أنس المجالس ج ٨٣
ثبوت رمضان وتبييت النية
83- عندَ الحنفيّة إذا قال شَخصٌ: "نَويتُ صيامَ يومِ غَدٍ إن كانَ مِن رمَضان"، ثم تبَيّنَ لهُ أنّهُ ليسَ مِن رمضانَ بل هو يومُ الشّكّ فغيّرَ نِيّتَه فقال: أصومُه نَفلًا لله تعالى وكانَت نيّتُه قبلَ الزّوالِ يجُوز إنْ كانَ تعَوّدَ صيامَ الاثنين والخميس، أو كانَ مِن عادتِه صيامُ ثلاثةِ أيّام أوّلَ الشّهر وثلاثةِ أيّام في وسَط الشّهر وثلاثةِ أيام في ءاخرِه.
في رمضان مَن نَسِيَ النيّة بالليل، ما خطَر على بالِه كلَّ الليل إلى الفَجر حتى طلَع الفَجر لهُ أن يَنويَ صيام اليوم مِن رمضانَ عند أبي حنيفة، يجُوز أن ينويَ قبلَ الزّوال( ).
رَبَّنا ءاتِنا في الدُّنيا حسَنةً وفي الآخرة حسَنةً، وَقِنا عذابَ النّارِ، اللهم إناّ نَسْأُلكَ العَفوَ والعافيةَ في الدُّنيا والآخِرة. وسُبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، والله تعالَى أعلَمُ.
الدَّرسُ الرّابِعُ والعِشرُونَ
كيفيّةُ ثُبُوتِ شهرِ رَمضانَ (درسٌ ثانٍ)
الحمدُ للهِ ربّ العالمينَ صَلَواتُ اللهِ البَرّ الرّحيم والملائكةِ المقَرّبينَ على سيّدِنا محمّدٍ أشرَفِ المرسَلِينَ وعلى جميع إخْوانِه الأنبياءِ والمرسَلِينَ وسَلامُ اللهِ علَيهِم أجمَعِينَ أمّا بَعدُ، فإنّ اللهَ تَبارَك وتعالى لا يَقبَلُ عمَلا مِن عَاملٍ إلا بَعدَ مَعرفَتِه والإيمانِ به والإيمانِ برسُولِه محمّدٍ.
قِراءَةُ القرءانِ ذِكْرٌ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) هَذا تَحمِيدٌ للهِ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) هَذا ثَنَاءٌ على الله، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) كذَلكَ تَبجِيلٌ للهِ، ثَناءٌ عَظِيمٌ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) هَذا تذَلُّلٌ للهِ تَعالى.
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) هذا دُعَاء، قولُ سُبحَانَ رَبيَ العَظيم في الرّكوع مِن أفضَلِ الذِكْر، اللهُ سُبحَانَه وتعالى أمَر عبَادَه بالإحسانِ أي أنْ يَعمَلُوا عمَلَ الخيرِ عَمَلَ البِرّ لهُ تَبارك وتعالى لا يَطلُبوا المحمَدَةَ مِنَ النّاس لأنّ الذي يَعمَلُ الخَيرَ أيَّ عمَلِ خَيرٍ إنْ كانَ صدَقَةً وإنْ كانَ قراءةَ قرءانٍ وإن كانَ حَجًّا وغَيرَ ذلكَ مِن أجلِ أن يَحمَدَه الناسُ ليسَ لهُ ثوابٌ عندَ الله.
اللهُ تبَارك وتعالى أمرَنا بأنْ نَحتَسِبَ بأعمَالِنا، معنى الاحتِسابِ أن نطلُبَ رِضى الله، والآنَ قَد أظَلّنا فَرضٌ عظِيمٌ مِن فرائضِ الله تعالى هوَ صَومُ رمضَانَ، صومُ رمضَانَ لهُ حُكمٌ يَتعَلّقُ بابتِدائه وحُكْمٌ يتَعلَّقُ باختِتامِه، أمّا الحُكمُ الذي يتعَلّقُ بابتدائِه هوَ أن يكونَ ابتداءُ الصّوم على رؤيةِ الهلال أو على استكمالِ شَهرِ شَعبانَ ثلاثينَ يومًا، مَن عرَف متى دَخلَ شَهرُ شَعبانَ برؤيةِ هلالِ شَهرِ شَعبانَ فاستَكمَلَ ثلاثينَ يومًا ليسَ علَيهِ أن يرَى هلالَ رمضَانَ، إنْ رأَى أو لم يرَ يَصُومُ، صَارَ فَرضًا علَيهِ أن يصومَ رمضانَ، فإنْ لم يرَ ولا عرَفَ أنّ شَهرَ شَعبانَ استَكمَلَ عدَدُه ثلاثينَ إنْ حدّثَهُ إنسَانٌ ثِقَةٌ أنّه رأى هلالَ رمضانَ قالَ: أنا رأيتُ هذه اللّيلَةَ هِلالَ رمضَانَ بعَيني يصُومُ اعتِمَادًا على كَلامِه، وإن أثبَتَ القَاضِي الشّرعيُّ قالَ: ثبَتَ عِندَنا رؤيةُ هلالِ رمضانَ يجُوز أن يَصُوم، وإن سمِعَ الإثباتَ في بلَدٍ ءاخَرَ مَهْمَا كانَ بعِيدًا كمَكّةَ أو اليمَنِ أو المغربِ إذا علِمَ أنّه ثبَتَ هلالُ رمضَانَ في بلْدَةٍ مِن بلادِ المسلِمينَ بواسطَةِ الإذاعةِ وتأكّدَ مِن ذلكَ يجوزُ لهُ أن يصُومَ، هذا مَذهَبُ أبي حَنيفَةَ ومالِك، أمّا عندَ الإمام الشافعِيّ إنْ كانَ أهلُ هذه البلَدِ لم يَرَوُا الهلالَ لا يَصُومونَ برؤيةِ بلْدَةٍ بعِيدةٍ تَختَلِفُ عن هذه البلدَة في الشّرُوقِ والغُروب، ليسَ عليهِ أن يَصُومَ عندَ الشّافعي إلا أنْ يَستَكمِلَ شَعبَانَ ثَلاثِينَ يومًا، لكن اليَومَ تَطبِيقُ مَذهَب الشّافِعيّ في بعضِ المسَائلِ صَعبٌ فيهِ عُسْرٌ، فنَحنُ نَصُومُ على ما يوافِقُ مَذهَبَ أبي حَنِيفَةَ ومَذهَبَ مالِكٍ. فإذَا عَلِمَ أحَدُنا أنّهُ أُثبِتَ رؤيةُ هلالِ رمضَانَ لهذه اللّيلَةِ بواسِطةِ الرّاديو فيَجُوزُ أن نَصُومَ، أمّا الأصْلُ الذي ورَدَ عن رسولِ الله فهو: «صُومُوا لرؤيتِهِ وأَفطِرُوا لرُؤيَتِه» ثم إذَا لم يتَيسّر رؤيةُ الهلال فيَأخُذُ بقَولِ رَسُولِ الله ﷺ: «فإنْ غُمَّ عَلَيكُم فأَكمِلُوا عِدّةَ شَعبَانَ ثَلاثِينَ يَومًا». «فإنْ غُمّ علَيكُم» أي حَالَ بَينَكُم وبَينَ رؤيةِ هِلالِ رمضَانَ الغَيم، إنْ منَعَكُم الغَيمُ فأَكمِلُوا عِدّةَ شَعبَانَ ثلاثينَ.