بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس الثامن والأربعون

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الإسراء والمعراج: دليل باهر على صدق الدعوة المحمديّة

قال الله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياته إنه هو السميع البصير) (الإسراء).

بدأ النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بدعوته العظيمة فآمن به من آمن وجحد الكفرة دعوته وأنكروا رسالته وراحوا يؤذونه في نفسه وفي أتباعه المستضعفين، والرسولُ صابر لا ييأس وثابت لا يتراجع عن دعوته. ولقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يؤيد عبده ونبيه المصطفى بمعجزة باهرة ودلالة ظاهرة تُثبت صدق دعوته وحقيةَ دينه فكانت المعجزة العظيمة معجزة الإسراء والمعراج.

الإسراء:

معجزة الإسراء ثابتة بنص القرآن والحديث الصحيح فيجب الإيمان بأن الله أسرى بالنبي صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى. وقد أجمع أهل الحق من سَلَفٍ وخَلَفٍ ومحدّثين ومُتكلمين ومُفسرين وعلماء وفقهاء على أن الإسراء كان بالجسد والروح وفي اليقظة وهذا هو الحق وهو قول ابن عباس وجابر وأنس وعمر وحذيفة وغيرهم من الصحابة وقول الإمام إحمد وغيره من الأئمة وقول الطبري وغيره.

وإن كان إسراؤه صلى الله عليه وسلم بالجسد والروح فهذا ليس بعزيز على الله سبحانه وتعالى لأن الله على كل شيء قدير.

فاعلم يا أخي المسلم أنه لا خلاف في الإسراء به صلى الله عليه وسلم إذ فيه نص قرآني فلذلك قال العلماء: إن من أنكر الإسراء فقد كذب القرآن ومن كذب القرآن فقد كفر.

وقد أُسري بالرسول ليلًا من بيت أم هانئ من مكة المكرمة من المسجد الحرام حيث شُقّ صدره وغُسِلَ قلبه ومليء حكمة وإيمانًا حتى يتهيأ لمشاهدة عجائب خَلقِ الله بقلب قوي. فمن المسجد الحرام انطلق على البُراق ومعه سيدنا جبريل عليه السلام والبُراقُ دابة من دواب الجنة (فوق الحمار ودون البغل) يضع حافره عند منتهى طرفه فمرا في المدينة فنزل فصلى فيها. ثم وصل إلى مدينة "مَدْيَن" مدينة النبي شعيب وصلى بها ركعتين. ثم وصل إلى طور سيناء فصلى ركعتين ثم وصل إلى بيت لحم حيثُ ولد سيدنا عيسى بن مريم فصلى بها ركعتي. حتى أتى بيت المقدس ودخل المسجد الأقصى وجمع الله له فيه جميع الأنبياء من آدم فمن بعده فصلى بهم إمامًا.

من عجائب ما رأى الرسول في الإسراء:

1- الدنيا: رأى وهو في طريقه إلى بيت المقدس الدنيا بصورة عجوز.

2- إبليس: رأى شيئًا متنحيًا عن الطريق وهو إبليس (كان إبليس من الجن المؤمنين في أول أمره ثم كفر لاعتراضه على الله) وما تجرأ إبليس أن يكلم الرسول أو يغويه بالشر لأن هيبة النبي غلبته.

3- المجاهدون في سبيل الله: رأى قومًا يزرعون ويحصدون في يومين. فقال له جبريل: هؤلاء المجاهدين في سبيل الله.

4- خطباء الفتنة: رأى أناسًا تُقرضُ ألسنتُهم وشفاهُهُم بمقاريض من نار. قال له جبريل: هؤلاء خطباء الفتنة الذين يخطبون للشر والفتنة. أي يدعون الناس إلى الضلال والفساد والغش والخيانة.

5- تاركوا الصلاة: ورأى قومًا ترضخ رؤوسهم ثم تعود كما كانت. فقال جبريل: هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن تأدية الصلاة.

المعراج:

قد ثبت المعراج بنص الأحاديث الصحيحة وأما القرآن لم ينص عليه نصًا صريحًا لكن ورد فيه ما يكاد يكون نصًا صريحًا.

فائدة جليلة: ولا بد لنا من أن نذكر بأن الله سبحانه وتعالى هو خالق السموات السبع وخالق الأماكن بدون مكان والله لا يحتاج إلى شيء فلا يحتاج إلى مكان يسكنه. وأما من يعتقد أن الله ساكن في السماء أو أن الرسول وصل إلى مكان هو مركز لله تعالى فإنه يكون قد شبّه الله بالمخلوقات وهذا تكذيب لقوله تعالى: (ولم يكن له كفوًا أحد) وقوله تعالى (ليس كمثله شيء).

