بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثامن والثمانون
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الطاهر الأمين وعلى آله وصحبه وسلم.
عثمان بن عفان ثالث الخلفاء الراشدين
قال الله تعالى: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) (الأحزاب).
أما بعد، فهذه حلقات في ذكر الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين وأمراء المؤمنين ورثة خير المرسلين وهم أربعة، ومدة خلافتهم ثلاثون سنة وحديثنا اليوم عن عثمان بن عفان رضي الله عنه مدة خلافته اثنتا عشرة سنة إلا يومًا ابتداء من سنة أربع وعشرين هجرية من يوم وفاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
نسبه وكنيته:
هو أبو عمر عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي أمه أروى بنت كريز. لقب بذي النورين لأنه تزوج بنتي سيد الكونين رقية وأم كلثوم. كان ربعة، حسن الوجه، أبيض، مشربًا بحمرة، كث اللحية، طويل الذراعين، شعره كسا ذراعيه أصلع قد شد أسنانه بالذهب، كان خاتمه خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم كأبي بكر وعمر رضي الله عنهم.
ولد بالطائف بعد الفيل بست سنين، أسلم قديمًا على يد أبي بكر رضي الله عنهما وعمره حينئذٍ تسع وثلاثون سنة، ثم هاجر مع زوجته رقية إلى الحبشة، ثم قدم مكة قبل الهجرة ومنها إلى المدينة قبل النبي صلى الله عليه وسلم. شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بدرًا لأن زوجته رقية كانت مريضة فأمره صلى الله عليه وسلم أن يقيم بالمدينة ليمرضها وقد عده النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بدر وأسهم له من غنائمها، بويع له بالخلافة بعد دفن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بثلاث ليال.
غزوات عهده:
بعث عثمان بن عفان جيشًا بأمرة سلمان بن ربيعة إلى بلاد أرمينية فذهبوا ودخلوا البلاد، ثم غزا معاوية بلاد الروم حتى بلغ عمورية في خلافة عثمان وكان عمرو بن العاص غزا طرابلس الغرب وحاصرها شهرًا وكان بها الروم من جهة هرقل.
فضائله رضي الله عنه:
وفي سنة ثلاثين بلغ الخليفة عثمان بن عفان أنه وقع في العراق اختلاف في القرآن فجمع عثمان الصحابة ونسخوا أربعة مصاحف فبعث أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى كل أفق من الآفاق بمصحف يكون مرجعًا وعمدة يعتمدون عليه فلم يقع بعد ذلك ولله الحمد خلاف في كلمة أبدًا.
وقد ورد عن عثمان ابن موهب قال: جاء رجل من أهل مصر، حج البيت فرأى قومًا جلوسًا فقال، من هؤلاء؟ قالوا قريش قال: فمن الشيخ فيهم: قالوا: عبد الله بن عمر. قال: يا بن عمر إني سائلك عن شيء، فحدثني، هل تعلم أن عثمان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم. قال: هل تعلم أنه تغيب عن يوم بدر ولم يشهدها؟ قال: نعم. قال: هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان ولم يشهدها؟ قال: نعم. قال: الله أكبر، فقال ابن عمر: تعال أبين لك:
أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له. وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه، وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان وكانت بيعة الرضوان على يده فقال: هذه لعثمان. فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك (أي اذهب بهذه الأجوبة الآن لعله يزول عنك ما تسمعه في عثمان فإنه ذو منزلة سامية). أخرجه البخاري والترمذي في مناقب عثمان.
من مآثر هذا الخليفة المتواضع الورع:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا عائشة لو كان عندنا من يحدثنا. قالت: قلت يا رسول الله ألا أبعث إلى أبي بكر؟ فسكت. ثم قال: لو كان عندنا من يحدثنا فقلت: ألا أبعث إلى عمر؟ فسكت. قالت ثم دعا وصيفًا بين يديه فساره فذهب. قالت: فإذا عثمان يستأذن، فأذن له، فدخل فناجاه النبي صلى الله عليه وسلم طويلًا ثم قال: يا عثمان إن الله عز وجل مقمصك قميصًا (أي الخلافة) فإذا أدارك المنافقون على أن تخله فلا تخلعه لهم ولا كرامة. يقولها له مرتين أو ثلاثًا. رواه ابن ماجة والترمذي وأحمد في المسند.
وعن عبد الرحمن بن خباب السلمي قال: خطب صلى الله عليه وسلم فحث على جيش العسرة فقال عثمان: عليّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها. ثم حث، فقال عثمان: عليّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها، قال: ثم نزل مرقاه من المنبر ثم حث فقال عثمان: عليّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها فرأيت النبي بيده يحركها: ما على عثمان ما عمل بعد اليوم. (معنى أحلاسها: كساء رقيق).
وفاته رضي الله عنه:
لما تكاملت الفتوحات للأمة الإسلامية وقوي الملك في الأمصار واختلطت العرب بالأمم والأقوام المختلفة اللغات وكثر الطعن والقيل والقال في المدينة كتب رؤساء الفتنة إلى جماعتهم في الأمصار يستقدمونهم إلى المدينة إرادة الفتنة والمكيدة للخليفة. ودخل عليه سفهاء الفتنة فضربه أحدهم بالسيف فأكبت عليه نائلة زوجته فقُطعت أصابع يدها، ثم قتلوه رضي الله عنه وذلك يوم الجمعة لثمان عشر خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين ودفن في البقيع وكانت خلافته اثني عشر سنة إلا يومًا.
قال عثمان رضي الله عنه قبل قتله إني رأيت البارحة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وأبا بكر وعمر فقالوا لي: اصبر فإنك تفطر عندنا القابلة.
أخي المسلم: نسأل الله عز وجل أن يجعل في ذكر سيرة هؤلاء الأفذاذ الأبرار ما ينير لنا دربنا، ويقوّم اعوجاجنا ويحسن أحوالنا وأفعالنا وأخلاقنا، ونسأله أن يقوي عزائمنا للاقتداء بمسلكهم القويم ونهجهم السليم. والسلام عليك يا سيدنا يا ذا النورين عثمان بن عفان ورحمة الله وبركاته.
اللهم خلّقنا بأخلاق الخلفاء الراشدين المهديين، واجعلنا على خطاهم سائرين.