كيف نستقبل المولود الجديد

الحمد لله رب العالمين، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على أشرف الخلق وسيد المرسلين سيدنا محمد طه الأمين، وعلى ءاله وصحابته الطيبين الطاهرين ومن تبعهم وسار على منوالهم إلى يوم الفصل والدين.

أما بعد:

فقد قال الله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46)} سورة الكهف.

وقد شرع الله تعالى النكاح لما فيه من تحصينٍ للنفسِ من الوقوعِ في الحرام، وهو أيضًا مسؤوليةٌ وتكليفٌ لما فيه من رعاية لحق الزوجين لكل منهما، وتربية الأولاد وتَنشِئتِهِم النشأة الإسلامية الصحيحة على كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم،

وقد سَنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سُنَنًا يقوم بها المسلم عندما يُرزق بمولودٍ جديد ومنها:

التّهنئة بالمولود:

فإذا وُلِد المولود حيًّا وخرج من بطن أمه صارخًا باكيًا فإنّه يُستحبُّ لمن كان موجودًا حين الولادة وعَلِم بالخبر أن يُبشّر والده ومن يُحبّ بذلك، لما في البشارة من سرور لأهل المولود وخِلّانهم، فيُستحبّ للمُسلم أن يبادر إلى إدخال السّرور إلى قلب أخيه وإعلامه بما يُسعده، وذلك لقول الله تعالى في قصّة إبراهيم عليه الصّلاة والسّلام: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101)} سورة الصافات. وقوله تعالى: {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (53)} سورة الحجر. ويُستَحَبُّ أن يُهنَّأ الوالدُ بالولَدِ.

الأذان والإقامة في أُذنَيْ المولود:

فيُستحبّ لمن وُلد له مولودٌ ذكرًا كان أم أُنثى أن يؤذِّن في أذنه اليُمنى، ويُقيم الصّلاة في الأذن اليُسرى بعد الولادة مُباشرةً، لما رُويَ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أذّن في أُذُنِ الحسَنِ حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ رضيَ الله عنها كالأذانِ في الصّلاةِ. رواه أبو داود وغيره.

وروي عن سيدنا عمر بنِ عبدِ العزيز أنّه كانَ إذا وُلِدَ لهُ مَولَودٌ أخَذَه في خِرقَةٍ ثم أذّنَ في أُذُنِه اليُمنى وأقامَ في أُذنِه اليُسرَى. وذلك ليكون أول ما يَرِد على سَمع المولود هو توحيد الله عز وجلّ، كما يُلقَّن عند خروجه من الدّنيا بالموت، ولِما فيه من طرد الشّيطان عنه، فإنّه يُدبِر عند سماع الأذان كما جاء في الخبر.

ويُسَنّ أن يقول في أُذن المولود اليمنى: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36){ سورة ءال عمران. ويُسنُّ قول ذلك حتّى وإن كان المولود ذكر على سبيل التّلاوة والتبرّك بلفظ الآية.

تحنيك المولود:

فيُسنّ أن يُحنَّك المولود بتمرة، بأن يمضُغها شخصٌ، ثم يُدلّك بها داخل فم المولود ولثّته وشَفَتيه، لما في الصّحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: وُلِدَ لي غُلامٌ فأَتَيتُ به النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسمَّاه إبراهيمَ، فحنَّكَه بتمرةٍ ودعا له بالبَركةِ ودفَعه إليَّ. وكان أكبرَ وَلَدِ أبي موسى. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُحَنّكُ أولادَ الأنصَارِ بالتّمرِ. رواه البخاري ومسلم.

حلق شعر رأس المولود:

ويُستَحَبُّ لمن وُلِدَ لهُ وَلدٌ أن يَحْلِقَ رأسَ المولود يومَ السّابعِ أي في اليوم السّابع من ولادته، لما روتْ عائشةُ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم عَقّ عن الحسنِ والحُسَينِ يومَ السّابع وسمّاهُما وأَمرَ أن يُمَاطَ الأذَى عن رؤوسِهِمَا. رواه الحاكم والبيهقي.

ولأنّه صلى الله عليه وسلم أمَرَ فَاطِمَةَ لمّا وَلَدتِ الحسَنَ والحسَينَ أنْ تَحلِقَ شُعُورَهُما وأنْ تَتصَدّقَ بزِنَتِه فِضّةً ففعَلَتْ ذَلكَ. رواهُ الشّافِعيّ.

فيُستَحبُّ أن يتصَدّقَ بزِنَةِ شَعَرِهِ الذي حُلِق ذَهَبًا أو وَرِقًا (أي فضةً)، ويُستَحَبُّ أنْ يُلَطَّخ رأسُه بالزَّعفَران ويُكرَهُ أن يُلطّخَ رأسُه بدَمِ العَقيقةِ.

