بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الرابع عشر
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الطاهر الأمين.
فضل العلم والتعليم
إن العلم والتفقه في الدين أسنى سائر الأعمال التي يتقرب بها العبد المؤمن إلى الله تعالى. والعلم هو أسنى ما أنفقت فيه نفائس الأوقات ومن أولى ما علقت به الرغبات. قال الله تبارك وتعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) ويقول (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) أي لا يستويان.
ويقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" رواه البخاري.
إن علم الدين يحتاج إلى سائر طوائف الناس: الحكام والآباء والأمهات والتجار وغيرهم. ولا يستغني عن العلم، علم الدين، طبقة من طبقات الناس. ولما كان علم الدين في العصور المتقدمة الفاضلة عصر الصحابة والتابعين وأتباع التابعين وما يلي ذلك أوفر بكثير كانت حال المسلمين أحسن بكثير مما صرنا إليه في هذه العصور.
الدعوة إلى وقاية النفس والأهل من النار
أخي المسلم، إن العبد لا يكون عبدًا تقيًا صالحًا إلا بالعلم مع العمل. ولا يكون مطبقًا لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) إلا بالتعلم فقد جاء في تفسير هذه الآية عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن وقاية النفس والأهل تكون بتعلم الأمور الدينية أي تعلم ما فرض الله علينا فعله وتعلم ما فرض الله علينا اجتنابه، أي الحلال والحرام.
فإن من لا يعرف الشر يقع فيه
روى الترمذي بإسناد صحيح من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: "كان رجلان أحدهما عابد والآخر عالم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، وإن الله وملائكته حتى الحيتان في البحر ليصلون على معلم الناس الخير" إن هذه المفاضلة المذكورة هي بين عالم هو حق العالم وبين عابد هو حق العابد".
لقد رفع الله سبحانه وتعالى درجة العلماء العالمين لأن بالعلم يصلح الله فسادًا كثيرًا وينجي به من المهالك خلقًا كثيرًا. وبالعلم يعرف العبد مراتب الأعمال: المحرم والمكروه والمندوب وما هو من المعاصي في مرتبة الكبائر وما هو في مرتبة الصغائر.
أخي المسلم، إن أردت إطاعة الله فعليك أن تطبق قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة) وإن أردت أن تكون محبًا للرسول الحب الكامل فالتزم بقوله صلى الله عليه وسلم: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" رواه البخاري أي أن الله فرض على كل مسلم بالغ عاقل ذكرًا كان أو أنثى أن يتعلم القدر الضروري من علم الدين، وطبّق ما تعلمته على نفسك.
أخي المسلم، إنك ترى ما تعانيه مجتمعاتنا وما تقاسيه من التخبط بالجهل وعدم الإدراك وقلة الوعي. وإن علاج أمراضنا متوقف على مدى التزامنا بحدود الله وتطبيقنا لشرعه الحنيف القويم.
يُروى أن الفقيه المحدث أبا عمرو بن الصلاح الشهرزوري الدمشقي من أهل القرن السادس الهجري حُفر عن قبره في دمشق منذ خمسة وعشرين سنة تقريبًا من أجل التخطيط الهندي فعثر على جثته صحيحة لم يبل شيء من جسده ولا كفنه ثم نقلت إلى مكان آخر ودفنت فيه. نال ذلك بالعلم والعمل والولاية حق الولاية. والمعلوم أن أجساد الأنبياء والشهداء لا تبلى وكذلك أجساد بعض الأولياء الذين أخلصوا نياتهم لله والتزموا بشرعه واستقاموا على طاعته.
بيان أن التوحيد أفضل العلوم
اعلم أخي المسلم، إن شرف علم التوحيد على غيره من العلوم لكونه متعلقًا بأشرف المعلومات التي هي أصول الدين أي: معرفة الله ورسوله. قال الله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله) وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورًا تمشون به ويغفر لكم).
وقال الإمام أبو حنيفة في "الفقه الأبسط": "أصل التوحيد وما يصح الاعتقاد عليه وما يتعلق منها بالاعتقاديات هو الفقه الأكبر".
وقال الإمام أبو الحسن الأشعري "أول ما يجب على العبد العلم بالله ورسوله ودينه" إن شرف العلم بشرف المعلوم. فلما كان علم التوحيد يفيد معرفة الله على ما يليق به ومعرفة رسوله على ما يليق به. وتنزيه الله عما لا يجوز عليه وتبرئة الأنبياء عما لا يليق بهم، كان أفضل من علم الأحكام. قال الإمام الشافعي "أحكمنا هذا قبل ذاك". أي أتقنا علم التوحيد قبل علم فروع الفقه.
أخي المسلم، عليك بوقاية نفسك وأهلك من النار، فإن أشدّ ما خلق الله من نار هي نار الآخرة. وأقبل إلى مجالس العلم التي فيها كل الخير والبركة والنفع لك في الدنيا والآخرة. بل واهرع إلى هذه المجالس لتتزود من المسائل الضرورية في أصول العقيدة والأحكام الفقهية لتكون لك ذخرًا.
تعلم فليس المرء يولد عالـمًا *** وليس آخر علم كمن هو جاهل
وإن كبير القوم لا علم عنده *** صغير إذا التفت عليه المحافل