بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس العشرون
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الطاهر الأمين.
الاعتصام بحبل الله والحذر من التفرقة
قال الله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون).
أخي المسلم، لقد أظلّتنا أيام مباركة وعبادةٌ عظيمة فيها أبهى مظاهر الوحدة وهي عبادة الحج حيث يجتمع المسلمون بأشكالهم المختلفة وألسنتهم المتعددة تحت راية التوحيد التي جمعتهم فوق أرض واحدة يدعون ربًا واحدًا. لقد وحّدهم توحيدُ الله والتصديقُ برسوله والإيمان بدينه.
الاعتصام بحبل الله المتين
إن في تلك الآية الكريمة أمرًا عظيمًا لا غنى لنا عنه هو الاعتصام بحبل الله المتي الذي لا انفصام له، ولقد بيّن الله لنا في القرآن أن صحابة النبي الكريم توحّدوا واجتمعوا على الإيمان بالله ورسوله وتآلفوا وتظللوا تحت راية واحدة ووجهوا أنظارهم نحو هدف واحد وهو رفع هذه الراية فوق قكل راية أخرى. ولقد توحّدوا على درب التقوى وجمعهم الإخلاص لله والتضحية بالنفس والمال والولد فمنهم من فارقوا أقوامهم وأهليهم الذين خالفوا المعتقد السليم وحاربوهم وقتلوهم.
(واعتصموا بحبل الله) إنه أمرٌ بالتمسك بالدين والحكمِ بحكمه والوقوفِ عند حدوده والاعتصام بحبلِ الله المتين. (ولا تفرقوا) لأن في الفرقة ضعفًا وفي الوحدة قوة. (واذكروا نعمة الله عليكم) ويذكرهم الله بالنعمة العظيمة وهي نعمة الإيمان به وتركِ الإشراك به شيئًا (إذ كنتم أعداء) أي لما كانوا مشركين (فألف بين قلوبكم) جمعهم ووحّدهم. (فأصبحتم بنعمته إخوانًا) أي أمة واحدة لا تعرف الفرقة. (وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها) أنقذكم من النار بالإسلام لأن من مات على الإشراك أو على أي نوع من أنواع الكفر كنفي وجود الله أو الاستهزاء بالله أو بدينه أو بنبي من أنبيائه أو بملكٍ من الملائكة يدخل النار خالدًا فيها أبدًا ولا يخرج منها ولا يرتاح من عذابها.
أخي المسلم، هذا بلاغٌ من الله وتذكيرٌ لأمة نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم وفيه توجيهٌ للأمة بما يكفل لها السلامة في الآخرة والسؤدد والعزة في الدنيا.
اليهود وخططهم الخبيثة:
قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون).
وقد ورد أن سبب نزول هذه الآيات الكريمة أن يهوديًا اسمه "شاس بن قيس" مر على نفر من الصحابة من الأوس والخزرج وهم يسقون دوابهم فغاظه ما رآه منهم من محبةٍ وتآلفٍ وقد اجتمعت قلوبهم على الإسلام وتوحّدت به كلمتهم فأراد هذا اليهودي الخبيث أن يُفرّق بينهم فذكّرهم بيوم "بعاث" وهو يوم أيام الجاهلية اقتتل فيه الأوس والخزرج وكانت الغلبة فيه للخزرج على الأوس. فوقع الخلاف بينهم ونادى الأوسي: يا للأوس. ونادى الخزرجي: يا للخزرج. وكاد المسلمون أن يقتتلوا. وبلغ الخبر إلى رسول الله فجاء يعبث في ثيابه (من شدة تعجله) وقال لهم موبخًا "أتدعون بدعاء الجاهلية وأنا بين أظهركم" وانطفأت نار الفتنة وأزال الله برسوله محمد ما حدث بين الأوس والخزرج من تشاحن.
إن العصبية مرفوضة في الإسلام. فهي من عادات الجاهلية، والإسلام جاء ليقضي على مثل تلك العادات. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "دعوها فإنها مُنْتِنَة" رواه الشيخان. وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما العصبية؟ قال إن تعين قومك على الظلم. رواه أبو داود.
اليقظة اليقظة
وما أشبه اليوم بالأمس. فقد ظهرت الفرقة وفِشَت العصبية. وانقلبت الموازين فصار المدافع عن دين الله في نظر كثير من الناس كأنه هو رأس الفتنة، وصار الداعي إلى الإيمان والحق مُحاربًا وهدفًا لسهام وأحقاد الآخرين. وصار الداعي إلى الفتنة والباطل عند كثير من الناس بطلًا مباركًا.
نعم لقد تفشّى وباءُ الجهل ومرض التشبث بالباطل والزيغ حتى صار دعاة الحق متهمين وأهل الضلالة والمحرفون في المجالس مقدّمين. فهان أمرنا عند أعداء الدين ففرقوا جمعنا وشتتوا كلمتنا وحاربوا كل دعوة مخلصة لوحدتنا.
ونحن في جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية نجدد الدعوة للتآخي والوحدة على أساس الالتزام بحدود هذا الدين وتركِ ما ينشره المضللون من مفتريات وأباطيل وأكاذيب لا سيما وقد كثر أدعياء العلم الذين يموهون على العوام ويضللوهم. يدعون للباطل ويُفتون بغير علم. وبدل أن يعينوا دعاة الحق على محاربة الكفر تراهم يحاربوهم على ذلك. وإننا نجدد الدعوة للتعليم ومعرفة معنى الإيمان بالله ورسوله ومعرفة الحدود الشرعية ليصير عند المسلم الميزانُ الشرعي الذي به يميز الطيب من الخبيث والحلال من الحرام والحسن من القبيح.
جرس الخطر
وإننا نقرع جرس الخطر والإنذار محذرين منبهين لما يحاك ضدنا من مؤامرات ومكائد خبيثة من اليهود وأعوانهم الذين ما برحوا ينهشون من أجسادنا ويزرعون الفتنة ويشوّهون صورة أهل الحق الصادقين المخلقين الذين لا تعرف أموال الرشوة والخيانة سبيلًا إلى جيوبهم، ويحسِّنون صورة أهل الباطل والشر ليظهروهم أمام الناس بمظهر الصلاح والإخلاص والتضحية.
أخي المسلم، فلتكن رايتنا واحدة وقوتنا واحدة وأهدافنا واحدة. فإن قوتنا وحدتنا واتفاقنا، وضعفنا في تفرقنا وتشرذمنا.
أما آن الأوان لتتشابك الأيدي وتتحد السواعد؟!! وهل سمعنا جميعًا جرس الإنذار يدق.
اللهم أصلح ذات بيننا وألِّف بين قلوبنا ووحِّد صفوفنا واجمع شملنا وارفع رايتنا إنك على كل شيء قدير.