ختان المولود في اليوم السّابع:

فينبغي لمن وُلِد له مولود أن يختنه، أو ما يُسمّى في بعض البلاد الإسلاميّة بالتّطهير، وفي الخِتان المُبالغة في الطّهارة والنّظافة. وعند الشافعية الختان واجب على الذكور والإناث، والدليل على ذلك ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا التقا الختانان فقد وجب الغسل”

ويُستحبّ عند الشافعية أن يكون الختان في اليوم السّابع من ولادته لما أخرجه البُيهقيّ عن عائشة رضي الله عنها: (أنّ النبيّ عليه الصّلاة والسّلام ختن الحسن والحسين يوم السّابع من ولادتهما).

ويكون الختان للذّكر بقطع الجلدة التي تُغطّي الحشفة، أي بقطع قُلْفَةِ الذّكَر، والقُلفة هي الجلدة التي تُغطي الحشفة فتُقطعُ هذه الجلدة وبهذا يكون الختان للذكر.

ويجبُ عند الإمام الشافعيّ ختان الأنثى أيضًا بقطعِ شىء يحصُل به اسمُ القطع من القِطْعةِ المُرتَفِعَةِ كعُرفِ الدّيك مِنَ الأنثَى، ولا عيب في هذا بل هو شىءٌ حسن وهو واجب في مذهب الشافعي.اهـ. لكن من غير إنهاك أي من غير مبالغة في قطع الجلدة التي في أعلى الفرج لأن بعض الناس في بعض البلاد يفعلون ذلك لأجل تمام اللّذة في الجماع.

روى الحاكم في المستدرك على الصحيحين عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ امْرَأَةٌ تَخْفِضُ النِّسَاءَ يُقَالُ لَهَا أُمُّ عَطِيَّةَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:“اخْفِضِي وَلَا تَنْهَكِي، فَإِنَّهُ أَنْضَرُ لِلْوَجْهِ وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ” .

قال النووي في الروضة: “الختان واجب في حق الرجال والنساء” وقال: “وختان الرجل قطع الجلدة التي تغطي الحشفة حتى تنكشف جميع الحشفة ويقال لتلك الجلدة القلفة. وأما من المرأة فتقطع من اللحمة التي في أعلى الفرج فوق مخرج البول وتشبه تلك اللحمة عرف الديك فإذا قطعت بقي أصلها كالنواة ويكفي أن يقطع ما يقع عليه الاسم” اهــ.

فمن مُحَرّماتِ الفرجِ ترك الخِتانِ بعد البلوغ فإنّه يجبُ على المكلفِ غيرِ المختون الخِتانُ، فقد نص الشافعيُّ رضي الله عنه على أن الختان واجبٌ على البالغ سواءٌ كان ذكرًا أم أُنثى، يعني إذا لم يُختن الصبيُّ أو الصبية في الصِغر فإنه يجبُ عليه وعليها بعد البلوغ الختان.

ونصوا على وجوب ذلك على الصبي والصبية بعد البلوغ لأنهُ قبل البلوغ لا يكونُ الشخصُ مكلفًا، فإذا ترك غير المكلف الصلاة أو الصيام ليس عليه إثم لأنهُ غير مكلف ولا يجرى عليه قلم التكليف ولا يُكتبُ عليه معصية، وإذا فعل طاعة يُكتب له، أما ولي الصبي والصبية فتجب عليه أشياء متعلقة بالصبي والصبية، أما بعد البلوغ صار الولد مُكلفًا لذلك قال الشافعية بأن ترك الختان بعد البلوغ معصية، فإذا بلغ وكان غير مختون يجبُ عليه أن يُختتن ذكرًا كان أو أُنثى إن أطاقَ ذلكَ،

يعني إن كان لا يحصُل لهُ ضرر، هذا معنى إن أطاق ذلك. يعني إذا كان لا يحصل لهُ ضرر يُبيحُ لهُ ترك الختان وليس مُجرد قليل من الألم ونحوُ ذلك.

ومَذهَبُ مالِكٍ وغيره من الأئِمّةِ أنّه غَيرُ واجبٍ على الذَّكَر والأُنثى وإنّما هو سُنَّةٌ، يعني إذا تركهُ الشخص فليس عليه ذنب عندهم.

ومِنْ هنا يَنبغي التّلَطُّف بمن يدخُل في الإِسلام وهو غَيرُ مُخْتَتِنٍ فلا يَنْبغي أنْ يُكَلَّم بذلكَ إن كانَ يُخشَى منه النُّفُور من الإسلام. سيدنا إبراهيم لمَّا أُمر بالختان كان ابن ثمانين، فاختتن فورًا إسراعًا في طاعة الله تعالى.

