لله تعالى

تفسير زنى العين وذكر تحريم خروج المرأة بقصد التعرض للرجال الأجانب وكيف تكفّر هذه المعاصي

درس للإمام المحدث الشيخ عبد الله الهرري رضي الله عنه وأرضاه
بتاريخ 21 / 12 / 2000 الموافق لــ 25 / 9 / 1421هــ
ش/١٠٦

الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى جميع إخوانه من النبيين والمرسلين وءال كل والصالحين وسلام الله عليهم أجمعين أما بعد، فقد روى ابن حبان من حديث أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيما امرأة خرجت متعطرة فمرت بقوم ليجدوا ريحها فهي زانية وكل عين زانية" معنى هذا الحديث أن أغلب البشر يقعون في معصية النظر بشهوة أي بتلذذ، معناه لا يسلم منه إلا النادر من المسلمين، وأما قوله عليه الصلاة والسلام "فمرت بقوم ليجدوا ريحها" يفهم منه أنها إذا تعطرت وخرجت ليس ليجدوا ريحها ما عليها معصية، إنما المعصية إذا مرت بقوم حتى يشموا ريحها فيميلوا إليها فهي زانية أي عملت مقدمةً من مقدمات الزنى، مقدمات الزنى الغمز والمشي بقصد الاستمتاع المحرم، كذلك الاستماع لكلام امرأةٍ أجنبية للتلذذ بالاستماع لكلامها وهذا يكثر من بعض الخاطبين قبل العقد، هؤلاء ليتوبوا إلى الله، كذلك أن يتصور في نفسه أنه يقبل امرأة أجنبية أو يضاجعها أو أكثر من ذلك ليتلذذ كل ذلك من الصغائر، من مقدمات الزنى، ليس مثل الزنى الحقيقي لكن فيه معصية، الغمز معناه أن يمسك ثدي امرأة أجنبية أو ظهرها أو عجيزتها ونحو ذلك وهو حرام.

فقوله عليه الصلاة والسلام "ليجدوا ريحها" معناه يجوز لها أن تخرج متعطرة إلا إذا كان قصدها التعرض للرجال وإمالتهم إليها، بعض الجهال المتحزبين للباطل يقولون هذه اللام ليست لام كي إنما هي لام العاقبة، ومرادهم بقولهم هذا تحريم خروج المرأة متعطرة بكل حالٍ ولو كان مرادها مجرد الفرح بنفسها وكلامهم هذا باطل، وبعضهم يقول في التمويه على الناس هذا الأمر صار حرامًا في زماننا لأن الفتنة كثرت فيه ولا حجة لهم بهذا القول لأن الفتنة كانت موجودة أيام الأنبياء الأولين، النظر بشهوة كان لا يسلم منه إلا النادر من عباد الله، لا يسلم من النظر بشهوة إلا الأنبياء وبعض الأولياء، ومما يدل على ذلك ما ورد في الحديث من أن امرأة جميلة كانت تأتي فتصلي مع الرسول جماعة وصفوف النساء كانت خلف صفوف الرجال، بينهما مسافة قصيرة نحو مترين وشىء من غير ساتر، ولم يكن هناك سُدة كما اليوم، ما كانت سُدة للمساجد تلك الأيام، ثم بعض الناس حتى لا ينظروا إليها يتقدمون وبعض الناس يتأخرون ثم ينظرون من تحت الإبط فأنزل الله {ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين} عندها الرسول عليه الصلاة والسلام عرف حالهم ومع ذلك الرسول ما قال لهذه المرأة صلي في بيتك.

صلاة النساء مع الرجال سنة من أنكرها يكفر، ويستحب للنساء أن يذهبن لصلاة الجماعة في المسجد، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "لا تمنعوا نساءكم المساجد" وفي لفظ "مساجدَ الله"وفي لفظ "لا تمنعوا نساءكم من المساجد وليخرجن تَفِلات" أي بلا زينة ولا عطر، وقال في حديث ءاخر "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد" ولا تناقض بين الحديثين، ومعناه إذا صلت في بيتها أفضل لكن لا يكره لها الخروج إلى المسجد، ولا يكره لها أن تصليَ أمام الأجانب.
ثم هذه الأمور التي سماها رسول الله زنى العين واليد والرجل والقلب واللسان كلها تذهب بالوضوء الشرعي الذي لا كراهة فيه، ولو توضأ مرة واحدة، وينوي التقرب إلى الله لما يتوضأ، ينوي رفع الحدث لوجه الله، فقد روى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا توضأ المسلم فأحسن وضوءَه خرجت خطايا وجهه مع الماء أو مع ءاخر قطرة من الماء، وإذا غسل يديه خرجت خطايا يديه مع الماء أو مع ءاخر قطرة من الماء وإذا مسح رأسه خرجت خطايا رأسِه مع الماء أو مع ءاخر قطرة من الماء وإذا غسل رجليه خرجت خطايا رجليه مع الماء أو مع ءاخر قطرة من الماء" ومع هذا فقد ذكر رسول الله أن لليد زنىً وللعين زنىً وللقلب زنىً وللسان زنىً وجعلها من الصغائر، تذهب بالوضوء الشرعي، بالوضوء الذي لا كراهة فيه، وكذلك خروج المرأة متطيبةً ليشَم الرجال ريحها فهذه أيضًا مثل هؤلاء، تذهب معصيتها بالوضوء الشرعي.اهـ

رحم الله من كتبه ومن نشره