مخالَّتَهُ، ولا السَّعادةُ إلا خِدْمَتَهُ ومُصاحبَتَهُ، فلذلكَ قالَ الشيخُ العارفُ المتمكِّنُ أبو مَدْيَنَ التِلِمْسَاْنِيُّ رضيَ اللهُ تعالى عنه:
ما لَذَّةُ العَيْشِ إلا صُحْبَةُ الفُقَرَا
فاصْحَبْهُمُ وتَأَدَّبْ في مَجَاْلِسِهِمْ
واسْتَغْنِمِ الوَقْتَ واحْضُرْ دَاْئِمًا مَعَهُمْ
ولازِمِ الصَّمْتَ إِلا إِنْ سُئِلْتَ فقُلْ
ولا تَرَ العَيْبَ إِلا فِيْكَ مُعْتَقِدًا
وحُطَّ رَأْسَكَ واسْتَغْفِرْ بِلا سَبَبٍ
وإِنْ بَدَا مِنْكَ عَيْبٌ فاعْتَرِفْ وأَقِمْ
وقُلْ عُبَيْدُكُمُ أَوْلَى بِصَفْحِكُمُ
هُمْ بالتَّفَضُّلِ أَوْلَى وَهْوَ شِيْمَتُهُمْ
وبِالتَّفَتِّي على الإِخْوَاْنِ جُدْ أَبَدًا
ورَاْقِبِ الشَّيْخَ في أَحْوَاْلِهِ فَعَسَى
وقَدِّمِ الجِدَّ وانهَضْ عندَ خِدْمَتِهِ
ففي رِضاه رِضا الباري وطَاعَتُهُ
واعْلَمْ بأَنَّ طَريقَ القومِ دَارِسَةٌ
مَتى أَراهُمْ وأَنَّى لي بِرُؤْيَتِهِمْ
مَنْ لي وأَنَّى لمِثْلِي أَنْ يُزَاْحِمَهُمْ
أُحِبُّهُمْ وأُدَاْرِيْهِمْ وأُوْثِرُهُمْ
قَوْمٌ كِرامُ السَّجايا حَيْثُما جَلَسُوْا
يُهْدِي التَّصَوُّفُ مِنْ أَخْلاقِهِمْ طُرَفًا
هُمْ أَهْلُ وُدِّي وأَحبابي الذينَ هُمُ
لا زَاْلَ شَمْلِي بِهِمْ في اللهِ مُجْتَمِعًا
ثُمَّ الصَّلاةُ على المختار سَيِّدِنا *** هُمُ السَّلاطِيْنُ والسَّاْدَاْتُ والأُمَرَا
وخَلِّ حَظَّكَ مَهْمَا قَدَّمُوْكَ وَرَا
واعْلَمْ بأَنَّ الرِّضَا يَخْتَصُّ مَنْ حَضَرَا
لا عِلْمَ عِنْدِي وكُنْ بالجَهْلِ مُسْتَتِرَا
عَيْبًا بَدَا بَيِّنًا لَكِنَّهُ اسْتَتَرَا
وقِفْ على قَدَمِ الإِنْصَاْفِ مُعْتَذِرَا
وَجْهَ اعْتِذَاْرِكَ عَمَّا فِيْكَ مِنْكَ جَرَى
فَسَاْمِحُوْا وخُذُوْا بالرِّفْقِ يَاْ فُقَرَا
فَلا تَخَفْ دَرَكًا مِنْهُمْ ولا ضَرَرَا
حِسًّا ومَعْنًى وَغُضَّ الطَّرْفَ إِنْ عَثُرَا
يَرَى عَلَيْكَ مِنَ اسْتِحْسَاْنِهِ أَثَرَا
عَسَاْهُ يَرْضَى وحَاْذِرْ إن تَكُنْ ضَجِرَا
يَرْضَى عَليكَ فَكُنْ مِنْ تَرْكِهِ حَذِرَا
وَحَاْلُ مَنْ يَدَّعِيْها اليومَ كَيْفَ تَرَى
أو تَسْمَعُ الأُذْنُ مِنِّي عَنْهُمُ خَبَرَا
على مَوَاْرِدَ لم آلَفْ بها كَدَرَا
بِمُهْجَتِي وخُصُوْصًا مِنْهُمُ نَفَرَا
يَبْقَى المكانُ على آثارِهِمْ عَطِرَا
حُسْنُ التَّأَلُّفِ مِنْهُمْ رَاْقَنِي نَظَرَا
مِمَّنْ يَجُرُّ ذُيُوْلَ العِزِّ مُفْتَخِرَا
وَذَنْبُنَا فِيْهِ مَغْفُوْرًا ومُغْتَفَرَا
مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ أَوْفَى وَمَنْ نَذَرَا
ــــــــــــــــــــــ
ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا *** :: *** هم السلاطين والسادات والأمرا
أي ما لذَّةُ عَيْشِ السالك في طريق مولاه إلا صحبةُ الفقراء، والفُقَرَاْءُ جمع فَقِيْرٍ والفقيرُ هو المتَجَرِّدُ عن العَلائقِ المعرِضُ عن العَوائقِ ، من أعرضَ عن كلِّ شيء وتَحَقَّقَ بحقيقةِ لا إله إلا الله محمَّد رسولُ الله. وعنى بهؤلاء السادةَ الصوفيةَ، وقد شاع إطلاقُ الفقراءِ عليهم؛ لأنّ الغالبَ عليهم الفقرُ بالمعنى المعروف، وفَقْرُهُمْ مقارنٌ للصلاح، وبذلك يمدحُ الفقرُ، فعن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما موقوفا_كما رواه أبو نُعيم في الحِلية_:"تواضعوا وجالسوا المساكين تكونوا من كُبَرَاءِ عباد اللّه تعالى وتخرجوا من الكبر"،
وفي رواية عن أبي هريرة _كما رواه الحاكم في المستدرك_: "أحبوا الفقراء وجالسوهم". ومِنْ فوائدِ مجالستهم أَنَّ العبدَ يرى نعمةَ اللّه تعالى عليه، ويقنَعُ باليسير من الدنيا، ويأمَنُ في مجالستهم من المداهنة والتَّمَلُّق وتحمُّل المَنِّ وغير ذلك، نعم إنَّ مجالستَهم خلافُ ما جُبلتْ عليه النَّفْسُ ولذا عَظُمَ فضلُها.
وأما إذا اقترنَ الفقرُ بالفساد فالعياذ باللّه تعالى منه. فمتى سمعتَ الترغيبَ في مجالسة الفقير فاعلمْ أنّ المرادَ منه الفقيرُ الصالحُ، والآثارُ متظافرةٌ في الترغيبِ في ذلك. فمثلُ هذا مصاحبتُهُ تُذيقك لَذَّةَ الطريق، وتُريق في جميع فؤادك مِن شرابِ القومِ أهنى رَحِيْق، ويُعَرِّفُك الطريقَ ويقطع لك العِتاب ويُزيل عن قلبك التَّعويقَ ويُنهضُك بهمَّته ويَرفعك إلى أعلى الدرجات، ومَن كان كذلك فهو السلطانُ على الحقيقة والسيدُ على أهل الطريقة والأميرُ على أهل البَصيرة؛ فلا تخالفْ أيّها السالكُ طريقَهُ.
قال الإمام أحمد الرفاعي الكبير رضي الله عنه: "أيْ سادةُ، جالسوا العلماءَ والعُرَفاءَ؛ فإنَّ للمجالسةِ أسرارًا تَقْلِبُ الجلاس مِن حالٍ إلى حالٍ، وقد قيل في ذلك: مَنْ جَلَسَ مع ثمانيةِ أصنافٍ زادَهُ اللهُ ثمانيةَ أشياءَ: مَنْ جلس مع الأمراء زاده الله الكِبْرَ وقَساوةَ القلب، ومن جلس مع الأغنياء زاده الله الحِرْص في الدنيا وما فيها، ومن جلس مع الفقراء زاده الله الرِّضا بما قَسَمَهُ الله تعالى، ومن جلس مع الصّبيان زاده الله اللهو واللعب، ومن جلس مع النساء زاده الله الجهل والشّهوة، ومن جلس مع الصالحين زاده الله الرَّغْبَةَ في الطاعة، ومن جلس مع العلماء زاده الله العِلْمَ والوَرَعَ، ومن جلس مع الفُسَّاق زاده الله الذنب وتَسويف التوبة".
