النِّيَّةُ للهِ تعالى
مُنذُ صِغَرِنا، كانَ الشَّيخُ رَحِمَهُ اللهُ يَقولُ لَنا: «إذا أَرَدتَ أنْ تَتَمَرَّنَ على جَوْدَةِ النُّطقِ بالحَرْفِ، فَأْتِ به مُشَدَّدًا، وانْطقْ قَبْلَهُ هَمْزَةً، فَتَقولَ: أضَّ، أَصَّ، أزَّ، أَسَّ، أَدَّ...» وهكذا كُنَّا نَتَمَرَّنُ حتّى أَتْقَنَّا النُّطقَ. الحَرْفُ يُؤْتَى به مُشَدَّدًا وتُسْبَقُ النُّطقَ به هَمْزَةٌ.
وفي صِغَري، والحَمْدُ للهِ، كُنتُ وَحْدي معَ الشَّيخِ، فقالَ لي: «أَذِّنْ، فَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ المَغْرِبِ» على ما أَذْكُرُ. فأَثناءَ الأَذانِ، لمّا وَصَلْتُ إلى «حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ»، لم أَكُنْ قَدْ تَعَلَّمْتُ مَخْرَجَ حَرْفِ الصّادِ بَعْدُ، فقالَ لي: «أَفْسَدْتَ عَلَيْنا الأَذانَ».
لم أَفْهَمْ قَصْدَهُ، فقلتُ له: «ماذا، مولانا؟» قالَ: «أَفْسَدْتَ عَلَيْنا الأَذانَ». قلتُ له: «لِماذا، مولانا؟» قالَ: «لأنَّكَ لم تَأْتِ بالصّادِ مِن مَخْرَجِها». فقلتُ له: «كَيْفَ هِيَ؟»
لم أَكُنْ قَدْ تَعَلَّمْتُ مَخارِجَ الحُروفِ بَعْدُ، مع أَنَّني كُنْتُ دارِسًا في «المَقاصِدِ»، وكُنْتُ آخُذُ الأَوَّلَ في القُرآنِ الكَريمِ، وأَعْطَوْني شَهادَةً، وأَهْدَوْني ساعةَ يَدٍ كَهَدِيَّةٍ في «السِّرتيفيكا». كُنْتُ أَقْرَأُ جيِّدًا، ولَكِنَّ الشَّيخَ عَبْدَ اللهِ كانَ يَعْتَني بالعِلْمِ على طَريقَةِ القُدامى الأصلية، كما تَلَقّاهُ، فإِسْنادُهُ مُتَّصِلٌ إلى أَصْحابِ رَسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلَّم، فكانَ يَأْخُذُ العِلْمَ بالتلقي، ويَتَعلَّمُ ويُعَلِّمُ.
فَعَلَّمَني، فَقُلْتُها مَرَّةً، فقالَ: «لا»، فَقُلْتُها المَرَّةَ الثّانِيَةَ، فقالَ: «هَكَذا»، أي أَنَّني في المَرَّةِ الثّانِيَةِ أَخْرَجْتُها صَحيحَةً، فأَعَدْتُ الأَذانَ.
وهكذا الإِنسانُ يَتَعلَّمُ ويُعَلِّمُ، كما يُحِبُّ الخَيْرَ لِنَفْسِهِ يُحِبُّ الخَيْرَ لِغَيْرِهِ، لأنَّ هذا الأَمْرَ يُفْسِدُ عليه أَمْرَ الصَّلاةِ، ولَيْسَ شَيْئًا يُتَغاضَى عَنْهُ.