بسم الله الرحمن الرحيم
الصَّبْر
يقول الله تعالى: (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون 156 أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) [البقرة: 156، 157]، والمعنى أنّ البِشارة للمؤمنين الصّابرين، الذين يستسلمون لقضاء الله ويرجُون ثوابه ويخافون عقابه، وعند ابتلاء الله إياهم بالخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس وغيرِ ذلك من المصائب يقولون: إنا مَماليكُ ربّنا هو خالقنا ونحن عبيده، وإنّا إليه بعد مماتنا صائرون، تسليمًا لقضائه ورضًا بحُكمِه. فالله يخبرنا في هذه الآية أن المؤمن الذي ابتلي فصبر واسترجع:
له ثلاثُ خصالٍ من الخير: الصلاةُ من الله أي الرحمة(1) والمراد الخاصّةُ(2) والرحمة وتحقيقُ سبيل الهُدى. المؤمن ينبغي أن يفكر في معنى (إنا لله وإنا إليه راجعون) إذ العبد كله مِلكٌ لله، خلقَه من نطفة ثم طوّره إلى أن جعله إنسانًا يعقِلُ ويتكلم ويمشي ويرى ويسمع وأنّه راجع إلى ربّه، فالله قهر العباد بالموت مهما بلغ العبد في التجبُّر والعتو والفخر واستعلى على الناس، ومهما طغى وبغى فإن مرجعه إلى الله لا يخرج عن مشيئة الله وتقديره الأزليّين، يميته حيث وكيف شاء وعلى أي حال شاء، فمن عَلِمَ ذلك حقّ العِلم فسلّم كان مُسلِّمًا لله تسليمًا كاملًا.
قال الشيخ رحمه الله: إذا أحبَّ الله عبدًا أكثَرَ عليه من البلاء في الدنيا وحفظه من البلاء في الدين، ومِن النّاس من كثرة البلاء الذي يصيبهم يخرجون من الدنيا وليس عليهم شيء من الذنوب.
ومَن عَرَفَ قَدْرَ الآخرة هانت عليه مصائب الدنيا.
أتى رجلٌ النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: "واللهِ يا رسول الله إنّي لأحبُّك"، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ البلايا أسرَعُ إلى من يحبُّني من السّيل إلى منتهاه" رواه ابن حبان في صحيحه. أي أسرع من السّيل إذا انحدر من عُلْوٍ إلى مستقرِّهِ. إذ لـمّا أشدَّ الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثَلُ فالأمثَلُ والرجلُ يكون مع من أحَبَّ فإن البلايا تسرعُ إليه مكفِّرةً ذنوبه ورافعةً درجاتِهِ ومقامَهُ عند الله حتى يخرج من الدنيا ولا شيء عليه من الذنوب، فمن أحبَّ رسول الله محبّةً كاملةً يكون بلاؤه في الدنيا شديدًا وهذا الذي يناسب علوَّ الدرجات عند الله، وقد سُئِل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:
أيُّ الناسِ أشدُّ بلاءً؟ فقال: "الأنبياء ثم الأمثل فالأمثَلُ، فيُبتَلَى الرجُلُ على حسب دينِهِ، فإن كان دينُه صُلبًا اشتدّ بلاؤه، وإن كان في دينه رِقّةٌ ابتلي على حسب دينه، فما يَبرَحُ البلاءُ بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة" رواه الترمذي في سننه.
وعن سعيد بن يَسَارٍ قال: سمعتُ أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يُرد الله به خيرًا يُصِبْ منه" رواه مالك في الـمُوطّأ. لأنّ البلايا إذا صادفت ذنوبًا للعبد المؤمن أفادَتْه التخفيف من سيئاته. وإذا لم تصادف ذنبًا أفادته رفع درجات.
عندما دعا النبيُّ بعضَ المشركين إلى الإسلام فأبَوْا فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم وهو مهموم حتى أظلته سحابة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: "فنظرتُ إليها، فإذا فيها جبريلُ فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك مَلَكَ الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلَّم عليَّ ثم قال: يا محمد، ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبَيْن؟ فقال النبي: بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرِكُ به شيئًا" رواه البخاري في صحيحه. والأخشبان جبلان بمكة هما أبو قُبَيْس وقُعَيْقعان، سُمّيا بذلك لصلابتهما وغِلظ حجارتهما، يقال: رجل أخشَبُ إذا كان صُلْبَ العظام.
النبيّ صلى الله عليه وسلم عندما اشتد أذى المشركين عليه وعلى أصحابه خرج من وطنه مكة التي هي أحبّ بلاد الله إلى الله وأحبّ البلاد إلى رسول الله، ثم لقي أذى اليهود والمشركين في المدينة، وأصيب بفقدان أعزّاء الناس عليه ففقد أولاده الثلاثة الذكور القاسم وكان أكبرهم، وعبد الله وكان يسمَّى الطيّب الطاهر، وإبراهيم وذلك قبل أن يبلغوا، وبفقدان ثلاثة من بناته رقيّة وام كلثوم وزينب، وبفقدان عمّه حمزة بن عبد المطّلب أسد الله، وبفقدان 70 رجلًا من خيار الصحابة كانوا من القُراء، كُمِنَ لهم في الطريق وما كانوا مستعدين للقتال، وبكثرة الأسقام في جسمه صلى الله عليه وسلم. وليعلَمْ أنّ الصحابة الأجلّاء الكُمّل يفرحون بالبلاء النازل بهم أكثر ممّا نفرَحُ نحن بالرخاء لأنهم يعلمون أنّ الله يُنزِلُ بهم هذا البلاء ليصبروا فتعلو درجاتُهم.
الرسول صلى الله عليه وسلم ذُكِرَت له امرأة من أجمل النّساء وُصفت له بأنها كذا وكذا من الصفات الجميلة حتى قال أبوها: إنّه لم يُصِبْها صداع قط، أي لم تر الأوجاع! فقال صلى الله عليه وسلم: "لا حاجة لي فيها" لأنّه عرف أنّ حظّها في الآخرة قليل.
وفي الآية (إذا أصابتهم مصيبة) ذُكرت المصيبة مُنكَّرةً لنفهم أن كلّ مصيبة تصيب المسلم إن كانت صغيرة أو كبيرة فإنها تفيده برفع الرجات وتكفير السيّئات، حتى التي لا بالَ لها عند الناس كالشوكة التي يُشاكُها المسلم، وكذلك الهمُّ فيزدادُ استفادةً على حسب عظم ذلك الهمّ!
(1) الصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار ومن الناس الدعاء.
(2) أي تصيبهم رحمات مقرونة بالتعظيم ليس مجرد الرحمة لأن مجرد الرحمة في الدنيا تشمل المؤمن والكافر. فالصلوات هنا الرحمات الخاصة لأن الرحمات خاصة وعامة ومن العامة الانتفاع بهذا الهواء العليل.