بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الواحد والأربعون
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الأنبياء صفوة خلق الله
قال الله تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) (البقرة).
وقال الله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) (الأنبياء).
لقد بعث الله الأنبياء رحمةً للعباد إذ ليس في العقل ما يُستغنى به عنهم لأن العقل لا يستقل بمعرفة الأشياء الـمُنجِية في الآخرة، فكان في بعثة الأنبياء مصلحةً ضروريةً لحاجة العباد لذلك تفضل الله بها على عباده من غير وجوب عليه. ثم إن هؤلاء الأنبياء هم صفوةُ الخلقِ اصطفاهم الله عز وجل من بين خَلْقِهِ فليس فيهم من هو ذميم الخِلْقَةِ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما بعث الله نبيًا إلا حسنَ الوجه حسنَ الصوت وإن نبيكم أحسنُهم وجهًا وأحسنُهم صوتًا" رواه الترمذي.
فآدم عليه السلام الذي هو أول الأنبياء والبشر لم يكن كالوحش يأوي إلى الغابات ويمشي عاريًا، ولم يكن مُحْدَودِبَ الظهر، بل كان جميل الخِلْقَةِ كما أن كل الأنبياء كانوا جميلي الخِلقة والشكل، وليس فيهم ذو عاهة في خِلقته، لم يكن فيهم أعرج ولا كسيح ولا أعمى.
إنما نبي الله يعقوب عليه السلام من شدة بكائه على ابنه سيدنا يوسف عليه السلام ابيضّت عيناه من شدة الحزن ثم ردّ اللهُ تعالى عليه بصره لـمّا أرسل يوسف عليه السلام بمقيصه من مصر إلى "مَدْيَن" البلدة التي فيها أبوه يعقوب، اللهُ تعالى جعله يشم ريحَ يوسف فارتدّ بصيرًا، أما هو في أصل الخلقة لم يكن أعمى ولا كان به عمى قبل هذه المصيبة التي أصابته بفقد ابنه يوسف عليه السلام.
أما موسى عليه السلام فقد تأثر لسانُه بالجمرة التي تناولها ووضعها في فمه حين كان طفلًا أمام فرعون، وصار في لسانه عقدة خفيفة ولكن كلامه كان مفهمًا لا يبدل حرفًا بحرفٍ بل يتكلم على الصواب ولم يكن ألثَغًا، ولما نزلَ عليه الوحي دعا الله قائلًا: "واحْلُلْ عقدةً من لساني" فأذهَبَها اللهُ سبحانه عنه.
صفات الأنبياء:
وقد جرت عادة العلماء في كلامهم عن الأنبياء عليهم السلام على ذكرِ بعضِ الصفات التي هي واجبة للأنبياء كالصدق فيستحيل عليهم الكذبُ لأنه لو كان فيهم من يكذب لكان تردّد خبره بين الصدق والكذب وذلك نقصٌ ينافي منصف النبوة. وأما ما ورد في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام من أنه حطّم لأصنامَ التي كان يعبدها قومُه وتركَ الصنمَ الكبيرَ فلما عاد قومه وقالوا له: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم فقال لهم "بل فعلَه كبيرُهم هذا فاسألوهُم إن كانوا ينطقون" فليس هذا كذبًا بل هذا صدق من حيث الباطن والحقيقة لأن كبير الأصنام هو الذي حمله على الفتك بالأصنام الأخرى من شدة اغتياظه من قومِه لمبالغتهم في تعظيمِ الصنمِ الكبيرِ بتجميلِ هيأتِه وصورتِه فحملَه ذلك على أن يكسرَ الصغارَ ويُهينَ الكبيرَ فيكون إسنادُ الفعلِ إلى الكبيرِ إسنادًا مَجَازيًا فلا كَذِبَ في ذلك.
ومن صفات الأنبياء الفطانةُ فيستحيل عليهم الغباوةُ لأن الغباوةَ تُنافي منصبهم لأنهم لو كانوا أغبياء لنَفَرَ الناسُ منهم لغباوتهم، والله عز وجل حكيم لا يفعل ذلك، فإن الأنبياء أُرسِلوا ليبلغوا الناسَ مصالحَ آخرتهم ودنياهم والبلادةُ تنافي هذا المطلوب.
وكذلك يستحيل عليهم التلبُّسُ بالرذالة كائنة ما كانت، ويستحيل عليهم صفةُ السفاهة.
