بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على رسول الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أحبابي الكرام لنكمل معًا بيان ما حصل مع سيدنا يعقوب ويوسف عليهما السلام، بعد أن عاد إخوة يوسف عليه السلام إلى أبيه يريدون أخذ أخيهم الأصغر بنيامين لأن يوسف منع عنهم الكيل إذا ما جاءوا ببنيامين في المرة القادمة فجاءوا إلى أبيهم وكان يعقوب عليه السلام متعلقًا ببنيامين تعلقًا شديدا، لأنه كان يشم فيه رائحة أخيه يوسف ويتسلى به عنه، ويتعوض بسببه منه ولكن بسبب ضيق الحال وحاجة القوم إلى الطعام أرسله معهم إلى مصر متوكلًا على الله، ولكن أمرهم أبوهم يعقوب قبل ذهابهم أن لا يدخلوا المدينة من باب واحد وأن يدخلوا من أبوابٍ متفرقة لخوفه عليهم من الأعين وذلك لأنهم كانوا ذوي أشكالٍ حسنة وصورٌ بديعة على ما يروى،

وحين دخلوا بأخيه بنيامين على يوسف عليه السلام أخذه وأخبره سرًا بأنه أخوه يوسف وضمه وعانقه وأمره بكتم ذلك عن إخوته ثم أعطاهم يوسف عليه السلام ما جاءوا بسببه من الطعام وهموا بالرحيل فأمر سيدنا يوسف عليه السلام فتيانه أن يضعوا سقايته في متاع بنيامين والسقاية هي شيء كالكوب كان يشرب منها يوسف صلى الله عليه وسلم ويكيل بها للناس، فنادى منادٍ بأن سقاية الملك قد فقدت فبدأ الحراس بتفتيش متاع الإخوة حتى وصلوا إلى متاع بنيامين فأخرجوا السقاية من أمتعته فنظر إخوته إليه نظرة عتاب ظانين أنه حقًا سرق السقاية فكانت هذه حجة يوسف لإبقاء بنيامين عنده لأن هذا كان من شريعتهم أن السارق يبقى عند من سرق منه فلما رأوا استخراج السقاية من بين أمتعة بنيامين قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل،

يعنون يوسف أي لمن لا يعرف حقيقة الأمر من حيث الظاهر يشبه السرقة وليس سرقة في الحقيقة، لأن يوسف لم يسرق بل إنه في صغره كما يروى كان قد أخذ صنم جده أبي أمه فكسره وقيل غير ذلك، فقال يوسف في نفسه من غير أن يسمعهم أنتم شرٌ مكانة والله أعلم بما تصفون، ثم قال له مستعطفين يا أيها العزيز إن له أبًا شيخًا كبيرًا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين، قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعًا عنده إنا إذًا لظالمون، ولما استيئسوا من أخذه منه صاروا يتكلمون فيما بينهم ويقولون فلنتركه هنا ونخبر أبانا بما حصل فقال كبيرهم وهو روبيل لقد أخلفتم عهد أبيكم وفرطتم فيه كما فرطتم في أخيه يوسف من قبله، فلم يبق لي وجه أقابله به لن أترك أخيك ولن أتزحزح من هنا إلا وبنيامين معي،

فرجع باقي الإخوة إلى أبيهم وأخبروه ما جرى مع بنيامين فقال هذا ليس من أخلاق بنيامين وعادته فصبر الجميل والله المستعان وحزن حزنًا شديدا، فالذي حصل مع بنيامين ذكره بالحزن القديم وهو فقدان يوسف عليه السلام وحرك فيه ما كان كامنًا وهو من شدة حزنه وبكاءه على يوسف ابيضت عيناه فلما رأى بنوه ما يقاسيه من الوحدة وألم الفراق قالوا له على وجه الرحمة والرأفة به والحرص عليه لا تزال تتذكر يوسف حتى ينحل جسده وتضعف قوته فلو رفقت بنفسك كان أولى بك فقال لا أشكو ما أنا فيه إليكم، ولا إلى أحدٍ من الناس إنما أشكو إلى الله عز وجل وأعلم أن الله سيجعل لي مما أنا فيه فرجًا ومخرجًا وأعلم أن رؤيا يوسف لا بد أن تقع ولا بد أن أسجد له أنا وأنتم حسب ما رأى،

ثم طلب منهم أن يذهبوا إلى مصر مرة أخرى، ويطلبوا بنيامين ولا ييأسوا ففعلوا، فلما دخلوا على يوسف عليه السلام قالوا لا يا أيها العزيز ارؤف بنا ورد إلينا أخانا وقدموا له شيئًا قليلًا من ضعيف المال مما لم يبقى عندهم سواه، فلما رأى ما هم فيه من الحال والضعف والرجاء حسر لهم عن جبينه الشريف وأراهم وجهه ما يحويه من الخال الذي يعرفونه وقال لهم هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه فتعجبوا كل العجب وقالوا إنك لأنت يوسف قال أنا يوسف فقد ترددوا إليه مرارًا عديدة ولم يعرفوه فقالوا له إنا متأسفون نادمون أخطأنا بما فعلنا ونراك الآن وقد فضلك الله علينا وأعطاك ما لم يعطنا،

