بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس الثاني والسبعون

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

التربية الإسلامية ومدارس المستعمرين

قال الله تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) (سورة البقرة).

إن التربية الإسلامية الحقة تعتمد على أصول العقيدة الصحيحة وعلى العمل بتقوى الله تعالى، أي بلزوم طاعته بأداء الواجبات واجتناب المحرمات.

وليعلم أن كل انحراف عن ذلك الصراط المستقيم إما أن يكون انحرافًا قسريًا بفعل مستعمر أو متعامل معه خائن للأمة وإما بتقصير من بعض أفراد المجتمع حيث يرون المنكر ولا ينهون عنه ويتناسون الأمر بالمعروف ونشر الخير بين الناس فيقبلون على المعاصي ويتيهون في غياهب الغفلة، وكلا الطريقين يوصل إلى الآخر.

مسؤولية الأهل في تعلم الثقافات الغربية

فكيف يكون الحال إذا نشر المستعمر مدارسه وثقافته الغريبة البشعة بين أظهرنا بعد أن خرجت جيوشه وأساطيله؟ ألا ترون نشوء الأجيال المشوهة خلقيًا تحت غطاء ما سمي بالتربية الحديثة؟ وإذا كان الأمر كذلك فكيف يكون الحال مع جهل الأهل المطبق ليس فقط في أمور العلم وتحصين أبنائهم به، بل نراهم أيضًا يجرونهم بأيديهم ويستعملون الترغيب والترهيب ويدفعون الأموال الطائلة حتى يزجوا بهم في مدارس الإرساليات الأجنبية التي وضعها الاستعمار لتشويه معتقدنا وتفتيت مجتمعنا، وكأنهم لا يدرون أنهم يقودون أبنائهم إلى الانحراف والرذيلة.

إن العلوم الإسلامية الشرعية توصل إلى الحقيقة وليس إلى الظن والتخمين – كما هو حال كثير من النظريات المعاصرة – فهي أي العلوم الإسلامية الشرعية لا تتعارض مع العلوم والفنون العصرية التي توصل إلى الحقيقة وليس إلى الظن والافتراض كما يدعي يهودي خبيث أن أصل الإنسان قرد أو أنه لا خالق لهذا العالم والعياذ بالله من الكفر.

الممارسات الخطيرة في مدارس الإرساليات

فالإسلام لا يمانع أن يتعلم الأفراد الاختصاصات العالية الغير مخالفة لشرع الله تعالى والتي يحتاج إليها المجتمع الإسلامي. لكن أن يوقعوا أبناء المسلمين في المستنقعات التي تشوه العقيدة كدخول الكنائس في الإرساليات ومنع الطلاب من أداء صلاة الجمعة وبقية الصلوات في أوقاتها أو تعليمهم عادات غريبة عن مجتمع المسلمين فهذا مرفوض. وهنا نذكر ما نبه عنه قبل خمسة وثمانين عامًا تقريبًا مفتي بيروت الأسبق الشيخ مصطفى نجا رحمه الله تعالى إذ قال: "ومن المعلوم أن السعي بإصلاح الخلل قبل زيادته واتساع دائرته هو عين الصواب والحكمة ومن قام به وجبت له الكرامة والحرمة، فقد شاهدنا رغبة الناس بتعلم اللغات وأن هذه اللغة الأجنبية تزداد يومًا بعد يوم كما تتناقص في تعلم لغتنا الشريفة حتى آل الأمر إلى اهتمام البعض بتعليم أولادهم اللغة الأجنبية قبل تعليمهم القرآن والواجبات الدينية وهذا من أكبر الغلط وأعظم الشطط الموجب لسخط الله عز وجل وزيادة التأخر فيجب الانتباه له والتنبيه عليه".

الحذر الحذر من مكر الإرساليات

إننا ندعو الأهلين الذين يتنافسون ويتباهون في إدخال أبنائهم إلى مدارس الإرساليات ليعلموا أن تلك المدارس إنما هي كحصان طروادة، ظاهرها المحبة والمودة والخدمات الإنسانية وباطنها الحقد للإسلام وأهله وقد صدق من قال أنها من جنود المستعمر ورأس جسره الذي يعبر منه إلى المجتمعات.

إننا من هذا المقام، ندعوا الدولة إلى عدم الاستهتار في المناطق الإسلامية، لأننا ذوي حضارة لن نتخلى عنها. فرغم المأساة التي تسود مناطقنا إلا أننا لسنا وعاء فارغًا يُملأ بحسب المعطيات السياسية الخارجية من أيدي المسلمين.

العقيدة الإسلامية هي الأساس

إننا نطالب بتخطيط تربوي لا يُنكر وجودنا ويكون منسجمًا مع عقيدتنا الإسلامية. ونوجه كلامنا للأهل ليقبلوا على تعلم شرع الله تعالى ويحصنوا أبناءهم وبناتهم بهذا العلم وليساهموا مع أهل الخير في إنشاء المدارس والمعاهد ذات النمط التربوي الإسلامي.

ليس المال ولا اسم المدرسة الأجنبية هو الذي يعلم بل أن الهِمّة هي التي تجمع لهذا الأمر فكم من فقير نبغ وبرز وقدم الخدمات العظيمة للمسلمين ومجتمعهم.

فالحذر الحذر من مدارس الإرساليتات لأنها تنشر المنكر وتعلم الانحراف والخلاعة بحجة (التربية الحديثة) ونضم صوتنا إلى علامتنا المفتي الشيخ مصطفى نجا رحمه الله عن هذه المدارس التي أسماها (الأغيار) فقال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر يجب عليه أن ينتهي وينهي عن هذه المنكرات ويمد يد المساعدة بحسب الاستطاعة ويجود على قدر الإمكان بشيء من ماله لتغذية المدارس الإسلامية".

أخي المسلم، إنك مسؤول ومطالب بأن تسعى قدر مستطاعك لمواجهة كل المحاولات الخبيثة والمؤامرات الرامية لضرب مجتمعاتنا عن طريق إفساد شبابنا وشاباتنا وإبعادهم عن دين الله وجعلهم غرباء عن دينهم وعقيدتهم. واعلم أن الأموال الطائلة تُصرف في هذا السبيل وأن الجهود تُكثف والمؤسسات تُؤسس لتحقيق هذا الغرض الدنيء. ولا تظنن أن غاية العناية بالأبناء تكون بتعليمهم اللغات الأجنبية والعلوم والفنون دون الاهتمام بالتربية الدينية الإسلامية التي هي الأولى بالاهتمام والأجدر بالعناية. فكم وكم من شباب نشأوا وقد حملوا شهادات عالية في العلوم العصرية ولكنهم وللأسف الشديد لا يعرفون من الإسلام شيئًا بل وكثير منهم اعتقد معتقدات الكفار وتطبع بطباعهم وصار مناهضًا للإسلام وعدوًا للمسلمين فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

اللهم أصلح ديني الذي هو عصمة امري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي.

اللهم ألهمني رشدي وأعِذني من شر نفسي إنك على كل شيء قدير.