وورد أيضًا: "الصُّحْبَةُ مع العاقل زِيادةٌ في الدين والدنيا والآخرة، والصُّحْبَةُ مع الأحمقِ نُقصانٌ في الدين والدنيا وحَسْرَةٌ ونَدامةٌ عند الموت وخَسارةٌ في الآخرة"اهـ.
فاجتهدْ أيّها السالكُ المجدُّ في تحصيلِ هذا الرَّفيق واصحبه وتأدَّبْ في مجالسِهِ يَزُلْ عنك ببركةِ صُحبته كلُّ تَعويق كما قال رضي الله تعالى عنه:
فاصحبهم وتأدب في مجالسهم *** :: *** وخل حظك مهما قدموك ورا
قوله: (فاصحبهم) فيه تأكيدٌ لما سبق. أي اصحَبْ الفقراءَ وتأدَّبْ معهم في مجالستهم؛ فإنّ الصحبةَ شَبَحٌ والأدبَ رُوْحُها، فإذا اجتمعَ لك بينَ الشَّبَحِ والرُّوْحِ حُزْتَ فائدةَ صُحبتِهِ، وإلا كانتْ صُحبتُكُ ميتةً فأيُّ فائدةٍ ترجوها من الميتِ.
ومن أهمِّ أدبِ الصحبةِ أن تُخَلِّفَ حُظوظَكَ وراءَك ،ولا تكنْ همَّتُك مصروفةً إلا لامتثالِ أوامرِهم، فعندَ ذلك يُشْكَرُ مَسْعاك، فإذا تَخَلَّقْتَ بذلك فبادرْ واستغنمْ الحضورَ وأَخْلِصْ في ذلك ترتفعْ درجتُك وتعلُ همَّتُك.
قال السيد أحمد الرفاعي: لا تقطعوا الوصلة مع العلماء، جالسوهم، أوصيكم كل الوصية بعد علم واجبات الدين بصحبتهم؛ فإنها تِرْياق مجرَّب، عندهم رأسُ الأمر كلِّه، عندهم الصِّدق والصَّفاء والذَّوق والوفاء والتجرُّد من الدنيا والتجرد إلى المولى عز وجل، وهذه الخِصال لا تحصُلُ بالقِراءةِ والدَّرْسِ والمجالس، لا تحصل إلا بصُحبة الشيخ العارف الذي يجمَعُ بين الحالِ والمَقالِ، الذي يَدُلُّ بمقالِهِ ويُنْهِضُ بحالِهِ، أولئك الذين هداهم الله، فبهُداهم اقْتَدِه.اهـ
واستغنم الوقت واحضر دائما معهم *** :: *** واعلم بأن الرضا يختص من حضرا
أي واستغنمْ وقتَ صحبةِ الفقراء، واحضرْ دائمًا معهم بقَلْبِكَ وقَاْلَبِكَ تَسْرِ إليك زَوائِدُهُم وتَغْمُرْكَ فَوائِدُهُم ويَنْضَحْ ظاهرُك بالتأدُّبِ بآدابهم ويُشرقْ باطنُك بالتَّحَلِّي بأنوارهم، فإنَّ مَنْ جالسَ جانسَ، فإنْ جلستَ مع المحزونِ حَزِنْتَ، وإن جلستَ مع المسرورِ سُرِرْتَ، وإن جلستَ مع الغافلين سَرَتْ إليك الغَفْلَةُ، وإن جلستَ مع الذاكرينَ انتبهتْ مِن غفلتِك وسَرَتْ إليكَ اليقظةُ.
والمراد من هذا البيت كسابقه الحَثُّ المتأكد علي التقرُّب من الأولياء وملاصقتُهم، ولذا قال السيد أحمد الرفاعي الكبير: الصَقوا بأولياء الله، "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون" عليكم بالتقرب من أولياء الله. الولي من وادَّ الله وآمن به واتقاه فلا تحادُّوا من وادَّ الله، جاء في بعض الأحاديث: "من عادى لي وليًّا فقد آذنتُهُ بالحرب" مَنْ وَالى وليَّ اللهِ، والى اللهَ، ومَنْ عادى ولي الله، عادى اللهَ. من أحبَّ عدوك هل تحبُّه؟ من أحبَّ محبك هل تبغضه؟ لا والله.
