بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على رسول الله، بعد أن بين الخضر لموسى عليهما السلام القضايا الثلاث التي حصلت معهما قال له وما فعلته عن أمري أي ما فعلته باجتهادٍ مني ورأي إنما فعلته بأمر الله تعالى وهذا يدل على أنه نبيٌ أوحي إليه ثم تفرقا وعاد موسى عليه السلام إلى قومه، وبعد مرور زمن دعوة الناس إلى دين الإسلام جاء الأمر بالجهاد وقتال الكفار ودخول مدينة القدس، فلما أمر موسى قومه بذلك تخلفوا ولم يطيعوه وقالوا إنا لن ندخلها أبدا، بل وتعنتوا وأساءوا الأدب معه عليه السلام ولم يشكروا نعم الله عليهم الذي خلصهم من ظلم فرعون والعبودية فعوقبوا بالتيه، فدخلوا إلى مكانٍ في الصحراء ولم يعرفوا طريقًا للخروج مدة أربعين سنة وكان سيدنا موسى وسيدنا هارون عليهما السلام معهم لتعليمهم وإرشادهم ولم يعاقبا لأنهما نبيان رسولان كريمان،

وفي التيه حصلت غرائب وعجائب كثيرة، منها أن بني إسرائيل أثناء وجودهم في التيه احتاجوا إلى الماء للشرب وللاستعمال إذ لا يوجد ينبوع ولا نهر ولا مورد للماء في الصحراء، وهم لا يعرفون للخروج طريقا فطلبوا من سيدنا موسى عليه السلام أن يدعوا الله تعالى كي يرزقهم ماءً بعد أن اشتد الضيق عليهم فدعا موسى عليه السلام ربه عز وجل فأجابه الله تعالى وأمره بأن يضرب بعصاه التي معه أقرب حجر فقام سيدنا موسى عليه السلام وضرب أول حجر رآه وكان من رخام ذا أربعة وجوه فضربه بعصاه اثنتي عشرة ضربة فتحققت معجزة عظيمة له وظهر على موضع كل ضربة مثل الثدي وعرق وسال الماء ثم تفجر مثل الأنهار، وكان بنوا إسرائيل اثنتي عشر قبيلة يسمون بالأسباط وهم ذرية أولاد سيدنا يعقوب عليه السلام الاثني عشر وقيل أنه كان بينهم تنافس وجفاء ولكي يتعاركوا على الماء كان سيدنا موسى يطلب من كل قبيلة رجلا فيقف هؤلاء الرجال الاثنا عشر حول الحجر فإذا ضرب وانفجرت المياه من كل عين في جدول خاص وكانت كل قبيلة يبلغ تعدادها خمسين ألف شخص غير خيلهم ودوابهم فعلم كل أناس مشربهم وحل الرخاء،

وكان كل يوم يشرب من هذا الحجر ستمائة ألف إنسان بقدرة الله تعالى وكانوا يمتدون اثني عشر ميلًا من كثرتهم وقيل لم يكن أول الأمر الحجر هو نفسه في كل مرة بل كانوا أي مكانٍ نزلوا وجدوا حجرًا فيضربه موسى عليه السلام بعصاه فينبع الماء فمرة كان حجرًا من رخام ومرة حجرًا بحجم رأس الشاه ومرة حجرًا طوله ذراع بعرض ذراع مثل رأس الثور وغير ذلك، كانوا يشربون من الحجر ويأخذون ما يحتاجون إليه فإذا أرادوا الرحيل عن المكان الذي هم فيه إلى غيره وقفت المياه عن التدفق وأمسكت، ولم يطل وقت الرخاء طويلا إذا بدأ بنو إسرائيل بالتململ والتساؤل فقالوا إن فقد موسى عليه السلام عصاه متنا عطشا فأوحى الله إلى موسى أن لا تقرع الحجارة بالعصا ولكن كلمها تطعك لعلهم يعتبرون،

فصار موسى عليه السلام يخاطب الحجر فتنفجر منه المياه كالأنهار ثم عاد بنو إسرائيل إلى تخوفهم وتضجرهم وقالوا كيف بنا إذا مضينا إلى ناحية ليس فيها حجارة وكلها رمال، فأوحى الله تعالى إلى موسى أن يحمل معه حجرًا معينًا كان قد أنزل كما قيل مع سيدنا آدم عليه السلام مع الجنة فتناقله الأنبياء حتى وصل إلى شعيب عليه السلام فأعطاه إلى سيدنا موسى مع العصا، كان موسى عليه السلام يحمل هذا الحجر في جعبته فكانوا إذا احتاجوا إلى الماء وضعه سيدنا موسى عليه السلام على الأرض في وسط محلتهم وضربه بعصاه فينبع الماء بغزارة فإذا فرغوا ضربه مرة ثانية فينقطع الماء، وقيل إن هذا الحجر هو الذي وضع سيدنا موسى عليه السلام ثوبه عليه حين اغتسل يوما،

