنه صادق فهذا يسمى مسلمًا ومؤمنًا. المسلم هو المؤمن والمؤمن هو المسلم. فمن قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله واعتقد معنى ذلك بقلبه فهو مسلم مؤمن. لكن المسلم إذا لم يؤدِ الفرائض جميعها ولم يجتنب المعاصي جميعها لا يكون إيمانه كاملًا إلا أن يؤدي كل الواجبات التي فرضها الله ويجتنب المحرمات التي نهى الله عنها فهذا العبد الذي آمن بالله ورسوله وكان مؤديًا للفرائض ومجتنبًا للمحرمات ليس عليه في القبر عذاب ولا ضيق حتى يدخل الجنة ويتبوأ مقعده آمنًا مطمئنًا من وقت الموت إلى أبد الآباد.

أخي المسلم، إن أعظم حقوق الله على عباده هو توحيدُه تعالى وأن لا يُشركَ به شيء وأكبر ذنب يقترفه العبد هو الكفر والعياذ بالله فاحرص على إيمانك وتزود لآخرتك يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم أو خالٍ من الكفر.

اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت الحنّان المنّان بديع السموات والأرض ذو الجلال والإكرام يا حي يا قيوم وأسألك الجنة وأعوذ بك من النار. فاغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان.