بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس التاسع والسبعون
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
إثباتُ وجود الله والردّ على الملاحدة
قال الله تعالى: (أفي الله شك) (سورة إبراهيم) وقال أيضًا: (فاعلم أنه لا إله إلا الله) (سورة محمد).
من المعلوم عند اهل الحق أن الله تبارك وتعالى موصوف بصفات أزلية أبدية تليق بجلاله. وصفة الوجود من صفات الله تعالى فيجب الاعتقاد أن الله موجود وأن وجوده ليس كوجودنا لأن وجودنا له بداية ونهاية وأما الله تعالى فوجوده بلا بداية أي لم يسبق وجوده عدمٌ ووجوده بلا نهاية أي لا يلحقه فناء. وليُعلم أن الذي ينكر صفة الوجود لله تعالى يُسمى ملحدًا فيقال له: مُعطّل لأنه نفى صفة من صفات الله تبارك وتعالى الواجبة له بإجماع المسلمين. أما الدليل على وجود الله تعالى فإثباته بثلاثة طرق: إما بطريق الاستدلال، وإما بطريق الخبر الصادق للرسول المؤيّدِ بالمعجزات، وإما بالدليل العقلي المحض.
1 – طريق الاستدلال:
أما طريق الاستدلال ففي قوله تعالى: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) (سورة البقرة). فهذه الآية تدعو إلى التفكر في مخلوقات الله الدالة على وجود الخالق العظيم الذي أحسَن كل شيء صُنعا ثم إذا تفكر بعقله بما جعل الله له من يد يبطش بها ورجل يمشي بها وأضراس تظهر له عند استغنائه عن الرضاع لوجَد نفسَه في أحسن تقويم.
وإذا نظر إلى هذا العالم المتطور والمتغير والمتحول من حال إلى حال لوجد أن الأشياء وُجدت بعد أن لم تكن ومنها ما يفنى بعد مدة ومنها ما يتغير بطريقة دورية كتعاقب الليل والنهار وشروق الشمس وغيابها يوميًا والفصول الأربعة من السنة وهذه الأشياء حادثة مخلوقة تحتاج إلى خالق خلقها وإلى مدبر يدبرها وهو الله تعالى.
2 – الخبر الصادق للنبي المؤيد بالمعجزة:
وأما الخبر الصادق للنبي المؤيد بالمعجزة فهو دليل على إثبات وجود الله. فالله تعالى أرسل رسلًا من البشر مبشرين ومنذرين وكان الرسول منهم يدعو الناس لعبادة الله خالق كل شيء فمنهم من آمن بدعوته ولم يطلب دليلًا على صدقه، ومنهم من عاند وطلب من النبي إظهار معجزة تدل على صدقه كقوم نبي الله صالح. فتظهر المعجزات دليلًا على صدق النبي أمام رهط كبير من الناس لا يُتصوّرُ في العقل تواطؤهم على الكذب فيرون المعجزة فينقلونها إلى غيرهم. وهكذا تتناقل حتى تصل إلينا وهذا يُسمى بالخبر المتواتر الذي لا يُجحَدُ عقلًا.
فنحن الذي يجعلنا نعتقد مثلًا أن هناك بلدًا تُسمى الصين فيها أكثر من سبعمائة مليونًا من البشر هو تواتر الأخبار على ألسنة أناس لا يُتصورُ أن يكونوا قد اتفقوا على الكذب في هذا الخبر. والذي يُكذّبُ الخبر المتواتر يكون للعقل مكابرًا شاكًا في كل شيء لا يُصدّق إلا ما يراه. فيضطره هذا إلى عدم التصديق بأن له جَدٌ لأنه لم يَرَه. فهذا المكابر ضلّ لأنه شك في هذا الخبر. فوقوع المعجزات على أيدي الأنبياء دليل على صدقهم فيما يدّعون فهذا دليل على وجود الله تعالى لا يرفضه إلا كل مكابر والعياذ بالله.
3 – الدليل العقلي:
أما الدليل العقلي المحض على وجود الله فيتضح بإثبات حدوث العالم:
فالأجسام حادثة ليست أزلية فإننا نحس بأنها مبنية على الحاجة والافتقار إلى غيرها وكل ما كان كذلك فهو حادث لأن القديم يستغني بقدمه عن غيره. فنحن نرى الأجسام محتاجة إلى من يُصرّفها ويُدبّرها بإصلاح ما فسد منها، نراها عاجزة عن إصلاح نفسها بذاتها حتى في حال كمالها وقوتها ونراها محتاجة إلى من يقهر طبائعها المتضادة المتنافرة على الاجتماع ويجمعها بلا تفاسد.
والإنسان يُخلقُ في بطن أمه ثم يخرُجُ وهو لا يعلم شيئًا ولا يتكلم ولا يمشي فيأخذ في النمو شيئًا فشيئًا فيتطور فتحصل له قوةٌ يمشي بها وكلامٌ ويحصل له علمٌ يتجدد له شيئًا فشيئًا حتى نشأ طفلًا ثم صار شابًا ثم كهلًا ثم شيخًا ثم هرمًا. انتقل من ضعف إلى قوة إلى ضعف فلا يُعقلُ أن يكون طوّر نفسه بنفسه. ولا يعقل أيضًا أن يكون الأبُ طوّر الابن ولا يعقل أيضًا أن تكون الطبيعة مطورتُه. ولا يصح في العقل أيضًا أن يكون تطوُّره بدون مطوِّر فثبت بُطلانُ هذه التقديرات ووجب أن يكون بتطوير مطوِّر موصوف بالحياة والعلم والقدرة والإرادة، وجوده قديم أزلي، وذلك المطوِّر هو المسمى الله.
4 – سبحان الخالق العظيم:
وقد سئل أحد العلماء عن الدليل على وجود الله تعالى فقال: "ورقة التوت ريحها ولونها وطبعها واحدٌ عندكم، فقالوا: نعم، قال: يأكلُ منها النحلُ فيُخرِجُ العسل وتأكلُ منها الشاةُ فتُخرِجُ البَعرَ. ويأكلُ منها الدودُ فيُخرِجُ الحريرَ ويأكلُ منها الظِباءُ فيتكونُ فيه المِسْكُ"، فمع أنّ لونها وطعمها ورائحتها واحدٌ مع ذلك خرج منها ما تحوّل إلى أشياء تختلفُ في اللون والطعم والرائحة، فطعم الحرير غير طعم العسل وغير طعم البعر وغير طعم المسك، إذًا لا بُدّ لهذه الأشياء من خالق خلقها وطوّرها في بطون الحيوانات إلى أشياء مختلفةٍ في اللون والطعم والرائحة والفائدة وهو المسمى الله. فسبحان الخالق العظيم.
أخي المسلم، اعتبر مما تراهُ من نِعَمِ ربّ العالمين واستمع لما يُقرّه العقلُ السليم ولا تتّبع أقوالَ الملاحدةِ المضلين تكُن من الفائزين يوم الدين.
اللهم ثبتنا على الإيمان وأعِنا على ذكرِك وشكرِك وحسن عبادتك وقِنا عذابَ النار إنّك أنت الغفور الرحيم.