بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثاني والعشرون
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
درب التقوى
قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد).
إن الله تبارك وتعالى خلقنا وأمرنا بعبادته وفرض علينا طاعته وحذرنا من معصيته. ولم يخلقنا ليتركنا سدى بل لنأتمر بالأوامر الإلهية: نؤدي الفرائض ونجتنب المحرمات. وهذه هي التقوى.
والتقي هو من كان ملتزمًا بشرع الله وقّافًا عند حدود الشريعة لا يتعداها، ولا يتبع هواه ولا ينجرف مع الشهوات المحرمة، بل يضبط نفسه ويجعل هواه تبعًا لما جاء به الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم.
والذي يظن أنه يعيش في هذه الدنيا ليأكل ويشرب وينام ويجمع المال ويشبع نفسه من الشهوات والمستلذات فإنه لم يعرف لماذا خُلِق.
لقد خلق الله البهائم ولم يكلفها بأداء شيء ولا باجتناب شيء بل خلقها لمنافع ابن آدم ثم ليس عليها، أي البهائم، في الآخرة حساب.
أما نحن فمكلفون بطاعة الله والوقوف عند حدود الشريعة لا ننقص ولا نزيد من عندنا بل نلتزم بها كما جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم.
وكم من أُناسٍ يُفتنون بالأموال والأزواج والأولاد وينشغلون بهم عن الواجبات ولأجلهم يرتكبون المحرمات كبعض التجار الغشاشين والأزواج والآباء الذين يأكلون الربا أو يسرقون تلبية لطلبات أزواجهم أو أولادهم. وقد قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوًا لكم فاحذروهم). فكم من نساء يتركن الصلاة من أجل أولادهن وكم من أُناسٍ يتركون الصلوات في أوقاتها من أجل المال. فهؤلاء صارت أموالهم عدوًا لهم لأنها صرفتهم عن طاعة الله فكانت وبالًا وخسارةً عليهم. وإن كثيرًا ممن يُفتنون بالمال يموتون عنه قبل أن يستفيدوا منه أو يتركوه لمن لا يحبون. وقد يقع المال في يد عدو كان أشد الناس بغضًا له لا شيء على الإطلاق يستحق أن يُعصى الله لأجله.
المآكل اللذيذة والملابس الفاخرة
حتى المآكل اللذيذة والملابس الفاخرة لا تستحق أن نعصي الله لأجلها. فإن هذا المأكل اللذيذ يخرج قذرًا وقد كان قبل برهة وجيزة شيئًا مشتهى. وهذا اللباس الفاخر كان شيئًا يُشتهى قبل أن يبلى ويتقطّع ويذهب رونقه.
كذلك هذه الدنيا بما فيها من الأبنية الفاخرة والسيارات الفخمة والمجوهرات النفيسة والقصور العالية مآلها الخراب، لكن خرابها لا يسرع كخراب الأكل الذي يأكله الإنسان وخراب الثياب التي يلبسها. فلا ينبغي أن نغتر بدنيا زائلة.
أخي المسلم، إن الدنيا ساعة فاجعلها طاعة. وقد قال الحبيب المصطفى "ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحتها شجرة ثم راح وتركها" رواه البيهقي.
جمع المال وصرفه
وإن الدنيا دارٌ ممر والآخرة دار مقر فلنأخذ من ممرنا لمقرنا ولنتذكر أن الله لا تخفى عليه أسرارنا. وعلى العاقل أن ينظر في عواقب الأمور فلا يجمع المال إلا بطريق مباح ولا يصرفه إلا في طريق مباح. فالأموال التي بين أيدينا والكنوز التي تحت أرجلنا هي نِعَمٌ أنعم الله بها علينا، وشكرنا لله عليها بأن نستعملها في طاعته لا في معصيته وبأن لا نجعلها وبالًا علينا ولا نغرق بها في وحول المعاصي والآثام.
تَزَوَّد من حياتك للمعادِ *** وقم لله واجمع خير زاد
ولا تركن إلى الدنيا طويلًا *** فإن المال يجمع للنفاد
أترضى أن تكون رفيق قومٍ *** لهم زادٌ وأنت بغيرِ زاد
أخي المسلم، الإنسان العاقل المتدبر الفطن يتأمل أهله وأحبابه الذين حملهم إلى المقابر ومضوا قبله كيف محى التراب حسن صورهم وكيف أرملوا نساءهم وأيتموا أولادهم ولم يأخذوا من الدنيا إلا الكفن ولا ينفعهم في قبورهم إلا العمل الصالح. هذا الإنسان المتدبر يعلم أنه مثلهم نازلٌ في الحفر فيعمل ليكون من أهل الفوز والمسرة.
إياكم وطول الأمل
ولأي شيء تطول الآمال وتقل الأعمال والمبرات!! هل نحن خالدون في هذه الدنيا! وهل يستطيع أحدنا أن يرد ملك الموت عزرائيل عليه السلام حين يأتي ليقبض روحه! إن نفوسنا لا بد ذائقة الموت فالموت لا مفر منه ولا مهرب، فلأي شيء تطول الآمال وتقل الأعمال والمبرات! إن طول الأمل له سببان: أحدهما الجهل في الدين والآخر حب الدنيا. ومن أنس بالدنيا وبشهواتها وملذاتها ثقل على قلبه مفارقتها فامتنع قلبه من الفكر بالموت ونسي الواجبات وركن إلى الشهوات والمستلذات المحرمة. وقد قيل:
تزود من الدنيا فإنك لا تدري *** إذا جنّ ليل هل تعيش إلى الفجر
فكم من صحيح مات من غير علة *** وكم من سقيم عاش حينًا من الدهر
أخي المسلم، ما أجمل السير على درب التقوى التي أمرنا بها وما أجمل أن يعيش المرءُ صالحًا مصلحًا يتقيّد بما ورد في الشريعة السمحاء ولا يتقيد بآرائه الشخصية التي لا تستند إلى مستند شرعي ولا دليل ولا يُفتي بما يمليه عليه الشيطان الخبيث وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أفتى بغير علم فليتبوأ مقعهده من النار" رواه البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم.
اللهم اجعلنا من السائرين على درب التقوى واجعلنا من التائبين الراشدين. واعف عنا فإنك عفوٌ تحب العفو يا أرحم الراحمين.