عصمة الأنبياء:
وتجب لهم العصمةُ من الكفر قبل النبوة وبعدها. وأما قولُ إبراهيم عن الكوكب حين رآه "هذا ربي" فهو على تقديرِ الاستفهامِ الإنكاري فكأنه قال "أهذا ربي كما تزعمون" وليس معناه أنه اعتقد أن الكوكب رب يستحق العبادة. ثم لما غاب الكوكبُ قال "لا أحب الآفلين". أي لا يصلح هذا الكوكبُ أن يكون ربًا فكيف تعتقدون ذلك. لقد أراد سيدُنا إبراهيم عليه السلام أن يُبينَ لهم الدليلَ العقلي على وجود الله ويُبين لهم أن الشيء الذي هو جِسْمٌ يتغير ويتبدل لا يستحق العبادة. ولمّا لم يفهموا مقصودَه بل بقوا على ما كانوا عليه قال حينما رأى القمر مثلَ ذلك فلم يجد منهم بُغيتَه فأظهر لهم أنه بريء من عبادتهم لغير الله وأن الكوكبَ وما شابهَهَ لا يصلح للربوبية، ثم لما ظهرت الشمسُ قال مثلَ ذلك فلم يفهموا بُغيتَه فأظهر براءته من ذلك. وأما هو في حد ذاته كان يعلم قبل ذلك أن الربوبية لا تكون إلا لله بدليلِ قوله تعالى: (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل) (الأنبياء).
ويستحيل على الأنبياء المعاصي الكبيرة والصغائرُ التي فيها خسةٌ ودناءةُ نفسٍ كسرقة لقمة خبز أو حبة عنب. وأما ما سوى ذلك من الصغائر التي ليس فيها خسة ودناءة فقد تحصل من أحدهم بدليل قوله تعالى في حق آدم (وعصى آدم ربه فغوى) كان قد نُهي عن الأكل من شجرةٍ في الجنة (لم يَرِدْ عن الرسول أنها شجرةُ تفاحٍ ولا غير ذلك) فوسْوَسَ الشيطانُ له ولحواء فأكلا منها، هذه هي معصيته ثم تاب منها، وذلك أن الأنبياء إن حَصَلَ منهم صغيرة لا خسة فيها ينبهون فورًا للتوبة فيتوبون قبل أن يقتدي بهم فيها غيرهم. ويجب للأنبياء أيضًا صفةُ التبليغ فهم يُبلّغون ما أمرهم الله سبحانه وتعالى تبليغه لا يزيدون ولا ينقصون، ولا يجوز عليهم أن يكتموا شيئًا مما أُمروا بتبليغه لأن ذلك ينافي منصبَ النبوة.
ويستحيل عليهم أيضًا كلُّ مرضٍ يَنْفُرُ منه الطبعُ السليم. فليس صحيحًا ما يقوله البعض أن سيدنا أيوب عليه السلام صار يخرج منه الدودُ من جسمه ثم كان يعيدها إليه ويقول لها كلي مما رزقك الله. إن الأنبياء لا يُصابون بالأمراض المنفرة لأن هذا من مُعَوِّقَاتِ الدعوةِ ويجوز عليهم ما سوى ذلك من الأمراض التي لا تؤدي إلى الحطّ من مراتبهم كالإغماء من شدة الألم. وأما خروجُ الريح والبول والغائط فلا نقص في نسبتها إلى الأنبياء لأنها عادةُ البشر.
تحذير مهم: ورد في كتاب اسمه "مناجاة موسى" كلام يُنسب إلى موسى عليه السلام كذبًا وافتراءً هو بريء منه وهو قولهم "يا رب كم لك في الألوهية" إن هذا الكلام كفر ويستحيل أن يقوله نبي من الأنبياء. كما ورد في التوراة المحرفة أن يعقوب صَارَعَ الله وأن نبي الله لوطًا سَكِرَ فوقع على إحدى ابنتيه، وهذا مما لا يجوز نسبته إلى نبيٍ مُرسلٍ أو كتابٍ مقدس.
تحذير مهم آخر: إن تفسير قوله تعالى في حق سيدنا يوسف "ولقد همَّتْ به وهَمَّ بها" أي همّت بالزنا وهو همّ بدفعها عنه لولا أن رأى بُرهان ربه أي لولا أن الله أوحى إليه أنه إن دفعها لظنوا أنه هو الذي أراد الفاحشة بها. وليس معنى الآية أنه همّ بالزنا لأن الأنبياء معصومونَ عن ذلك، فمن كان يعتقد أن يوسف عليه السلام همّ بالزنا فليقلع عن هذا الاعتقاد الذي فيه تنقيص لنبي الله ولينطق بالشهادتين.
أخي المسلم، إن الأنبياء هم أفضلُ المخلوقات وأطهرهُم فلا تَعْدِلْ عن تنزيههم عما لا يليق بهم وتبرئتِهِم عما لا يجوز في حقهم، وكن وقافًا عند كتاب الله العزيز ولا تلتفت إلى ما يفتريه الملحدون والمشوشون على أنبياء الله من الازدراء والتنقيصِ في حقهم صلواتُ الله وسلامُه عليهم أجمعين.
اللهم إنا نسألك أن توفقنا للسير على خُطى الأنبياء والصالحين وأن تجعلنا من أتباع سيدنا محمد المخلِصين.