بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على رسول الله، لنتابع ما جرى مع سيدنا موس عليه السلام بعد لقاءه بسيدنا الخضر عليه السلام فبعد أن اشترط سيدنا الخضر على سيدنا موسى أن لا يسأله سؤالًا مهما رأى وافق موسى عليه السلام وأعاد فتاه إلى بني إسرائيل وانطلق مع الخضر يمشيان على ساحل البحر حتى لمحا سفينة فطلبا من أهلها حملهما إلى حيث يذهبون وقال لهم الخضر سأعطي عن كل واحدٍ منا ضعف ما تأخذون من غيرنا فقال أحد البحارة نخشى أن يكونوا لصوصًا فقال له أصحابه بل
سنحملهما فإننا نرى على وجوههما النور فحملاهما بدون أجرى وبينما هما في السفينة فوجئ سيدنا موسى بأن الخضر عليه السلام أخذ لوحين من خشب فخلعهما ولم يكن يراه إلا موسى عليه السلام ولو رآه البحارة لمنعوه إذ من خصوصيات الخضر أنه لا يراه إلا من شاء الله له رؤيته فأنكر سيدنا موسى عليه السلام أن يقابل صنيع البحارة بالإساءة ويقابل جميلهم بالنكران وهو الرسول الكريم الذي أرسل لهداية الناس ورد الظلم عنهم وخشي أن يصيبهم غرق أو هلاك فنظر إلى الخضر وقال هؤلاء قد أصعدونا بدون مقابل وأحسنوا لقاءنا فتخرق سفينتهم فقد جئت شيئًا عظيما فالتفت الخضر إليه وذكره بالشرط والعهد قائلًا ألم أقل لك فتذكر موسى عليه السلام وقال لا تؤاخذني وتنحى جانبًا ويقال إنه نظر إلى الخضر قائلًا في نفسه ما أصنع بمصاحبة هذا الرجل كنت في بني إسرائيل أتلوا كتاب الله عليهم غدوة وعشيا فيطيعوني فكشف الله للخضر خاطر موسى عليه السلام فقال يا موسى أتريد أن أخبرك بما حدثت به نفسك قال نعم قال قلت كذا وكذا،
فقال موسى صدقت، وبينما هما على السفينة إذ جاء عصفور فوقف على حرفها فغمس منقاره في البحر فقال الخضر لموسى عليهما السلام يا موسى ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما نقر هذا العصفور من البحر، معناه لا نعلم من معلومات الله إلا القدر الذي أعطانا والقدر الذي أعطانا بالنسبة لما لم يعطنا كما أصاب منقار العصفور من الماء حين غمسه في البحر، ولما مرت السفينة بعد حين بدون أن يغرق أحد، مرر الخضر عليه السلام يده الشريفة على مكان اللوحين المكسورين فعادا كما كانا بإذن الله، واستبشر به أهل السفينة ثم وصل إلى مراده فنزل هو وموسى عليهما السلام ولما غادرا السفينة تابعا المسير فوجدا غلمانًا وفتيانًا يلعبون فأخذ الخضر واحدٌ منهم فأضجعه وقتله فدهش سيدنا موسى وكبر عنده ذلك الأمر،
إذ رأى فتى يافعًا قد يكون وحيد أهله يسفك دمه من غير إثم ظاهر فقال للخضر أقتلت نفسًا زكية التفت إليه الخضر وقال له ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا فاستحيا سيدنا موسى عند ذلك وأدرك أنه أثقل على هذا العبد الصالح فقال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني ثم أكمل موسى والخضر عليهما السلام طريقهما وانطلقا حتى أتيا قرية قيل إن اسمها أبلة، وكان أهلها بخلاء لئاما، فطلب الخضر وموسى عليهما السلام من أهل القرية طعاما فلم يقدموا لهما شيئا وردوهما ردًا غير جميل فخرجا جائعين وقبل أن يجاوزا القرية وجدا جدارًا يكاد أن يسقط فرفعه الخضر بمعجزة له بيده ومسحه فاستقام واقفا، وكان سمك هذا الجدار ثلاثين ذراعًا بذراع ذلك الزمان وطوله على وجه الأرض خمسمائة ذراع وعرضه خمسين ذراعا،
