بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على رسول الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نكمل قصة سيدنا موسى، بعد أن جمع فرعون جميع السحرة الذين كانوا تحت يده من جميع بلاد مصر حيث أراد مواجهة سيدنا موسى فتقدم موسى عليه السلام أولًا وعظهم وزجرهم عن تعاطي السحر الباطل الذي فيه معارضة لآيات الله وحججه وقال ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى، فقال بعضهم هذا كلام نبي وليس كلام ساحر، وقال بعضهم بل هو ساحر، ولما اصطف السحرة ووقف موسى
وهارون عليهما السلام تجاههم قالوا له إما أن تلقي قبلنا أو نلقي قبلك فقال بل ألقوا أنتم وكان هذا تهكمًا بهم عند ذلك سحروا أعين الناس واسترهبوهم وألقوا حبالهم وعصيهم وهم يقولون بعزة فرعون فإنا لنحن الغالبون فإذا حبالهم وعصيهم تخيل للناس أنها حيات تسعى قال الله تعالى (قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألقي ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى) فرمى موسى عليه السلام عصاه فصارت حية عظيمة ذات قوائم وعنق عظيم وشكل هائل بحيث إن الناس انحازوا منها خوفًا وهربوا فصارت تمشي وتبتلع ما ألقى السحرة من الحبال والعصي واحدًا واحدًا في أسرع ما يكون من الحركة والناس ينظرون إليها ويتعجبون منها وعندما رأى السحرة هذا الأمر الذي هالهم وحيرهم أيقنوا بأن هذا ليس بسحر ولا خيال بل هو أمرٌ باهرٌ خارق للعادة ولا يأتي به إلا نبي،
فسجدوا وقالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون أمام كل الناس ولم يبالوا بفرعون وبما سيحصل لهم ولما أسلموا وسجدوا رأوا منازلهم وقصورهم في الجنة تهيأ لهم وتزخرف لقدومهم ولهذا لم يلتفتوا إلى تهويل فرعون وتهديده ووعيده فأراد فرعون أن يستر هزيمته ويستعيد هيبته فقال مخاطبًا السحرة بمكرٍ وخداع وبحضرة الناس آمنتم له قبل أن آذن لكم وهددهم قائل فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ثم أعلنوا إيمانهم وقالوا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى، ونفذ فرعون تهديده ووعيده فصلب هؤلاء السحرة الذين آمنوا وقطع أيديهم وأرجلهم وقتلهم ليروي غليله الحاقد دون أن يستطيع فنيهم عن الإيمان والإسلام فماتوا شهداء أبرارا،
ومن بين المسلمين الذين كانوا من أتباع سيدنا موسى عليه السلام زوج ماشطة بنت فرعون الذي كان يخفي إسلامه في البداية خوفًا من فرعون فعرف فرعون بإيمانه فقتله ولذلك أخفت زوجته الماشطة إيمانها في البداية إلى أن وقع يومًا المشط من يدها كانت تمشط شعر ابنة فرعون فوقع المشط من يدها فقالت بسم الله فقالت لها ابنة فرعون الله أبي، فلم تتمالك الماشطة نفسها وقالت الله ربي وربك ورب أبيك، فأخبرت أباها بذلك فدعى الماشطة وقال لها أولك رب غيري قالت ربي وربك الله، فغضب
وأمر جنوده أن يحموا قدرًا من نحاس في ماء حتى غلي وتناهى في الغليان وأمر أن يلقوها هي وأولادها فيه فبدأ برمي أولادها أولًا لتذوق العذاب واحدًا تلو واحد حتى وصل الدور إلى أصغرهم وهو طفلٌ رضيع لما أرادوا أن يلقوه في القدر اشتد بكاءها وألمها فقال لها هذا الطفل الرضيع يا أماه اصبري فإنك على الحق وألقي في الماء المغلي فقالت لفرعون إن لي إليك حاجة قال وما هي قالت أن تجمع عظامي وعظام ولدي فوافق الملعون على طلبها هكذا ماتت هي وأبناءها الخمسة رحمهما الله تعالى
فحزنت عليها آسية امرأة فرعون حزنًا شديدًا وبعد فترة علم فرعون بإسلامها أي بإسلام آسيا فغضب غضبًا لم يغضب مثله قبل وأمر الجنود فأوتدوا لها الأوتاد وشدوا يديها ورجليها ووضعوها تحت أشعة الشمس المحرقة ثم أمر جنوده ليضعوا صخرة كبيرة على ظهرها لقتلها وقبل أن يلقوا تلك الصخرة عليها رفعت بصرها إلى السماء وقالت ربي ابني لي عندك بيتًا في الجنة فأبصرت منزلها في الجنة ففاضت روحها وألقت الصخرة على جسد لا روح فيها ففازت بحسن ثباتها وبدأ ينتشر أمر دخول كثيرٍ من
