بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا وإمامنا وحبيبنا محمد وعلى آله الأطهار وصحبه الأبرار ما تعاقب الليل والنهار أيها الأحبة في الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وحياكم الله ومرحبًا بكم إلى هذه السلسلة العلمية من الدروس الفقهية التي نتناول فيها قدرًا يسيرًا مبسطًا من أحكام الفقه في مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وسنتذاكر ونتدارس فصولًا وأحكامًا ومسائل لا بد للمسلم أن يعرفها ويعلمها تندرج تحت العلم الشرعي الواجب على المكلف معرفته، وقد تواترت النصوص في كتاب الله تعالى وفي سنة حبيبه المصطفى عليه الصلاة والسلام التي تحثنا وترشدنا إلى طلب العلم، فالعلم نورٌ للبصيرة وتهذيب للنفس، يورث الخشية من الله تعالى، الله جل جلاله جعل لأهل العلم ولطالب العلم الثواب العظيم والأجر الجزيل والرفعة في الدرجات وبيّن أن العلم يورث الخشية منه سبحانه وتعالى، قال جل جلاله،

(إنما يخشى الله من عباده العلماء) وقال كذلك (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) وقال أيضًا (يرفع الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) والحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام بيّن لنا أن من علامة إرادة الخير بالعبد أن يوفقه لطلب العلم وأن يفقهه في الدين فقد جاء في الحديث الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع، وإن الله وملائكته ليصلون على معلّم الناس الخير، وفي رواية قال وإن الله وإن العالم،

وفي رواية، وإن طالب العلم يستغفر له من في السموات والأرض حتى الحيتان، وفي رواية حتى النملة في جحرها، ثم قال عليه الصلاة والسلام وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وفي رواية فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، وأن العلماء ورثة الأنبياء، وأن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به فقد أخذ بحظٍ وافر، وقد بوّب الإمام البخاري في صحيحه بابًا سماه باب العلم قبل القول والعمل، أي أن العلم مقدّم قبل القول والعمل، لقوله تعالى (فاعلم أنه لا إله إلا الله) وقال سيدنا علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، العلم خيرٌ من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، وجاء عن سيدنا معاذ رضي الله تعالى عنه أنه قال مبينًا لنا رضي الله تعالى عنه بيّن لنا أن طالب العلم يعطيه الله سبحانه وتعالى الأجر العظيم،

فقال سيدنا معاذ تعلّم العلم فإن تعلمه لك حسنة، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد وتعليمه من لا يعلمه صدقة وبذله لأهله قربى، وجاء عن بعض السلف أنه قال من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أراد الدنيا والآخرة فعليه بالعلم، أي لا طريق للنجاح والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة إلا بسلوك سبيل العلم، لا سيما طلب العلم الشرعي طلب علم الفقه الذي لا بد للمسلم أن يعرفه ولا بد للمسلم أن يطلبه وأن يعلمه، وقد قسم أهل العلم طلب العلم إلى ثلاثة أقسام، طلب العلم قد يكون واجب، أي يجب على كل مسلم وهو طلب العلم الذي تصح به العبادة والمعاملة، فهذا الحد هو واجبٌ على كل مسلم كما جاء في الأثر،

طلب العلم فريضة على كل مسلم، وهو القدر الذي تعرف به كيف تتعبد الله سبحانه وتعالى، كيف تتوضأ كيف تغتسل، كيف تصلي، ما هي مبطلات الصلاة، كيف تصوم كيف تحج، هذا واجب على كل مسلم، أما ما زاد على ذلك والوصول إلى درجة الإفتاء فهو فرض كفاية ولا يجب على كل مسلم بل إذا قام به البعض سقط الحرج عن الباقين أي يجب أن يكون في أهل كل قرية أو مدينة أو ناحية من يعلّم الناس ومن يفتيهم ومن يجيب عن تساؤلاتهم واستفتاءتهم، ثم ما زاد على ذلك الحد وهو التبحر في طلب العلم والتوسّع، هذا مندوب ومستحب ومن أفضل القربات وأشرف الأعمال وأعظم ما يتقرب به العبد إلى الله سبحانه وتعالى وقد جاء عن الإمام الشافعي أنه كان يقول طلب العلم أفضل من الصلاة النافلة،

أي أنك لو اشتغلت طول الليل بطلب العلم وتحصيله ودراسته قال أفضل من أن تقوم بالصلاة النافلة وفي كلٍ خير، إلا أن طلب العلم من أفضل القربات ومن أفضل الأعمال التي نتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى فعليك أيها الأخ الحبيب، عليك أيها الأخ العزيز أن تسارع وأن تبادر بطلب العلم، وأن تشمر في تحصيل العلم والحضور إلى مجالس العلماء وطلبة العلم حتى تتلقى عنهم العلم الواجب الذي أوجبه الله تعالى عليك طلبه، ولا تتكاسل ولا تتقاعس فإن الوسائل كثرة، وسائل طلب العلم كثرت، وهناك وسائل التقنيات الحديثة التي تسهل الاتصال والتواصل مع أهل العلم حتى تفوز برضى الله تعالى وحتى تفوز تحظى بقبول العمل وبقبول العبادة فإن أهل العلم قد ذكروا أنه يشترط لقبول العمل شرطان،

الشرط الأول الإخلاص، أن تكون العبادة والعمل خالصة لله تعالى، لا يشوبه شيء من الرياء أو السمعة أو العجب أو حب ثناء الناس، كما قال سبحانه وتعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويقيموا الزكاة) كذلك أيضًا يشترط أن يكون العمل على وفق ما أمر الله تعالى بها وما أمر حبيبه المصطفى عليه الصلاة والسلام فلا بد من معرفة شروط العبادة وأركانها، حتى لا يحصل التقصير في شيءٍ منها ولا بد كذلك أيضًا من معرفة المبطلات حتى لا تعمل مبطل من مبطلات العبادة وأنت لا تدري، فلا بد إذًا أن نشمر وأن نسارع في طلب العلم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، أسأل الله العلي القدير أن يفتح علينا فتوح العارفين، وأن يفقهنا في الدين وأن يعلمنا التأويل ويجعلنا من عباده الصالحين المصلحين الهداة المهتدين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.