بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس التسعون
الحمد لله مالك الملك رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين الذي جاء بالحق المبين، المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه الذين فتحوا الفتوحات وأقاموا قواعد الدين.
كان للإسلام سلف صالح من العلماء الأجلّاء الذين اختصوا بحمل الدين الإسلامي وتبليغه إلى الناس وقد تولوا القيام بالمهمة على أكمل وجه فخلّفوا لنا ثروة عظيمة من كنوز الفكر في جميع فنون العلوم النافعة للمجتمع الإسلامي. ومنهم...
1 – الإمام مالك رضي الله عنه
اسمه ونسبه ومولده:
هو أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أنس بن الحارث وينتهي نسبه إلى يعرب بن يشجب بن قحطان، جده مالك بن أنس من كبار التابعين وأحد الذين حملوا الخليفة عثمان إلى قبره، ووالد جده أنس بن مالك أبو عامر صحابي جليل شهد المغازي كلها مع الرسول صلى الله عليه وسلم ما خلا بدرًا، وأمه العالية بنت شريك الأسدية، أبناؤه: يحيى ومحمد وحماد. والإمام مالك أحد أصحاب المذاهب المدونة المعروفة والمشهورة في جميع بلاد المسلمين. ولد الإمام في المدينة المنورة سنة 95 هجرية وفيها كانت وفاته.
مشايخه: روى الإمام مالك رضي الله عنه عن عدد كبير من التابعين وتابعيهم يعدون بالمئات نذكر منهم: نافع مولى بن عمر، وابن شهاب الزهري، وأبو الزناد، وعائشة بنت سعد بن أبي وقاص، ويحيى بن سعيد الأنصاري.
تلاميذه ومن روى عنه: وقد روى عنه كثير من شيوخه فيما بعد كالزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وعدد كثير من الرواة حتى أن القاضي عياض رحمه الله ألّف كتابًا عدّ فيه ألفًا وثلاثمائة اسم ممن روي عن الإمام نذكر منهم سفيان الثوري والإمام الجليل محمد بن إدريس الشافعي وعبد الله بن المبارك.
في مناقبه: قال الإمام ابن حبّان في "الثقات" كان مالك أول من انتقى الرجال من الفقهاء بالمدينة، وأعرض عمن ليس بثقة في الحديث، ولم يرو إلا ما صح ولا يحدث إلا عن ثقة مع الفقه والدين والفضل والنسك وأقوال الكثيرين من علماء عصره جعلنا نتبين مدى حرصه على دين الله فقد قال الشافعي عنه: إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وقال ابن معين: مالك من حجج الله على خلقه، وقال يحيى بن سعيد القطان: مالك أمير المؤمنين في الحديث، وقال ابن سعيد كان مالك ثقة مأمونًا ثبتًا ورعًا فقيهًا عالمًا حجة.
مصنفاته: الموطأ أول كتاب حمل هذا الاسم، ومعناه الممهد وهو أول الكتب التي وضعت فيها الأحاديث مصنفة ومبوبة، كما أنه أول كتاب ألّف في الحديث والفقه معًا. ألفه مالك في أربعين سنة فقد قال الشافعي في الموطأ: ما ظهر على الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك وقد اشتمل الموطأ على الكثير من الأسانيد التي حكم المحدثون بأنها أصح الأسانيد ومنها: الزهري عن سالم عن ابن عمر، ومالك عن نافع عن ابن عمر.
وفاته: توفي الإمام مالك رضي الله عنه في ربيع الأول سنة 179 هجرية ودفن في البقيع وقد عاش 84 سنة في عصر ردد فيه: "أيُفتى ومالك في المدينة".
2 – الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه
اسمه، نسبه ومولده:
أبو حنيفة النعمان بن ثابت مولى بني تيم الله بن ثعلبة ولد سنة 80 هجرية بالكوفة وكان ذلك في زمن دولة بني أمية كان أبوه ثابت من أهل التقوى والصلاح اشتغل بتجارة القماش أدّب ابنه وسار به مسار العلماء بتعليمه.
مشايخه: التقى أبو حنيفة بستة من الصحابة وروى عنهم وهم: انس بن مالك، وعبد الله بن أنس، وواثلة ابن الأسقع، وعبد الله بن أوفى، وعبد الله بن جزء الزبيدي، ومعقل بن يسار. وأما مشايخه من التابعين فهو حوالي المائتين نذكر منهم: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن عل ابن أبي طالب رضي الله عنه، وأبو الحسين زيد بن الحسين رضي الله عنه، وعطاء بن أبي رباح، وحماد ابن سليمان، وأبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري.
تلاميذه: وهم كثر نذكر منهم محمد بن الحسن الشيباني وأبا يوسف القاضي.
مناقبه: كان من أذكياء بني آدم جمع الفقه والعبادة والورع والسخاء وكان لا يقبل جوائز الدولة بل ينفق ويؤثر من كسبه له دار كبيرة لعمل الخز وعنده صناع وأجراء رحمه الله تعالى وقد قال الشافعي الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة وقال يزيد بن هارون ما رأيت أورع ولا أعقل من أبي حنيفة.
ارتحل إلى البصرة نيفًا وعشرين مرة فخصم المعتزلة الدهريين بالكلام وناظرهم وفضح أمرهم وأقام عليهم الحجة حتى أصبح أشهر متكلمي اهل السنة في زمانه، ومع هذا كله كان يختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة، وروي أنه داوم على قراءة القرآن في ركعة من الصلاة ثلاثين سنة وكان يصلي في كل ليلة 400 ركعة.
مصنفاته: ألف الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه الكثير من الكتب في عدة أبواب نذكر منها: الفقه الأكبر، والرسالة، وكتاب العالم والمتعلم، وفيه من الحجج والبراهين ما يلجم أهل الإلحاد والبدع.
وفاته: ذكر ابن الأهدل أن أبا جعفر المنصور نقله إلى بغداد ليوليه القضاء فأبى فحلف عليه ليفعلن فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل، فأمر بحبسه وقيل أنه كان يرسل إليه في الحبس أنك إن أجبت وقبلت ما طلبت منك لأخرجنك من الحبس ولأكرمنك، فأبى، فأمر بأن يخرج كل يوم فيضرب عشرة أسواط فكان يخرج به كل يوم فيضرب فأكثر الدعاء فلم يلبث إلا يسيرًا حتى مات في الحبس مبطونًا سنة 150 هجرية. فأخرجت جنازته وكثر بكاء الناس وصلى عليهخمسون ألفًا ودفن في مقابر الخيزران في بغداد.
هذه لمحة مما كان عليه الإمام الفاضل أبو حنيفة مندأب على نشر العلم وإحقاق الحق وإزهاق الباطل ومحاربة أهله والصبر على قضاء الله واحتمال الجلد والسجن بالصبر خوفًا على دينه وحرصًا عليه.
دعاء: اللهم اجعل همنا نشر العلم ودأبنا إحقاق الحق وإزهاق الباطل.