النية خالصة لله تعالى
مَشروعية التَّبرُّك
بالأنبياءِ والصَّالحين
روى البُخاريُّ في الصحيح في بابِ المساجد التي على طُرُقِ المدينة، والمواضع التي صلَّى فيها النَّبي صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم أنَّ موسى بن عُقبة قال: رأيْتُ سالِمَ بن عبد الله يتحرَّى أماكن مِنَ الطريق فيُصلِّي فيها، ويحدِّثُ أنَّ أباهُ كان يصلِّي فيها وأنَّه رأى النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم يصلِّي في تلك الأمكنة، وحدَّثني نافعٌ عن ابن عُمَر أنَّه كان يصلَّي في تلك الأمكنة. ويقول الحافظ محمَّد مُرتضى الزَّبيديّ في كتاب "إتحاف السَّادة المُتَّقين" الجزء الرابع في صحيفة ٤١٩ ما نَصُّهُ: "وإنَّما كان ابن عُمر يصلِّي في هذه المواضع للتَّبرُّك". ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله في "فتحِ الباري" في الجزء الأول صحيفة ٥٦٩ ما نصُّهُ: ومحصل ذلك أنَّ ابن عُمَر كان يتبرَّكُ بتلك الأماكن وتَشَدُّدُهُ في الاتباع مشهور (يعني تَشدُّد ابن عمر في اتباع السُّنَّة مشهور) ولا يعارضُ ذلك ما ثبتَ عن أبيه (يعني عن عمر) أنَّه رأى النَّاسَ في سَفرٍ يتبادرون إلى مكان، فسألَ عن ذلك فقالوا: قد صلَّى فيه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال "مِنْ عَرضَتْ له الصَّلاةُ فليُصَلِّ وإلَّا فليَمضِ، فإنَّما هلكَ أهلُ الكتابِ لأنَّهم تَتبَّعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائسَ وبيَعا.
ولأنَّ ذلك مِنْ عمر محمولٌ على أنَّه كرِهَ زيارتهُ لمثل ذلك بغير صلاةٍ أو خَشيَ أَنْ يُشْكِلَ ذلك على مِنْ لا يعرفُ حقيقةَ الأمر، فيظُنَّهُ واجبًا، وكِلا الأمرين مأمُونٌ من ابن عمر رضي الله عنه لأنَّه من الأكابر (يعني من المجتهدين).
يقول الحافظ: "وقد تقدَّم حديثُ عِتبان وسؤالهُ للنَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم أَنْ يصلِّي في بيته ليَتَّخِذهُ مُصلَّى، وإجابةُ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم إلى ذلك. هنا قبل أن أُكمل كلام الحافظ ابن حجر، هذا الصحابي عِتبان بن مالِك رضي الله عنه ثبتَ في الحديث أنَّه أصابَهُ ضعف في بصره، فجاء الرَّسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم لزيارته، فقال له الرسول: "أيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصلِّي لك" (يعني في أي موضع مِنْ بيتك أُصلِّي)، فحيث صلَّى الرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عِتبانُ بن مالِك اتَّخذَهُ مُصلَّى. لماذا اتخذه مصلى؟ يعني تبرُّكًا بالنَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم.
وثبتَ في الحديثِ أنَّ أُمَّ سَلَمة أيضًا فعلتْ مثل ذلك، حيثُ صلَّى النَّبيُّ في بيتها اتخذَتهُ مُصلَّى. فيقول الحافظ ابن حجر: "فهو حُجَّةٌ في التَّبرُّكِ بآثارِ الصَّالحين" انتهى كلام ابن حجر بالنَّص.
فهذا أيُّها الأحبَّة يُوضح أنَّ السَّلفَ والخلفَ المُعتبرين كانوا على اسْتِحسانِ التَّبرُّكِ بآثارِ الصَّالحين، يعني بالنَّبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وبغير النَّبيِّ من الصَّالحين، ولا يوجدُ نقلٌ صحيح عن إمامٍ مِنَ السَّلفِ أو الخَلفِ حرَّمَ زيارةَ قبرِ النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم للتَّبرُّكِ أو التَّوسُّلِ به في حياته أو بعد مماتهِ، وكذلك أيُّها الأحبَّة يدُّلُّ دِلالة واضحة على جواز التَّبرُّكِ بآثارِ الصَّالحين كالأنبياءِ وغيرهم، ما ثبتَ أنَّ الرَّسولَ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم في أثناء رحلة الإسراء، قالَ له جبريل لمَّا وصلا إلى طور سيناء: "انزِلْ فصَلِّ ركعتين" لماذا؟ لأنَّ موسى كان هناك. وهذا تَتبُّع لآثارِ الصَّالحين.
كذلك لمَّا وصلَ إلى بيتِ لحمٍ قال له: "انزِلْ فصَلِّ هناك" لأنَّ المسيحَ عيسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وُلِدَ هناك .وهذا دليلٌ عظيمٌ ونافعٌ جدًا على أنَّ الرَّسولَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كان يرى مَشروعيَّة التَّبرُّك بآثارِ الصَّالحين.
مَشروعية التَّبرُّك
مدة القراءة: نحو 3 دقائق