الناس في الإسلام وصار الأمراء الذين حول فرعون يحضرونه على الكفر والأذى بدل التصديق والإيمان كما أخبر الله تعالى في القرآن الكريم فقرر فرعون أن يقتل أبناء بني إسرائيل ويأخذ نساءهم فقال موسى لقومه المؤمنين كما أخبر الله تعالى (استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) بدأ فرعون يقتل كل من علم إسلامه وإيمانه ثم قرر قتل سيدنا موسى وكان ابن عم فرعون قد آمن بموسى لكنه أخفى إسلامه فقال لفرعون ووزرائه ألا تخافون قتل رجلٍ يدّعي النبوة وقد جاءكم بالدلائل والمعجزات التي تدل على صدقه وأنتم تعلمون ذلك والله لا يهدي من كان كاذبا ثم إن الكاذب كذبه عليه لن يضركم ولكن إن كان صادقًا في وعيده فمن سيسلم إن عاداه وقال لهم إني أخاف عليكم أن تكون نهايتكم كنهاية قوم عاد وثمود وقوم نوح فإن من عاد أنبياء الله هو الخاسر في نهاية الأمر،
ولكن فرعون مع علمه صدق ما يقال زاد عنادًا وسخرية وتكبرًا وكفرا، من شدة جهله وغباءه قال لوزيره هامان، يا هامان ابني لي قصرًا عاليًا ضخمًا لأصعد عليه فأصل إلى السموات لعلي أرى إله موسى فإني أظنه كاذبًا وفرعون كان يظن أن الله يسكن السماء وهذا زيادة كفرٍ منه والله موجودًا بلا مكان فبنوا له قصرًا عاليًا لم يرى بناء أعلى منه وكان مبنيًا من الآجر المشوي بالنار ثم بعد تكبر فرعون وعناده ابتلاه الله تعالى وقومه بالعذاب بتسع آيات معجزات لسيدنا موسى عليه السلام حيث انهالت عليهم الأمطار فأتلفت زرعهم وثمارهم فقالوا لموسى يا موسى ادعوا لنا ربك ليكشف عنا هذا وسنؤمن بك، فدعاء موسى ربه فاستجاب الله تعالى له، ولكنهم لم يوفوا بما وعدوا ولم يؤمنوا،
فأرسل الله تعالى عليهم الجراد فأكل النبات والشجر وكل ما يؤكل ولا يؤكل حتى كان يأكل أبواب بيوتهم ومساميرها فتقع دورهم ومساكنهم، فطلبوا من موسى عليه السلام الدعاء مرة أخرى ووعدوه بأنهم سيؤمنون فدعا فاستجاب الله له ولكنهم لم يؤمنوا، فأمر الله تعالى نبيه موسى أن يضرب بعصاه على تلة رمل فضرب فتحولت إلى قمّل وهي البراغيث حتى غلب على البيوت والأطعمة والفرش ومنعهم النوم والقرار فلما جهدهم ذلك قالوا له مثلما قالوا فدعا ربه فكشف عنهم فلما لم يفوا له بشيء مما قالوا أرسل الله عليهم الضفادع وملئت البيوت والأطعمة والآنية حتى كان إذا كشف أحدهم ثوبًا أو طعامًا وجد فيه الضفادع كانت تسقط في الأطعمة والأواني حتى إن أحدهم إذا فتح فمه ليأكل أو يشرب سقطت في فمه ضفدعة من تلك الضفادع فلما جهدهم ذلك قالوا له مثلما قالوا فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا بشيء مما قالوا،
ثم أرسل الله عليهم الدم فجعل النيل يسيل عليهم دمًا وكان الشخص المسلم من بني إسرائيل من قوم موسى يرفع من النيل الماء العذب وأما القبطي من قوم فرعون فيرفعه دمًا ثم يأتي المسلم فيصب الماء في فمي القبطي فيصير دمًا فيأتي القبطي ويصب الدم في فم المسلم فيصير ماء زلالًا لذيذًا فيروى أنه عطش فرعون حتى شارف على الهلال فكان يمص الأشجار الرطبة فإذا مضغها صار ماءها الطيب مالحًا بشع الطعم ومع ذلك لم يؤمنوا بل كانوا يقولون تشاؤمًا بموسى عليه السلام إن كل ما يحصل لنا إنما هو بسبب مجيء موسى إلينا وكان بين الآية والآية أسبوع من الزمن فكانت تمكث من السبت إلى السبت ثم يبقون بعد رفعها شهرًا في عافية ثم تأتي الآية الأخرى وكانت الحكمة في تفصيل تلك الآيات البينات بالزمان أنه تظهر للجميع أحوالهم هل يفون بما عاهدوا أم لا،
فتقوم عليهم الحجة وقيل بأنهم ابتلوا بالطاعون حتى مات منهم في ليلة واحدة سبعون ألف قبطي وكل هذا لم ينل بني إسرائيل وأرضهم بمشيئة الله تعالى بعد ذلك أنزل الله على نبيه موسى التوراة فأمر موسى عليه السلام قومه بني إسرائيل المسلمين بأن يستعينوا بالصبر والصلاة وبأن يجعلوا بيوتهم مساجد ويصلوا فيها وأن يجهزوا أنفسهم للرحيل من مصر وهو يقول لهم ويطمئنهم إن الله تعالى سينصرنا وفي ذلك الوقت لم يؤمن بموسى من قصر فرعون إلا السحرة الذين ماتوا وابن عم فرعون وآسيا والماشطة والرجل الذي جاء يخبر موسى بأن فرعون يريد قتله ثم جاء الأمر بالرحيل سنتابع التفاصيل في درس قادم والله أعلم وأحكم.