بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على رسول الله، نتكلم اليوم عن نبي الله يونس عليه السلام هو سيدنا يونس بن متى الذي يرجع نسبه إلى نبي الله سليمان ابن داود عليهم السلام أجمعين، عاش سيدنا يونس عليه السلام في أرض الموصل في العراق، وقد اصطفاه الله تعالى بالنبوة، وكان مؤمنًا بالله تعالى عابدًا له منذ صغره، كباقي أنبياء الله تعالى وكان عليه السلام جميل الشكل مليح المنظر فصيح الكلام ورقيق الألفاظ وكان سيدنا يونس صيادًا يصطاد الأسماك ويأكل من كسب يديه وعاش في إحدى قرى أرض الموصل في العراق في قرية تسمى نينوى وكان أهل نينوى قد فسدوا فسادًا كبيرا، وعددهم مئة ألف شخصٍ وأكثر، وكان لهم صنم اسمه عشتار يعبدونه من دون الله تعالى،
فجاءهم سيدنا يونس عليه السلام نبيًا إلى توحيد الله عز وجل وترك عبادة الأصنام، فآمن به بعض أهل نينوى، واستغرب بعضهم دعوتهم لهم ولم يأخذوا بكلامه، مع أنه أتى بآيات بيناتٍ ومعجزات باهرات تدل على صدق دعوته وصحة عقيدته وصبر عليهم ثلاثة وثلاثين سنة وفي نهاية الأمر قال لهم لقد دعوتكم باللين والحسنى مدة ثلاثة وثلاثين عاما فإذا أجبتم دعوتي كان الخير الذي أرجوه، وإلا فإني أنذركم عذابًا واقعا وبلاءً نازلا وهلاكًا قريبا بعد أربعين ليلة، فقال المشركون مستكبرين إن رأينا علامات العذاب آمنا بك، فلما مضى خمس وثلاثون ليلة دار حديث بين المشركين حول ما أنذرهم به يونس عليه السلام، فقال بعضهم لبعض إن يونس رجلٌ لا يكذب،
فراقبوه فإن بقي معكم ولم يغادر البلد فلا عليكم أما إن رحل عنكم فهو نزول العذاب، كما قال، فلما كان الليل تزود سيدنا يونس وخرج عنهم غاضبًا، وآيسًا منهم ولم يكن قد استأذن ربه في الخروج فظن أنه لن يؤاخذه بذلك فوصل إلى شاطئ البحر وركب سفينة فيها بعض الناس فأصعدوه معهم السفينة محبة وتبركًا به لحسن أخلاقه وجماله، فلما صعد السفينة رقد جانبًا ثم نام ولم يدري ما حصل بقومه إذ لم يكد يونس عليه السلام يبعد قليلًا عن نينوى، حتى أطلت على أهلها علامات العذاب وإشارات الهلاك فظهرت في السماء غيومٌ سوداء وثار الدخان الكثيف وهبط حتى وقع في مدينتهم وسود سطوحهم وصار العذاب على بعد ميلٍ واحد منهم ولما أيقنوا بوقوع الهلاك والعذاب قصدوا يونس عليه السلام فلم يجدوه فخرجوا إلى الصحراء وفرقوا بين النساء والصبيان وبين الدواب وأولادها فحن بعضها إلى بعض،
وعلت الأصوات وكثرت التضرعات وألهمهم الله تعالى التوبة، فأخلصوا النية، ذلك أنهم سأل شيخًا من أتباع سيدنا يونس وقالوا له لقد اقترب العذاب فماذا نفعل، فقال لهم آمنوا بالله ورسوله وتوبوا، وقولوا اللهم إنا ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله، عند ذلك آمنوا بالله ورسوله يونس عليه السلام وكانت ساعة عظيمة هائلة وتابوا إلى الله تعالى توبة صادقة وبلغ من توبتهم أن ردوا المظالم إلى أهلها حتى إن الرجل كان يقلع الحجر بعد أن وضع عليه بناء أساس داره فيرده إلى صاحبه الذي أخذه منه ظلما، ورد عنهم العذاب ورجعوا إلى بيوتهم آمنين مؤمنين وكان ذلك اليوم على ما قيل يوم عاشوراء،