لما وصل سيدنا محمد ومعه جبريل عليه السلام إلى السماء الأولى استفتح جبريل بابها فقال له الخازن: من معك قال: محمد. قال: أوبُعث؟ قال: نعم. ففتح لهما فوجدا فيها آدم. وفي السماء الثانية رأى عيسى ويحيى عليهما السلام. وفي الثالثة رأى يوسف عليه السلام، وفي الرابعة رأى إدريس عليه السلام، وفي الخامسة رأى هارون عليه السلام، وفي السادسة رأى موسى عليه السلام، وفي السابعة رأى إبراهيم عليه السلام، وكان يُشبه سيدنا محمدًا من حيث الخِلقة وقال للرسول: "مُر أمتك فليكثروا من غِراس الجنة لا حول ولا قوة إلا بالله".

من عجائب ما رأى في المعراج:

1- البيت المعمور: وهو بيت مشرف، هو لأهل السماء الملائكة كالكعبة لأهل الأرض,

2- سدرة المنتهى: فيها من الحُسن ما لا يصفه أحد من الخلق يسير الراكب في ظلها مسيرة سبعين عامًا.

3- الجنة: وهي فوق السموات السبع. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اطّلعت في الجنة فرأيتُ أكثر أهلها الفقراء" رواه البخاري ومسلم.

4- الحُورُ العين: ورأى الرسول في الجنة الحُور العين فطلب سيدنا جبريل منه أن يُسلم عليهنّ بالقول فقلن له "نحن خيرات حسان أزواج قوم كرام".

5- الولدان المخلدون: ورأى فيها الولدان المخلدين وهم ليسوا من البشر ولا من الملائكة ولا من الجن. خلقهم الله من غير أم وأب ليخدموا أهل الجنة.

6- رؤيته لسيدنا جبريل على هيئته الأصلية: كان الرسول قد رأى جبريل عليه السلام في المرة الأولى في مكة على هيئته الأصلية فغُشي عليه. وفي هذه الليلة المباركة رآه للمرة الثانية على هيئته الأصلية فلم يغش عليه إذ أنه ازداد تمكنًا وقوة. ولا يجوز اعتقاد أن الله دنا واقترب بالمسافة من النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأما قوله تعالى: (ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى) (النجم). فالمقصود به جبريل وهو الذي دَنَا من النبي مسافة ذراعين.

الرجوع من المعراج:

ثم رجع سيدنا محمد إلى مكة وأخبر أم هانئ بذلك ثم أخبر الكفار أنه أُسري به فلم يصدقوه فطلبوا منه وصف المسجد الأقصى لأنهم يعلمون أنه لم يرحل مع أهل بلده قط إلى هناك فجمع له أبو جهل قومه فحدثهم الرسول بما رأى ووصف لهم بيت المقدس على حقيقته فأخبر بعض الكفار أبا بكر رضي الله عنه فقال: أصدقه في خبر السماء فكيف لا أصدقه في خبر الأرض.

إخوة الإسلام، اعتاد المسلمون أن يحتفلوا بذكرى ليلة الإسراء والمعراج في السابع والعشرين من شهر رجب. ولكن احتفالهم في هذا العام كما في الأعوام الماضية القريبة يشوبه الشعور بالحزن والإحساس بالمأساة إذ يرون المسجد الأقصى والجنوب المحتل قد وقعا في قبضة اليهود لعنهم الله فهل من سبيل للخروج من محنتنا؟ نعم فبالجهاد بسلاح العلم والإيمان غلب المسلمون أعداءهم ومن النبي وصحابته تعلموا الصبر على البأساء والضراء وبالعقيدة صدوا أمام العدو.

فالإسلام يجمعنا وبه القوة الروحية والصبر على الشدائد. لقد ثبت أجدادنا أمام غزوات الصليبيين حتى دحرهم وصمدوا أمام المغول حتى قهرهم ولا بد لنا اليوم من الجهاد والصبر والإعداد لمحاربة اليهود حتى نجتثهم من جذورهم وعلينا أن لا ننسى أن اليهود لا يألون جهدًا ولا يتركون وسيلة لضربنا وتشتيتنا. وقد قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثباتٍ أو انفروا جميعًا) (النساء). وقال تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) (الأنفال).

أخي المسلم، معجزة الإسراء والمعراج من المعجزات الباهرة التي أيد الله بها عبده المصطفى فكانت بحق دليلًا قاطعًا وساطعًا على صدقه وعظمة دعوته ورسالته.