هذه المقدمة مأخوذة من كتاب التبيان باستثناء الجملة الأخيرة، والنقل عن شيخنا هو من هامش في نسخة التبيان.
إنَّ اللهَ مَنَّ على هذه الأمةِ أنْ أرسلَ لها محمدًا خيرَ الأنامِ وأكرَمَها بكتابِهِ أفضل الكلام وجَمَعَ فيه سبحانه وتعالى جميع ما يُحتاج إليه من أخبارِ الأولينَ والآخِرِينَ والمواعظَ والأمثالِ والآدابِ وضروبِ الأحكامِ والحُجَجِ القاطعاتِ الظاهراتِ في الدلالةِ على وحدانيتِه وغيرِ ذلكَ مما جاءت به رسلُهُ صلواتُ اللهِ عليهم وسلامُه، وضاعفَ الأجرَ في تلاوتِه وأمرنا بالاعتناء به وملازمةِ الآداب معه.
وقد وردَتْ أحاديثُ وآياتُ كثيرة في بيانِ فضلِ قراءةِ القرءانِ وعظيمِ جزاءِ مَنْ يقرأ القرءانَ نذكرُ شيئًا مِنْ ذلكَ
1- قوله تعالى: "إن الذين يتلون كتابَ اللهِ وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سِرًّا وعلانِيَةً يرجون تجارة لن تبور (29) لِيُوَفّيَهُم أجورَهُم ويزيدَهُم من فضله إنه غفور شكور".
2- وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الذي يقرأ القرءان وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرءان ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران" رواه البخاري ومسلم.
قال شيخنا الهرريُّ رضيَ اللهُ عنه: "هذا الحديثُ ليس معناهُ أنَّهُ يغيّرُ الحروفَ إنما معناهُ يُخرِجُ الحروفَ كما هي ولكن بمشقةٍ هذا له أجران، أما الذي يجعلُ السينَ ثاءً ليس له إلا الذنب لأنَّ الرسولَ قالَ: "من عَمِلَ عملًا ليس عليِه أمرُنا فهو رَدٌّ" معناهُ أيُّ إنسان يعملُ عملًا ولا يوافقُ ما أُنزِلَ عليَّ إن كان قراءةَ قرءانٍ أو صلاةً أو صيامًا أو حجًّا أو غيرَ ذلك إن كان لا يطبّقُهُ على الشريعةِ فهو مردودٌ، بعضُ الناسِ يظنُّونَ أنَّ الحديثَ معناهُ أنَّ الذي يقرأُ وهو يغيّرُ الحروفَ يؤجرُ، هؤلاءِ حرَّفوا الحديثَ، إنما معناه الذي يتلو القرءانَ تلاوةً صحيحةً بمشقةٍ وليس معناه يُكسّرُ، الذي يعرفُ أن تغييرَ القرءاةِ شرعًا حرامٌ ومع هذا اعتقد أن له أجرًا فقد كذَّبَ الدّينَ"
3- وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ المؤمن الذي يقرأُ القرءانَ مَثَلُ الأُترجةِ ريحُها طيبٌ وطعمُها طَيّبٌ، ومَثَلُ المؤمنِ الذي لا يقرأُ القرآنَ مَثَلُ التمرةِ لا رِيحَ لها وطعمُها طيبٌ حلوٌ، ومَثَلُ المنافقِ الذي يقرأُ القرآنَ مَثَلُ الريحانةِ ريحُها طيبٌ وطعمُها مُرٌّ، ومَثَلُ المنافقِ الذي لا يقرأُ القرآنَ كمَثَلِ الحَنْظَلَةِ ليس لها ريحٌ وطعمُها مُرٌّ. رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
4- وعن أبي أُمامة البَاهِلِيّ رضي الله عنه قال سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "اقرؤوا القرءانَ فإنَّهُ يأتي يومَ القيامةِ شفيعًا لأصحابِهِ" رواه مسلمٌ.
5- وقال صلى الله عليه وسلم: "يقالُ لصاحبِ القرءانِ اقرأْ وارتقِ ورتِّلْ كما كنتَ تُرَتّلُ في الدنيا فإن منزلَتَكَ عندَ آخرِ آيةٍ تقرؤها".رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
6- وعن عبدِ الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرأَ حرفًا من كتابِ اللهِ فلَهُ حسنةٌ، والحَسَنَةُ بعشرِ أمثالِها، لا أقولُ "الم" حرفٌ، ولكن ألِفٌ حرفٌ ولامٌ حرفٌ وميم حرفٌ. رواه الترمذيُّ.
7- وعن عثمانَ بنِ عفانَ رضيَ الله أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خيرُكُم مَنْ تعلَّمَ القرءانَ وعلَّمَهُ" رواه البخاريُّ في صحيحِهِ.
ولما كانَ تعلُّمُ القرءانِ تلاوةً لا يتِمُّ إلا بصحيحِ اللفظِ وسليمِ الـمَخْرَجِ وبَيّنِ الصفةِ كانَ عِلْمُ التجويدِ سُلَّمًا للقراءةِ وطريقًا مُوْصِلًا إليها.