بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وحياكم الله إلى هذه الحلقة الجديدة من سلسلة حلقات دروس الفقه الشافعي، وهذا الدرس الأول من دروس كتاب الصلاة، والصلاة في اللغة هي الدعاء، وقيل الدعاء بخير، وقيل في الشرع هي أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم غالبًا، قولهم غالبًا أي أن الصلاة قد تكون أقوال بلا أفعال، كصلاة المشلول أو المربوط وقد تكون أفعال بدون أقوال كصلاة الأخرس،
أما على سبيل الغالب هي أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، والصلاة أيها الأحبة هي الركن الثاني من أركان الإسلام وهي عامود الدين وهي الشعيرة العظيمة وهي أفضل العبادات البدنية، فرضها أفضل الفروض ونفلها أفضل النوافل، وقد وردت الآيات الكثيرة، والأحاديث النبوية الكثيرة التي تحث على وجوب المحافظة على الصلاة، والتنبيه على عِظم أمر الصلاة وقد قال ربنا جل جلاله ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ وقال أيضًا ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ وجاء عن الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام أنه قال إن العبد إذا قام في صلاته فتحت له الجنان وكشف له الحجاب بينه وبين ربه واستقبلت الحور العين ما لم يمتخط أو يتنخع أو كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام وقال أيضًا جعلت قرة عيني في الصلاة،
إن في الصلاة لشفاء وقد فرض الله تعالى الصلوات الخمس على الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام ليلة الإسراء والمعراج، حين أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم عُرج إلى السموات العلى، وفرض الله الصلاة، خمسين صلاة، فلم يزل عليه الصلاة والسلام يراجع الله تعالى إلى أن أصبحت خمس صلوات، وجاء في الحديث هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي، فهي خمس صلوات في الفعل والأداء، لكن خمسون في الأجر والثواب جودًا كرمًا وتفضلًا من الله سبحانه وتعالى وذكر الله تعالى الصلوات الخمس في كتابه العزيز فقال ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ قال سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما تمسون أي صلاة المغرب والعشاء،
وتصبحون أي صلاة الصبح، وعشيًا أي صلاة العصر، وتظهرون أي صلاة الظهر، وأوقات الصلوات الخمس، قد بينتها سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام فصلاة الظهر يدخل وقتها بزوال الشمس عن كبد السماء أي وسط السماء، إذا زالت الشمس عن وسط السماء دخل وقت الظهر ويستمر إلى مصير ظل الشيء مثله غير ظل الاستواء أي لأن عندما تكون الشمس في وسط السماء عند الاستواء يكون للأشياء ظل خفيف ويسير، هذا الظل لا نحسبه فيما بعد، أو لا يُحسب عندما قلنا أن وقت الظهر يخرج عند مصير ظل الشيء مثله، غير ظل الاستواء، لا يحسب هذا الظل، وإذا زاد قليلًا مصير ظل الشيء مثله وزاد قليلًا يدخل وقت العصر ويستمر إلى غروب الشمس، وحينئذٍ يدخل وقت صلاة المغرب ويستمر إلى مغيب الشفق الأحمر ويدخل بذلك وقت صلاة العشاء،
ويستمر إلى طلوع الفجر الصادق، هو الفجر الذي يكون معترض في الأفق ويزيد شيئًا فشيئًا، فيخرج وقت صلاة العشاء ويدخل وقت صلاة الصبح بطلوع الفجر الصادق، ويخرج بظهور شيء من أشعة قرص الشمس، هذه هي أوقات الصلوات الخمس، وقد قال الله سبحانه وتعالى﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا (١٠٣)﴾ أي محددًا بأوقات مخصوصة لا تقدم ولا تؤخر عنها إلا بعذر، والصلاة تجب على من اجتمعت فيه شروط وجوب الصلاة، شروط وجوب الصلاة أربعة، الإسلام، البلوغ والعقل والنقاء عن الحيض والنفاس، نأتي إلى
