بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الواحد والسبعون
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
التربية الإسلامية ودور الأسرة والمعلم
قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) (سورة التحريم).
إن الله تعالى خلق الإنسان وأمره بعبادته، قال الله تبارك وتعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (سورة الذاريات).
والعبادة هي نهاية التذلل لله سبحانه، فلا يجوز أن يتذلل العبد نهاية التذلل إلا لله تعالى، وينبغي أن نعرف أن أرواح بني آدم أخرجها الله تعالى من صُلب أبي البشر، ونشرها في مكان يعرف "بنعمان الأراك" وأخذ عليهم الميثاق، فقال تعالى: (ألست بربكم قالوا بلى) (سورة الأعراف). فلما تلبست الروح بالجسد نسيت ما كان حصل ذلك اليوم، ولكن العلماء قالوا: إن الإنسان يولد على فطرة الإسلام استنادًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" متفق عليه.
ومن هنا تأتي مهمة التبليغ، مهمة الدعوة إلى الله تعالى، لذلك كان التركيز الول في التربية الإسلامية على توحيد الله تعالى والعمل بأوامره واجتناب نواهيه، ولهذا الأمر كانت المساجد هي المدارس الأولى للتعليم، لتعليم الحلال والحرام، وتعليم الآداب وأخلاق الإسلام، ولكن المساجد ومراكز العلم الأخرى كالمدارس ذات النمط التربوي الإسلامي كانت تعلم علومًا أخرى لسدّ الثغرة في ضروريات المجتمع الإسلامي، وهذه المدارس وتلك المساجد كانت ترتكز في تعليمها ونظامها التربوي على العقيدة الإسلامية وتسلح المتعلمين ضد أي زيغ أو انحراف.
واجب الأهل تجاه أولادهم
ولا نغفل هنا دور الأسرة المسلمة في إعداد الأولاد دينيًا ليكونوا أفرادًا صالحين في مجتمع سليم بتربيتهم التربية الصالحة وتعليمهم عقائد الإسلام وأخلاقه وآدابه، فقول النبي صلى الله عليه وسلم "فأبواه يهودانه.... الحديث" فيه دليل على أن المؤثر الأول في التوجيه والتربية أو نحو الانحراف والضلال هو الأسرة.
ويعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم كيف نعلم أطفالنا عندما قال: "مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم على تركها وهم أبناء عشر" رواه أبو داود.
فإن لم يستطع ولي المر القيام بمهمة التعليم أوكل ذلك إلى عالم ورع شفيق على أمر دينه فيقوم بتعليمه أحكام الدين وتأدييه.
تعلم العلوم العصرية المفيدة
ولا يحسبن المرء أن الإسلام يهمل تعلم العلوم النظرية كالرياضيات مثلًا، أو العلوم التطبيقية مثل الطب والهندسة وغير ذلك، أو العلوم المهنية مثل النجارة والحدادة، ولكن بما أن علم الدين هو العلم المنجي من عذاب الله تعالى في الآخرة، كان التركيز في التربية الإسلامية على ذلك أولًا، إذ إن فلاحنا وفلاح مجتمعنا وأمتنا في التوحيد وفي العمل بما أنزل الله تعالى، وهكذا قسم العلماء العلوم إلى عينية وكفائية، فالفرض العيني أي ما يجب على كل مكلف معرفته، كمعرفة الله تعالى ومعرفة رسوله صلى الله عليه وسلم والصلاة وغيرها من الواجبات العينية وليس فرضًا على كل فرد بعينه أن يكون مهندسًا أو أن يكون طبيبًا، ولا يُفهم من هذا أننا نرفض هذه العلوم،
بل على العكس فإن كل ما يحتاجه المجتمع الإسلامي فتعلمه فرض على الكفاية (أي إذا قام به البعض سقط الحرج عن الآخرين)، ولا يفوتنا أن نذكر نبوغ المشاهير العظام من الرياضيين والأطباء والكيميائيين وعلماء الاجتماع وغير ذلك من الفنون المتعددة في الأمة الإسلامية، وهذا يثبت أن دين الإسلام دين علم وليس دين تخلف كما يزعم أعداؤه الحاقدون.
مسؤولية المعلمين والدور المطلوب منهم
وهذه الفنون والعلوم التي يتعلمها التلاميذ في المدارس ومن معلمين مختصين ينبغي أن تكون منسجمة مع العقيدة الإسلامية وكذلك الأمر حال المعلمين الذين على عاتقهم مسؤولية كبيرة في تعليم الأجيال وتربيتها فلذلك المطلوب من الأهل أن ينتبهوا في اختيار المدارس والمعلمين لأولادهم. وحول هذا الموضوع يقول مفتي بيروت الأسبق الشيخ مصطفى نجا: "والولد قبل البلوغ يكون على الفطرة وقلبه يكون خاليًا من الشواغل، فمهما شغلته به يتمكن منه ولا يعود فيه بعد ذلك متسع لقبول غيره كالإناء إذا مليء بشيء لا يعود لشيء آخر محل فيه، وهو كالمرآة تتراءى فيها صورة معلمه ومربيه، فإن كان معلمه من أهل الدين والاستقامة نشأ ديّنًا مستقيمًا ولا يفوته نصيبه من الدنيا، فإن الدين كما يأمر بالصلاة والصيام وغيرهما من العبادات، يأمر بالتجارة والصناعة والزراعة ومعاطاة أسباب البيع والشراء وإن كان معلمه بعكس ما وصفناه نشأ فاسدًا وأفسدأمر دينه ودنياه وكان بليةً على نفسه وقومه".
الحذر من المخططات التربوية الفاسدة
واسمحوا لنا الآن أن نذكر معلمي المدارس ليكونوا صادقين في العمل مخلصي النية لله تعالى وندعوهم ألا ينقادوا إلى المخطط التربوي الغربي لتشويش أذهان أبنائنا وتشويه معتقداتهم، وليس لهم في هذا إلا تطبيق شرع الله تعالى والعمل بما افترض لأن المعلمين هم القدوة التي يقتدي بها التلاميذ، كما ندعوهم إلى عدم الاستهتار في الصبر عليهم لأنهم مسؤولون عن تربيتهم وتأديبهم، وسوف يسألون عما يفعلون، فينبغي تحمل تلك المسؤولية ومساعدة أبناء المسلمين، خاصة من الطبقات الفقيرة في المدارس الحكومية، على بناء أنفسهم وتقويمها وتوجيهها وجهة صادقة فيكونوا عطوفين حريصين عليهم كعطف الأم وحرصها على ولدها.
أخي المسلم، سواء كنت أبًا في بيتك أو معلمًا في مدرستك فاحرص على انتهاج المنهج القويم والمسلك السليم في تربية الأطفال والتلاميذ وجنبهم الانحراف عن جادة الصواب والحق. فكن ملتزمًا بالدين حتى يشبوا على الالتزام به والتمسك بتعاليمه.
اللهم إنّا نسألك من خير ما سألك منه نبيك محمد ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه نبيُك محمد وأنت الـمُستعانُ ولا حول ولا قوة إلا بالله.