يا مَنْ يَجْزي بِمِثْقالِ ذَرَّةِ خَيرٍ خَيرًا
كَانَ يَزيدُ بنُ الكميتِ (وَكَانَ مِنْ خِيارِ النَّاسِ) يَقُولُ:
كَانَ أَبُو حنيفةَ شَديدَ الخَوفِ مِنَ اللهِ، فَقَرَأَ بِنا عَليُّ بنُ الحُسَيْنِ المُؤَذِّن ليلةً في عِشاءِ الآخِرَةِ إِذَا زُلْزِلَتِ وَأَبُو حنيفةَ خَلْفَهُ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ وَخَرجَ النَّاسُ، نَظَرْتُ إلى أَبِي حَنيفةَ وَهُوَ جَالِسٌ يُفَكِّرُ وَيَتَنَفَّسُ، فَقُلْتُ: أَقومُ لَا يَشْتَغِلُ قَلْبُهُ بي، فَلَمَّا خَرَجْتُ تَرَكْتُ القِنْديلَ وَلَمْ يَكنْ فيهِ إِلا زَيتٌ قَليلٌ، فَجِئْتُ وَقدْ طَلَعَ الفَجْرُ وَهُوَ قائِمٌ قَدْ أَخَذَ بِلحْيَةِ نَفْسِهِ وَهُوَ يَقُولُ: يا مَنْ يَجْزي بِمِثْقالِ ذَرَّةِ خَيرٍ خَيرًا، وَيَا مَنْ يَجْزي بِمِثْقالِ ذَرَّةِ شَرٍّ شَرًّا، أَجِر النُّعْمَانَ عَبْدَكَ مِنَ النَّارِ، وَمَا يُقَرِّبُ مِنْها مِنَ السُّوءِ، وَأَدْخِلْهُ في سِعَةِ رَحْمَتِكَ، قَالَ: فَأَذَّنْتُ، فَإِذَا القِنْديلُ يَزْهِرُ وَهُوَ قائِمٌ، فَلَمَّا دَخَلْتُ، قَالَ لي: تُريدُ أَنْ تَأْخُذَ القِنْديلَ؟ قَالَ: قُلْتُ: قَدْ أَذَّنْتُ لِصَلاةِ الغَدَاةِ، قَالَ: اكْتُمْ عَليَّ مَا رَأَيْتَ، وَرَكَعَ رَكْعَتَي الفَجْرِ، وَجَلَسَ حَتَّى أَقَمْتُ الصَّلاةَ، وَصَلّى مَعَنَا الغَداةَ عَلى وضوءِ أَوَّلِ الليل.
ورُوِيَ عَنِ القَاسِمِ بنِ مَعْنٍ: أَنَّ أَبَا حَنِيْفَةَ قَامَ لَيْلَةً يُرَدِّدُ قَوْلَه تَعَالَى: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ، وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ}، وَيَبْكِي، وَيَتَضَرَّعُ إِلَى الفَجْر.
أخي المسلم
أَمَامكَ العَشرُ الأوَاخِر، فاقتَصِد فِي رَاحَتك، قلِّل مِن نَومِك، اتعَب فِي الطَّاعَة، تَزوَّد لِآخِرَتِك.