وكان بعض بني إسرائيل قد نسبوا إلى موسى أنه مصاب بمرض الأدرة وهو نفخة في الخصية، لأنه كان يغتسل وحده إذ عادتهم أنهم كانوا يغتسلون عراة في النهر وأما موسى فقد كان ذا حياء وستر يغتسل وحده استحياءً فإذا أراد أن يدخل الماء ليغتسل لم يلقي ثوبه حتى يواري عورته في الماء فلما خلى وحده يومًا بموضع وضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها ففر الحجر بها فتبعه سيدنا موسى بناءً على أن لا يصادف أحدًا وهو عريان فرآه بنو إسرائيل وهم في مجمعٍ لهم أنه غير مصابٍ بالأدرة بل كان أحسن الناس خلقا، فبرأه الله تعالى مما قالوا ثم عاد الحجر فأتى سيدنا جبريل عليه السلام وقال الله بأمر الله ارفع هذا الحجر فإن الله فيه قدرة ولك فيه معجزة فمن تلك الحادثة وهو يحمل الحجر،

ولما نفذ طعامهم في التيه وكان التيه أرضًا بيضاء لا زرع فيها ولا نبات ولا ماء ولا ظل، شكوا إلى نبي الله موسى حر الشمس وقلة الطعام فدعا الله تعالى وتحققت معجزة كبيرة لسيدنا موسى فظللهم الغمام وهو السحاب الأبيض فوقاهم حر الشمس نهارا وينجلي عنهم في الليل ليستضيئوا في القمر، فإذا كانت الليالي مظلمات أنزل الله لهم عمودًا من نور في وسط بني إسرائيل يضيء على القوم طريقهم ثم قالوا لموسى وما نأكل يا موسى وقد نفذ الطعام فأجابهم إن الله سينزل عليكم خبزًا مخبوزا، فكان ينزل عليهم المن وهو خبز الرقاق من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وهو لذيذ الطعم فيأخذ الرجل ما يكفيه ليومه فإن ادخر منه شيئًا فسد عليه إلا في يوم الجمعة فإنهم كانوا يدخرون منه ليوم السبت فلا يفسد عليهم لماذا لأن يوم السبت يوم عبادة وما كان ينزل عليهم يوم السبت شيء،

ثم سألوه وبماذا سنخلط الخبز هل نأكله بدون شيء، فقال لهم وهو صابرٌ على ما يطلبونه منه شفقةً عليهم ورحمةً بهم إن الله سيرزقكم اللحم قالوا من أين نظروا إلى بعضهم ثم رأوا أن الريح أتتهم بالسلوى وهو طيرٌ ثمين مثل الحمام وتتابعت طلباتهم فقالوا وما نلبس ونحن نخشى إذا تمزقت ثيابنا أن لا نجد عنها بديلا فأجابهم قائلا لا يبلى لأحدكم ثوب ولا يتخرق ولا يتسخ أربعين سنة، فقالوا وإذا ولد لنا أولادٌ صغار فما نكسوهم قال الثوب الصغير ينموا ويشب ويطول معكم كما تطول الصبيان ثم قالوا فما نجعل في أرجلنا إذا انقطع الحذاء قال لا ينقطع لأحدٍ حذاء أربعين سنة وهكذا بقي بنو إسرائيل الذين رفضوا قتال الجبابرة في التيه أربعين سنة ومات من دخله ممن جاوز عشرين سنة إلا يوشع بن نون وكالب بن يوفنا وبقي معهم أبناء إسرائيل فامتثلوا أمر الله وهبطوا إلى الشام وقاتلوا الجبارين ودخلوا بيت المقدس ولم يدخله أحدٌ ممن قال إنا لن ندخلها أبدا، وأما سيدنا موسى وسيدنا هارون عليهما السلام فقد توفاهم الله تعالى وكان عمر موسى عليه السلام مئة وعشرين سنة، ونبُئ بعدها سيدنا يوشع ابن نون من ذرية سيدنا إبراهيم عليهما السلام والله تعالى أعلم وأحكم.