فاستغرب سيدنا موسى وقال عجبًا أتجازي هؤلاء القوم الذين أساءوا اللقاء بهذا الإحسان لو شئت لأخذت على فعلك هذا أجرًا منهم نسد به حاجاتنا ونحفظ أنفسنا فقال الخضر وقد تيقن أن موسى عليه السلام لن يستطيع بعد الآن صبرا، هذا فراق بيني وبينك، فأخذ سيدنا موسى بثيابه لا أفارقك حتى تخبرني بما أباح لك فعل ما فعلت، فلما التمس سيدنا موسى ذلك منه أخذ في البيان سيدنا الخضر والتفصيل وقال سأبين لك ما لم تستطع عليه صبرا أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فيصيبون منها رزقًا يعينهم على الكسب وعددهم عشرة إخوة ورثوها عن أبيهم بكل واحد علة ليست في الآخرة خمسة منهم لا يستطيعون العمل وخمسة يعملون، فأما العمال منهم فأحدهم كان مجذومًا والجذام مرضٌ خطير والثاني كان أعور والثالث كان أعرج والرابع كان آدر أي مصابٌ بتفق شديد والخامس كان محمومًا لا تنقطع عنه الحمى الدهر كله وهو أصغرهم والخمسة الذين لا يطيقون العمل أعمى وأصم لا يسمع وأخرس ومقعد ومجنون وكان عليهم ملكٌ فاجر اسمه هدد ابن بدد يأخذ كل سفينة صحيحة تمر في بحره غصبًا ويترك التي فيها خلل وأعطال ولم يكن الإخوة على علم بما يريد الملك فعله،
فأظهرت في السفينة عيبًا حتى إذا جاء خدام الملك تركوها للعيب الذي فيها وهذا الذي حصل فلم يأخذها الملك، ثم أصلحتها لهم كما رأيت فانتفعوا بها وبقيت لهم، وتابع الخضر عليه السلام كلامه فقال أما الغلام المقتول فاسمه حيسون وكان كافرًا وأبواه مؤمنان واسم الأب ملاس والأم رحما وكانا يعطفان عليه فكرهت أن يحملهما حبهما له على أن يتابعاه على كفره فكان يفسد ويقسم لأبويه أنه ما فعل فيقسمان على قسمه ويحميانه من العساكر والناس ولو عاش لأتعب والديه بكفره، ولله أن يحكم في خلقه بما يشاء ويتصرف في ملكه كما يشاء، لا يظلم أحدا، وكانت أم الغلام يوم قتل حبلى فولدت بنتًا كانت أرحم من الذي قتله الخضر ولما كبرت هذه البنت أدركت سيدنا يونس ابن متى فآمنت به وتزوجها وأنجبت عدة أنبياء فهدى الله بهم أممًا كثيرة سبحان الله العظيم وتابع سيدنا الخضر فقال وأما
الأمر الثالث وهو الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة أحدهما اسمه أصرم والآخر صريم واسم أبيهما كاشح وأمهما دهنا وكان تحت الجدار كنزٌ لهما عبارة عن لوحٍ ذهبي ومالٍ كثير من ذهبٍ وفضة تركه لهما والدهما الصالح الذي كان يؤدي الأمانات والودائع إلى أهلها فالله تعالى حفظ له أولاده وماله لصلاحه فقد جاء في الحديث النبوي إن الله يحفظ الرجل الصالح في ذريته ولو سقط ذلك الجدار لضاع ذلك الكنز فأمر الله الخضر بإقامة ذلك الجدار ليحفظ الكنز الذي سيكون من نصيب اليتيمن عندما يكبران وكان اليتمان جاهلين بما لهما من مال إلا أن الوصية عليهما كان عالمًا به. والله تعالى أعلم وأحكم.
\