اللهُ ينتقم لأوليائه ممن يؤذيهم، ويكرمهم بصون محبيهم وعون من يلوذ فيهم. هم أخصُّ المخاطبين بآية: "نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة"
عليكم بمحبتهم والتقرب إليهم تحصلُ لكم بهم البركةُ، كونوا معهم "أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون".
واعلمْ أنَّ هذا الرِّضا وهذا المَقامَ يخصُّ مَنْ حَضَرَ معهم بالتأدّبِ وخَرَجَ عن نفسِهِ وتحلَّى بالذِّلَّةِ والانكسارِ، والله تبارك وتعالى أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين يُحسن ويُجمل ويُنعم ويُكرم، فاخرجْ عنكَ إذا حضرتَ بين أيديهم وانطرحْ وانكسرْ إذا حَلَلْتَ بناديهم، فعندَ ذلكَ تَذوقُ لذَّةَ الحضورِ، ولذا يقول السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه: أيها البعيدُ عنّا الممقوتُ منّا، ما هذا منك يا مسكين، لو كانَ لنا فيكَ مَقْصِدٌ يَشهدُ بحُسنِ استعدادك وخالصِ حُبِّكَ إلى اللهِ وأهلِهِ اجتذبناكَ إلينا، وحَسَبْناك علينا شئتَ وإلا، لكن الحقَّ يُقالُ، حَظُّكَ مَنَعَكَ وعدمُ استعدادِكَ قَطَعَكَ، لو حسبناك منّا ما تباعدْتَ عنا، خُذْ مني يا أخي علمَ القلبِ خُذْ مني علمَ الذوق، خُذْ مني علمَ الشوق، أين أنتَ مني يا أخا الحِجابِ كَشِّفْ لي قلبَك.اهـ
واستعِنْ على ذلكَ بمُلازمةِ الصَّمْتِ تُشرقْ لك أنوارُ الفَرَحِ ويَغْمُرْكَ السُّرورُ كما قال رضي الله عنه:
ولازم الصمت إلا إن سئلت فقل *** :: *** لا علم عندي وكن بالجهل مستترا
الصَّمْتُ عندَ أهلِ الطريقةِ مَنْ لازمه ارتفعَ بُنيانُهُ وتَمَّ غِراسُهُ، وهو نوعانِ: صَمْتٌ باللسانِ، وصَمْتٌ بالجنانِ. وكلاهما لا بدَّ منه في الطريق فمن صمت قلبُهُ ونطق لسانُهُ نطق بالحِكمة، ومن صمت لسانُهُ وصمت قلبُهُ تَجَلَّى له سِرُّهُ، وكلامُ الشيخِ قابلٌ لذلكَ فالزمْ الصمتَ أيّها السالكُ إلا إِنْ سُئلتَ، فإن سُئلتَ فارجعْ إلى أصِلك ووَصْلِك، وقُلْ لا عِلْمَ عندي واستترْ بالجهلِ تُشرقْ لك أنوارُ العلمِ اللَّدُنِيِّ فإنّك مهما اعترفتَ بجهلك ورجعتَ إلى أصلِك لاحَتْ لك معرفةُ نفسك، وكلُّ ذلكَ من فوائدِ الصمتِ ولزومِ آدابه، فاصمتْ وتأدَّبْ ولازمْ البابَ تكنْ من أحبابه وما أحسنَ ما قيلَ:
لا أَبْرَحُ البابَ حتى تُصْلِحُوا عِوَجِي
فإِنْ رَضِيْتُمْ فَيَا عِزِّي ويا شَرَفِـي *** وتَقْبَلُوْنِي عَلَى عَيْبِي ونُقْصَاْنِي
وإِنْ أَبَيْتُمْ فَمَنْ أَرْجُوْ لِعِصْيَاْنِي
فانهضْ أيّها الأخُ إلى باب مولاك بهمَّةٍ عاليةٍ، وتحقَّقْ بعُبُوْدِيَّتِكَ تُشرقْ عليك الأنوارُ السَّنِيَّةُ كما أشار إلى ذلك الشيخ رضي الله عنه بقوله:
ولا ترَ العيب إلا فيك معتقدا *** :: *** عيبا بدا بينا لكنه استترا
أي تحقَّقْ بأوصافك من فَقْرِكَ وضَعْفِكَ وعَجْزِكَ وذِلَّتِكَ، فإذا تحقّقتَ بأوصافك وشهدتَ لنفسك عيوبًا لكنّها مستترةٌ فعندَ ذلك تحظى بالدرجاتِ العاليةِ.
