بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس الثاني والثلاثون

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الدعوة العظيمة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

قال الله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) (آل عمران).

إن الخطاب في هذه الآية الكريمة لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم التي خصها الله بصفات حميدة منها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد ذم الله تبارك وتعالى بني إسرائيل بقوله سبحانه (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئسما كانوا يفعلون) (المائدة). ثم إن الآيات التي تؤكد أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة وغالبًا ما تقرن مع الإيمان بالله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصفة الفلاح، قال الله تعالى:

(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله) (التوبة). وأما صفة الكفرة والمنافقين الذين يتظاهرون ويدّعون الإسلام وهم يخفون ويبطنون الكفر فهي عكس ذلك، قال تعالى: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف) (التوبة). ثم إن الحَسَنَ ما حسّنه الشرع والقبيح ما قبّحه الشرع وقد أقرت بذلك العقول السليمة ولا يعود ذلك إلى آراء الناس مع اختلاف مشاربهم كي لا يتنازعوا.

الخمر والميسر: الشر المستطير

وإن من شر أنواع المنكر التي تفشت في بلادنا شرب الخمور التي غزت كثيرًا فصار شربها علنًا في البيوت والمطاعم والفنادق والمتاجر لا يستحون من الخلق ولا من الخالق. ثم إنّ شرب الخمر حرام وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة أي أمر ظاهر بين المسلمين ظهورًا بحيث يعلمه الجاهل والعالم فمن أنكر حرمة شرب الخمر فقد كفر وخرج من الملة المحمدية ويجب عليه أن يغير اعتقاده باعتقاد حرمتها والعودة إلى الإسلام بالشهادتين. قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) وقد سمع سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الآية فقال:

انتينا يا رب. أخرجه أبو داود. وأريق الخمر في طرقات مكة بعد نزول هذه الآية. ولقد حرّم الله الخمر لما فيها من أضرار جسيمة في الناحية الدينية والخلقية والصحية والاجتماعية. وللطب في المختبرات كلام كثير وتأكيد كبير على مضارها الجسيمة. والذي يعيش في بلاد الغرب يعلم كم تقتل الخمر كل يوم من المدمنين مدّعي الحضارة. وقد قرر معهد الإحصاء القومي الفرنسي أن ما تقتله الخمر من الفرنسيين أكثر مما يقتله مرض السل.

وأما عن أضرار الخمر في الدين فهي واضحة في الآية السابقة إذ أن الخمر تصد عن الصلاة وعن ذكر الله فيعيش الإنسان في حيرة وضياع وغفلة فيقترف الذنوب ويتيه في ظلام الآثام. وأما عن أضرارها الاجتماعي فهي تسبب العداوة والبغضاء بين أبناء المجتمع فضلًا عما تسببه من تفكك في الأسرة الواحدة وإهمال حقوق الزوجة والأولاد.

وأما الميسر (القمار) فهو من المنكرات الرائجة في مجتمعاتنا وهو حرام بكل أنواعه من المراهنة في سباق الخيل إلى ما يسمى بلعبة "البينغو" و"الروليت" slot Machines وإلى ما هنالك من أنواع أتت بها إلينا ما تسمى بالحضارة والمدنية والتقدم وكلها تصب في مصب واحد هو الميسر الذي حرمه الله ورسوله وتهدف إلى سلب الناس أموالهم بطريق الحرام بدلًا من توظيفها بشكل ينفع الفرد والأسرة والمجمع مما يدعم الوطن في نواحي الاقتصاد والاجتماع والتربية.

شرور أخرى:

ولا ننسى صنفًا آخرًا من المنكر مستوردًا من بلاد الانحلال والفسق والفجور وهو الأفلام الخلاعية من خلال دور السينما وأفلام الفيديو التي صارت في متناول المراهقين وفيها ما فيها من تحريض على ارتكاب جريمة الزنا بالإضافة إلى كتب الخلاعة التي تثير الشهوات وتدعو إلى فعل المنكرات تحت ستار التقدم والتحرر والحرية والتربية وبرامج الرياضة. وكذلك لا بد من ذكر الحفلات الراقصة التي يقيمها الشباب عن غفلة وسَفَه والتي يحدث فيها ما يحدث، وكثيرًا ما تتسع دائرة الحفلات لتصل إلى حفلات فجور وفسوق. والعجب العجاب فيها موقف الأهالي والساكت عن الحق شيطان أخرس.

وإننا إذا أردنا أن نتأكد من مضار الخمر والميسر والزنا وحفلات العربدة والمجون فلننظر إلى ما خلفته من آثار سلبية في المجتمع الغربي من تمزيق للمجتمع وتقطيعٍ لأوصاله وانتشار الشذوذ والانحراف عن الفطرة السليمة وشيوع الخيانة الزوجية، حتى على الطرقات، وكثرةِ حالاتِ الانتحار عند البنات، والولادة من غير أب شرعي مما يزيد المجتمع خرابًا بتشريد أولا الزنا.

ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

إخوة الإسلام إن زعماء المسلمين وعلماءهم وعوامهم كلهم مطالبون اليوم بحماية أولادنا من الأوبئة الشنيعة التي يسعى الكفرة والفسقة إلى نشرها في مجتمعنا الإسلامي ولا ينبغي لنا السكوت عنها وإلا أصابنا وأولادنا من بلائها كما في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل القائم في حدود الله (الذي يسعى في دفع المنكرات وإزالتها) والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا" رواه البخاري.

الحكمة والموعظة الحسنة

أخي المسلم، لا تقل: ما لي وللناس ليفعلوا ما يريدون ويشربوا ما يحبون. بل كن داعيًا إلى الرشاد والفلاح وساعيًا إلى الخير والنجاح، وامر بالمعروف وانه عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، وتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا" رواه مسلم.

اللهم اجعلنا من الهادين المهديين ولا تجعلنا من الضالين المضلين. واصلح أحوالنا وثبت أقدامنا إنك على كل شيء قدير.