بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على رسول الله، ابتلى الله تعالى بالتيه قوم بني إسرائيل قوم موسى عليه السلام الذين رفضوا قتال الجبابرة كما أمروا حتى توفي كل من دخل التيه وممن قد تجاوز العشرين سنة وبما فيهم سيدنا موسى عليه السلام وقد رُوي أن الله تعالى بعث ملك الموت إلى سيدنا موسى يقول له يا موسى إن كنت تريد الحياة فضع يدك على جلد ثور فلك بكل شعرة وارت يدك سنة تعيشها قال موسى ثم ماذا فقال الملك الموت، فقال موسى عليه السلام فالآن يا رب وسأل الله أن يدنيه إلى بيت المقدس رمية بحجر وقد أجيب إلى ذلك صلوات الله وسلامه عليه،

فقام بأمر بني إسرائيل من بعده فتاه سيدنا يوشع بن نون عليه السلام الذي أنزل الله عليه الوحي بالنبوة فخرج بالقوم من التيه بعد اكتمال أربعين سنة فيه وتوجه بأمر الله تعالى إلى بيت المقدس لغزوها وقتال الجبارين الكفار فيها ويروى أنه كان قد عاش في قوم الجبارين من علماء بني إسرائيل المسلمين الكعنانيين بعثه سيدنا موسى عليه السلام إلى ملك تلك الناحية يدعوه إلى الإسلام واسم هذا الشخص بلعام ابن باعوراء فاستقبله الملك الخبيث بالترحاب وأغراه وأغواه حتى أبقاه عنده ووهبه قطعة أرض وأغراه بالمال وتشاغل بلعام عن الأمر المهم الذي أرسله به سيدنا موسى عليه السلام بملذات الدنيا فخاب وتعس وكان بلعام هذا يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب الله تعالى بقدرته ومشيئته فكان الجبارون إذا هاجمهم عدو قصدوا بلعام وأمروه بالدعاء على العدو فيدعوا عليهم فيهلكون فلما علم الجبارون الكفار أن سيدنا يوشع بن نون قادمٌ إليهم بجيش المسلمين من بني إسرائيل قصدوا بلعام وقالوا له إن جيش موسى يقوده يوشع قد جاء ليقتلنا ويخرجنا من ديارنا فادعوا الله عليهم فقال لهم كيف أدعوا على نبي الله وعلى المؤمنين ومعهم الملائكة،

فعادوا وطلبوا إليه فأبى، وكان بعدوا ما زال مؤمنًا مسلما، ثم جاءوا زوجته وأهدوها هدية ثمينة فقبلتها وطلبوا إليها أن تعيد طلبهم عليه أن يدعوا على نبي الله يوشع وجيش المسلمين فكررت الطلب فامتنع وما زالت به تخدعه تزيه له هذا الأمر الخبيث حتى قبل، فكفر عندها والعياذ بالله تعالى ركب بلعام حماره متوجهًا إلى جبل مطل على المؤمنين من بني إسرائيل المسلمين ليقف ويدعوا عليهم فما سار عليه إلا قليلًا حتى توقف الحمار فنزل عنه وأخذ يضربه حتى قام فركبه فسار به قليلًا وعاد وبرك على الأرض فضربه فسار فبرك، وتكرر منه ذلك ثلاث مرات، فلما اشتد ضرب بلعام له في ثالث مرة أنطق الله تعالى هذا الحمار فقال لبلعام ويحك يا بلعام أين تذهب أما ترى الملائكة تردني،

فلم يرجع فأطلق الله عز وجل الحمار حينئذٍ فسار عليه حتى أشرف على بني إسرائيل فكان كلما أراد أن يدعوا عليهم أي على بني إسرائيل انقلب لسانه إلى الدعاء لهم، وإذا أراد أن يدعوا لقومه الجبارين الكفرة انقلب دعاءه عليهم فلفتوا نظره لهذا الأمر فقال هذا شيءٌ غلبنا الله عليه وما يجري على لساني إلا هكذا ولو دعوت عليهم ما استجاب الله لي، ولكن سأدلكم على أمرٍ عسى أن يكون فيه هلاكهم إن الله يبغض الزنى والزنى هو فعل الرجل الفاحشة مع امرأة لا تحل له، وإن هم وقعوا بالزنى هلكوا، فأخرجوا النساء فإنهم قومٌ مسافرون بعيدون عن نساءهم فعسى أن يزنوا ويهلكوا، فزين النساء وأعطوهن بعض السلع للبيع وأرسلوهن إلى معسكر بني إسرائيل فوسوس الشيطان للعديد منهم بالزنى فوقع الكثير منه فيه،

فسلط الله عليهم مرض الطاعون فمات منهم سبعون ألفا، وتدلى لسان بلعام على صدره، بعد أن استحق اللعن على ما فعل، وهذا من شؤم حب الدنيا وحب المال، ثم رُفع الطاعون وأعاد سيدنا يوشع تنظيم جيشه من جديد مُخوفٍ إياهم من معصية الله، وإلا فإنهم لا ينصرون ويُروى أن المسلمين من بني إسرائيل بقيادة سيدنا يوشع توجهوا بجيشٍ كبير ومعهم تابوت الميثاق، وأحاطوا ببيت المقدس حيث تمركز الجبارون وحاصروهم مدة ستة أشهر ثم في الشهر السابع نفخ المسلمين في أبواق حربهم بإشارة من

سيدنا يوشع وصرخوا صرخةً واحدة سقط منها سور المدينة فدخلوها وهجموا على أعداءهم يقتلونهم وكان الجبارون ذوي أجسامٍ ضخمة جدًا فكانت المجموعة من بني إسرائيل تهجم مجتمعة على عنق الرجل من الجبارين يضربونها حتى يقطعوها وكان القتال والفتح يوم الجمعة بتوفيق من الله تعالى وبقيت من الجبارين بقية وكادت الشمس أن تغرب وتدخل ليلة السبت فخشي سيدنا يوشع أن يدركهم الليل ويتراخى بنو إسرائيل عن القتال ويمتنعوا عنه فيعلم بهم عدوهم ويفاجئهم بالسيف ويفنيهم فخاطب سيدنا يوشع عليه السلام الشمس قائلًا لها إنك مأمورة وأنا مأمور ثم دعا الله تعالى وقال اللهم احبسها علينا قدر ما تنقضي حاجتنا من فتح البلد فحبست وتوقفت مكانها معجزة له عليه السلام وأكمل معركته وقضى على بقية الجبارين وتتبع ملوكهم في الشام حتى قضى على واحد وثلاثين ملكًا وسيطر على جميع أرض الشام وصارت كلها لبني إسرائيل ولما استقرت يد بنو إسرائيل على بيت المقدس استمروا فيه وبين أظهرهم نبي الله يوشع يحكم بينهم بكتاب الله التوراة حتى قبضه الله إليه وهو ابن مئة وسبع وعشرين سنة فكانت مدة حياته بعد موسى عليه السلام سبعًا وعشرين سنة. والله تعالى أعلم وأحكم.