الشرط الأول الإسلام، فلا تجب على الكافر الأصلي ولا يجب عليه القضاء إذا أسلم، أما المرتد يعني المسلم الذي ارتد ثم عاد إلى الإسلام، نقول يجب عليه أن يقضي الصلاة التي تركها في وقت ردته، الشرط الثاني، البلوغ فلا تجب على الصبي، وإنما يجب على الآباء والأمهات أن يأمروا أولادهم وهم أبناء سبع سنوات ويضربوهم على تركها وهم أبناء عشر سنوات،
الشرط الثالث العقل، فلا تجب على المجنون وعلى غير المميز، ولا على المغمى عليه ولا يجب عليهم القضاء، الشرط الرابع النقاء عن الحيض والنفاس، فلا تجب على الحائض ولا النفساء، ولا تصح منهم، هذه شروط وجوب الصلاة، فمن اجتمعت عليه هذه الشروط وجب عليه أن يحافظ على الصلاة في وقتها، وأن لا يتساهل ولا يتكاسل في تركها، الذي حصل اليوم أن كثير من الناس يتساهل في ترك الصلوات وخصوصًأ صلاة الفجر، يستيقظ بعد طلوع الشمس ولا يتحرك عنده شيء، ولا يسارع إلى التوبة، ترك الصلاة ولو ترك الإنسان فرضًا واحدًا فيخشى عليه من الوعيد الشديد الذي ورد في تارك الصلاة قال تعالى ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ والنبي عليه الصلاة والسلام في ليلة الإسراء والمعراج رأى أقوامًا ترضخ رؤوسهم بالصخرة كل ما رضخم عادت كما كانت فسأل جبريل عن ذلك فقال هؤلاء الذين تثاقلت رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة،
وفي الحديث من ترك الصلاة لقي الله وهو عليه غضبان، تارك الصلاة الذي تركها جحودًا لوجوبها هذا كافر ومرتد بالإجماع، أما الذي ترك الصلاة تكاسلًا فهذا حكمه أنه عاصٍ فاسقٍ مرتكب لكبيرة من أكبر الكبائر ويخشى عليه من سوء الخاتمة والعياذ بالله تعالى، ولا عذر في ترك الصلاة، إلى ما ذكره الفقهاء من أعذار ترك الصلاة، وهي أربعة، النوم والنسيان والجمع والإكراه، النوم يكون عذر إذا نام قبل دخول الوقت أما إذا نام بعد دخول الوقت فلا يكون عذر، إلا إذا كان من عادته أن يستيقظ في الوقت أو أوصى من يوقظه، والنسيان كذلك عذر، النبي صلى الله عليه وسلم قال، رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه والنسيان يكون عذر في ترك الصلاة إذا كان سببه الاشتغال بمباح أو بمندوب أو بواجب أما إذا إنسان اشتغل بشيء مكروه أو شيء محرم،
ثم قال أنا نسيت الصلاة، لا يعتبر ذلك عذر، العذر الثالث الجمع، هو جمع التقديم أو التأخير يقدمها أو يؤخرها عن وقتها هذا في السفر وفي المرض وفي المطر كما سيأتي معناه، والعذر الرابع الإكراه، إذا أكره وهدد بالقتل أو الإيذاء وكان من هدده صادق بذلك وهو لا يستطيع رده فهو معذور في ترك الصلاة ويؤديها في قلبه أو نحو ذلك، هي هذه الأربعة أعذار لترك الصلاة، وإذا ترك الصلاة متعمدًا وجب عليه أن يسارع على القضاء، وجب عليه القضاء على الفور، ولا يتأخر،
وأما من ترك الصلاة لعذر كالنوم أو النسيان مع العذر قلنا أنه يجب عليه القضاء أيضًا لكن ليس على الفور وإنما على التراخي، وإنما الأفضل والأحسن له أن يسارع في القضاء ويبادر إلى القضاء، هذه أهم أحكام هذا الدرس في الدرس القادم سنأخذ شروط صحة الصلاة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه وأن يفقهنا في الدين ويعلمنا التأويل، إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجميعن، والحمد لله رب العالمين.