يوم الجمعة، وأما سيدنا يونس في تلك الساعة فكان ما زال راقدًا في تلك السفينة التي سارت به وبمن ما هو معهم تتخطى الأمواج حتى فاجئتهم ريح كادت تغرق السفينة فاجتمعوا ركابها ليدعوا الله تعالى لعلهم ينجون وأيقظوا نبي الله يونس ليدعوا معهم فاستيقظ ودعا الله عز وجل فرفع الله عنهم تلك الريح، ثم انطلق إلى مكانه فنام فجاءت ريح كادت أن تقطع السفينة فأيقظ الناس يونس عليه السلام وصاروا يدعون الله فارتفعت الريح وبينما هو كذلك ظهر لهم حوتٌ عظيم قد أطل برأسه إليهم أراد أن يبتلع السفينة فجزعوا لهذا المنظر المخيف فقال لهم يونس عليه السلام يا قوم هذا من أجلي فلو طرحتموني في البحر لسرتم ولذهبت الريح عنكم والخوف، ولم يكن مقصوده أن يقتلوه لأنه يعلم أن الله أن يؤيده بالمعجزات الباهرات،
قالوا لا نطرحك حتى نقوم بالقرعة فمن وقعت عليه فرميناه في البحر، فاقترعوا فوقعت القرعة على سيدنا يونس، فقال لهم يا قوم اطرحوني فمن أجلي أتتكم الريح قالوا لا نفعل حتى نقترع مرة أخرى، ففعلوا فوقعت القرعة على يونس عليه السلام، فقال لهم ما قاله أول مرة، حتى انطلقوا به إلى رأس السفينة ليلقوه في البحر، فإذا الحوت فاتحٌ فمه ثم جاءوا به إلى جانب السفينة فإذا بالحوت هناك ثم رجعوا إلى الجانب بالآخر فإذا بالحوت كذلك هناك فاتحٌ فمه فلما رأى ذلك يونس عليه السلام ألقى بنفسه وهو يعلم أن الله سينجيه وأنه لن يموت بهذه الرمية لأنه نبي كريم فابتلعه الحوت الذي كان مأمورًا أن لا يأكل منه لحما ولا يكسر له عظما، ومكث سيدنا يونس في بطن ذلك الحوت أربعين يوما،
يشق الحوت به الأمواج ويهوي إلى الأعماق، في ظلمات عدة، ظلمة بطن الحوت وظلمة الليل وظلمة أعماق البحر، وكشف الله تعالى عن سمع سيدنا يونس فسمع عليه السلام أصواتًا غريبة تأتيه من الخارج فأوحى الله إليه أن هذا تسبيح أسماك البحر وحيتانه، فالتجأ إلى الله تعالى مغيث الملهوفين ومعين المكروبين واسع الرحمة وقابل التوبة، فقال عليه السلام لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فاستجاب الله دعاءه وأمر الحوت أن يخرج يونس عليه السلام إلى شاطئ البحر فألقاه ولكنه أي سيدنا يونس خرج سقيمًا مريضًا لطول مكثه في بطن الحوت، وروي أن الحوت قذف به على ساحل قرية من الموصل بالعراء حيث لا شجر ولا جبل وكان مريض البدن كهيئة الفرخ الذي ليس عليه ريش أقل شيء يسقط عليه يؤلمه فرحمه الله تعالى وأنبت عليه يقطينة أظلته وكان لهذه اليقطينة فوائد عديدة منها سرعة نباتها وتظليل ورقها لكبره ونعومته ولا يقترب منها الذباب وتؤكل نيئة ومطبوخة بلبها وقشرها وسخر الله له غزالة فكان يشرب من لبنها كل بكرة وعشيا،
حتى تعافى بإذن الله، ثم أمره الله أن يأتي قومه ويخبرهم أن الله تعالى قد تاب عليهم فذهب إليهم وفي الطريق لقي راعيًا فسأله عن قوم يونس وعن حالهم وكيف هم فأخبره أنهم بخير وأنهم على رجائي أن يرجع إليهم رسولهم ففرح يونس بهذا الخبر فرحًا شديدًا، فأتاهم فرحبوا به معتذرين إليه فكبر فرحه لتركهم عبادة الأصنام والأوثان وإيمانهم بالله الرحمن الموجود بلا مكان فعاشوا بسلام وأمان وإسلام مع نبيهم الكريم يونس عليه السلام الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ويذكر أن سيدنا يونس عليه السلام مات وهو ابن مئة وخمسين سنة، والله تعالى أعلم وأحكم.