فقال لهم لست أعاتبكم على ما كان منكم بعد يومكم هذا ثم زادهم على ذلك وقال يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين وبعد أن علم يوسف عليه السلام بحال أبيه يعقوب أمرهم أن يأخذوا قميصه ويضعوه على عيني أبيهم فيرجع إليه بصره وإن هذا القميص كما ورد أنزله سيدنا جبريل عليه السلام مع طنفسة من الجنة إلى سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما رماه النمرود في النار فلم يحترق سيدنا إبراهيم بل لبس القميص وجلس على الطنفسة ثم فيما بعد ألبسه إبراهيم لابنه إسحاق ثم ألبسه إسحاق لابنه يعقوب من بعده ثم يعقوب جعل القميص في أنبوبة من فضة وعلقها في رقبة يوسف تبركًا به لأنه كان يخاف عليه من الإصابة بالعين وكان في القميص من ريح الجنة ولا يقع على مبتلى ولا مريض إلا عُوفي بإذن الله،

فقال إحدى إخوة سيدنا يوسف وهو يهوذا أنا أحزنت والدي يعقوب بحمل قميص الجفاء فسأحمل له قميص الشفاء وحمل القميص وإخوته خلفه وهو حافٍ حاسر الرأس ولما خرجت قافلتهم كان سيدنا يعقوب في كنعان في فلسطين وحوله أحفاده وقومه فأحس بانشراح في أعماق نفسه وابتهاج يسري في قلبه وهذا الشعور يشبه ما كان في السنين البعيدة حينما كان ولده يوسف يلعب بين يديه لعبًا لا عبث فيه ويرى ابتسامته على شفتيه فقال يعقوب عليه السلام إني لأجد ريح يوسف، فقد هاجت الريح وحملت ريح قميص يوسف ليعقوب عليهما السلام من على بعد ثمانية أيام وقبل وصول القافلة بيوم قيل إن عزرايل ملك الموت استأذن ربه في زيارة يعقوب عليه السلام فأذن له فجاءه فسأله يعقوب يا ملك الموت أسألك بالذي خلقك هل قبض روح ولدي يوسف فيما قبضت من النفوس قال لا،

ولكني سأعلمك كلمات لا تسأل الله شيئًا بها إلا أعطاه قلا يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبدا ولا يحصيه غيرك فرج عني ما أهمني، فدعا بها يعقوب عليه السلام في تلك الليلة ولم يطلع الفجر إلا وقد وصلت القافلة، فجاء يهوذا مبشرًا حاملًا قميص يوسف عليه السلام ثم وضعه على وجه سيدنا يعقوب فتحققت معجزة عظيمة وعاد له بصره كما كان يرى ويشاهد وبعد أن علم أن ولده يوسف حي يسكن مصر سافر سيدنا يعقوب ترافقه زوجته وأولاده وأحفاده وقومه ودخلوا مصر لمقابلة سيدنا يوسف والعيش فيها بقربه،

فدخلوها وكان عددهم نحو ثلاثة وستين شخصا، ولما اقترب قدوم سيدنا يعقوب خرج يوسف عليه السلام لاستقباله فركب معه الملك وجنوده خدمة ليوسف وتعظيمًا لنبي الله إسرائيل فاستقبلوه أجل استقبال أخيرًا رأى يوسف أباه وأمه بعد هذا الفراق الطويل الأليم ورفعهما يوسف على العرش وأجلسهما معه تكريمًا لهما فسجدا له سجود تحية وسجد إخوته الإحدى عشر أيضًا تعظيمًا وتكريمًا ليوسف عليه السلام وكان هذا جائزًا في شريعتهم ولم يزل ذلك معمولًا به في سائر الشرائع حتى حُرم في ملتنا وقال سيدنا يوسف فرحًا مستبشرًا حامدًا ربه يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل أي هذا تعبير ما كنت قصصته عليك من رؤيتي الإحدى عشر كوكبًا والشمس والقمر حين رأيتهم لي ساجدين وأمرتني بكتمانها ووعدتني ما وعدتني عند ذلك قد جعلها ربي حقا،

وببركة قدومي يعقوب إلى ديار مصر رفع الله عن أهلها بقية سني الجدب وبورك لبني إسرائيل في ذرياتهم فتناسلوا وتكاثروا حتى وصل عددهم لما خرجوا مع سيدنا موسى عليه السلام فيما بعد إلى ستمائة ألف إنسان عندما لحق بهم فرعون وجنوده وعندما حضرت يعقوب عليه السلام الوفاة وصى بنيه بالإخلاص والحفاظ على دين الإسلام الذي بعث الله به الأنبياء عليهم السلام ويذكر أنه لما مات يعقوب عليه السلام بكى عليه أهل مصر سبعين يوما وأمر يوسف الأطباء فطيبوه بطيب ومكث فيه أربعين يوما فاستأذن يوسف ملك مصر في الخروج مع أبيه ليدفنه عند أجداده إسحاق وإبراهيم وسارة عليهم السلام فأذن له وخرج معه أكابر مصر وشيوخها فلما وصلوا حبرون دفنوه في المغارة التي اشتراها إبراهيم الخليل وعملوا له عزاءً سبعة أيام ثم رجعوا إلى بلادهم وعزى إخوة يوسف يوسف في أبيهم وحسن حالهم ولما حضرت يوسف عليه السلام الوفاة أوصى إخوته أن يحمل معهم إذا خرجوا من مصر فيدفن عند آباءه فمات وهو ابن مئة وعشر سنين عليه السلام فوضعوه في تابوت فبقي في مصر حتى أخرجه معه سيدنا موسى عليه السلام ودفنه عند آباءه. والله أعلم وأحكم.