العَقِيقَة:

وهي سُنّة مُؤكَّدَة وهيَ الذّبِيحَةُ عنِ المَولُودِ يَومَ سَابعِهِ، وهيَ اسمٌ لِمَا يُذبَحُ يَومَ حَلْقِ رَأسِ المَولُودِ. وسوَاءٌ في ذلكَ الذّكَرُ والأُنثَى فإنْ كانَ غُلامًا ذَبَحَ عنهُ شَاتَينِ وإنْ كانَت جَارِيةً ذَبَحَ عَنها شَاةً بصِفَةِ الأُضْحِيَةِ.

فقد قال صلى الله عليه وسلم: “عنِ الغُلامِ شَاتَانِ وعن الجارِيةِ شَاة” صَحّحَهُ ابنُ حِبّانَ والحاكمُ.

ورَوى الأربَعةُ حَديثَ: “كُلُّ غُلامٍ مُرْتَهَنٌ بعَقِيقَتِهِ يُذْبَح عنه يومَ السّابعِ ويُحلَقُ رَأسُه ويُسمَّى”

والمستَحَبُّ أنْ يَكُونَ الحَلْقُ بعدَ الذّبحِ كَما جَزَم به في المهَذّبِ ورَجّحَهُ النّوويُّ.

وأَجْوَدُ ما قيلَ في قولِه صلى الله عليه وسلم: “كُلُّ غُلامٍ مُرْتَهَنٌ بعَقِيقَتِهِ”ما ذهبَ إليه أحمدُ بنُ حنبلٍ حيث قالَ: هَذا في الشّفَاعَةِ. كما نقل الحافظ ابن حجر في الفتح. ويُريدُ أنّه إذا لم يُعَقَّ عنهُ فمَاتَ طِفْلا لم يَشْفَع في أبَويْهِ.

ونقَلَ الرّافِعيُّ أنه يَدخُلُ وَقْتُ العقيقة بالوِلادَةِ والسنة أن تكون في اليوم السابع، ومن لم يعق عنه أهله وأرادَ أن يَعُقّ عن نفسِه فَعَلَ.

وأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ عن محمدِ بنِ سِيرينَ قال: “لو أَعْلَمُ أني لم يُعَقَّ عَني لَعَقَقتُ عن نفسِي”

ويُستَحَبُّ نَزْعُ اللّحْمِ مِنْ غَيرِ أن يَكسِرَ العَظْمَ تَفاؤلا بِسَلامَةِ أعْضَاءِ المولُودِ.

ولا يُجزِئُ إلا الجَذَعَةُ مِنَ الضّأنِ أو الثّنِيّةُ منَ الإبلِ والبَقَرِ والمَعْزِ سَلِيْمَةً منَ العُيُوبِ.

ويُستَحَبُّ أنْ يقولَ عندَ الذّبحِ: بسمِ اللهِ اللهُمّ مِنكَ وإليكَ، عَقِيقَةُ فُلانٍ. لِمَا رَوتْ عَائشَةُ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أَمرَهُمْ بذَلكَ.

ولأنّ الإطعام على النّكاح سنةٌ والوَلدُ مقصودٌ بهِ، والفَرحُ به أشَدّ فكَان أَوْلَى باستحبابِ الإطعام له.

ويُطبخُ ولا يُكسَر عَظْمُه، ويَأكُلُ ويُطعِم ويتَصَدّقُ وذلكَ يوم السّابع. ويُفَرِّق على الفقراء بعدَ طَبخِه بحُلْوٍ كالزّبيبِ تَفاؤلا بحلاوَةِ أخْلاقِه،

ويُستَحبّ أن يأكلَ مِن لحمها ويُهدِي ويتَصدّق كحُكمِ الأُضْحِيةِ لحديث عائشة رضي اللهُ عنها.

التسمية:

ويُسمّى في اليوم السابع بعد ذبح العقيقة،ويُستَحَبُّ أن يُسَمّيَ بعَبدِ الله وعبدِ الرّحمن لقَولِه صلى الله عليه وسلم: “أَحَبُّ الأسماءِ إلى اللهِ عبدُ الله وعبدُ الرّحمن” رواه مسلم وغيره. فإنْ سَمّاه باسْمٍ قَبِيحٍ غَيّر ذلكَ الاسمَ لما رُويَ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم غيّر اسمَ عاصية وقال: “أنتِ جميلة” رواه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وغيرهما.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحابته الطيبين الطاهرين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.