فانكسرْ أيّها الأخُ وانطرحْ بالطريقِ، ولا تَرَ لنفسِكَ حالا ولا مَقالا يَزُلْ عنكَ كلُّ تَعويق، وقُمْ على قَدَمِ الاعترافِ وانصُفْ من نفسك تَبلغْ أعلى درجاتِ المنازلِ كما قال رضي الله تعالى عنه:
وحط رأسك واستغفر بلا سبب *** :: *** وقف على قدم الإنصاف معتذرا
أي تواضعْ وانكسرْ وحُطَّ أشرفَ ما عندك وهو رأسُكَ في أخفضِ ما يكونُ وهو الأرضُ لتحوزَ مَقامَ القُرْبِ كما ورد في الحديث: "أقربُ ما يكونُ العبدُ إلى اللهِ تعالى وهو ساجدٌ" لأن قربَ العبدِ بتواضعِهِ وانكسارِهِ،واشهَدْ نفسَكَ دائمًا مُقصِّرا ولولم يظهرْ عليكَ سبب ذلك؛ فإنّ العبدَ لا يخلو من تقصيرٍ وقِفْ على قَدَمِ الإنصافِ من ذنوبك خَجِلا من سيئاتِك وعيوبِك، فتأهَّبْ أيّها الأخُ لهذه المعاملةِ مع إخوانِك الفقراءِ لتصيرَ لك مِعْرَاْجًا تتوصَّلُ به إلى المعالي لتكونَ مَرْضِيًّا عند الخالقِ مقبولا عندَ الخَلْق فتصفوَ لك المعاملةُ وتُشرقَ عليك أنوارُ الحقائقِ، قال رضي الله عنه:
وإن بدا منك عيب فاعتذر وأقم
وقل عبيدكمُ أولى بصفحكم
هم بالتفضل أولى وهو شيمتهم *** وجه اعتذارك عما فيك منك جرى
فسامحوا وخذوا بالرفق يا فقرا
فلا تخف دركا منهم ولا ضررا
أي ليكنْ شأنُكَ دائمًا التواضعَ والانكسارَ وطلبَ المعذرةِ والاستغفارِ، فقد قال السيد أحمد الرفاعيّ: أيّها السَّالكُ إيّاكَ ورؤيةَ النَّفْسِ، إيّاك والغُرورَ، إيّاك والكِبْرَ فإنَّ كلَّ ذلك مُهلكٌ. ما دَخَلَ ساحةَ القُرْب مَن استصغر الناسَ، واستعظمَ نفسَهُ، مَنْ أنا؟ ومَنْ أنتَ؟ اهـ
وإن بدا منكَ عيبٌ أو ذنبٌ فاعترفْ واستغفرْ فإنَّ التائبَ مِن الذنبِ كمَن لا ذنبَ له كما ورد في الحديث الذي رواه البيهقيُّ مرفوعًا عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وليس الشأنُ أن لا تُذنبَ إنما الشأنُ أن لا تُصِرَّ على الذنبِ، ولهذل قيل:" أَنِيْنُ المُذْنِبِيْنَ خَيْرٌ عندَ اللهِ من زَجَلِ المُسَبِّحِيْنَ عُجْبًا وافْتِخَاْرًا "؛ وذلك لأنّ زَجَلَهم يَشوبه الافتخار، وأنينَ أولئك يَشوبه الانكسارُ والافتقارُ.
ومع اعترافِك واستغفارِك أَقِمْ وجهَ اعتذارِك عمّا جرى منكَ، فيكون ذلك ممحى للذنبِ وأدخلْ في القبولِ، وذُلَّ وتَواضعْ وانكسرْ، وقُلْ عُبَيْدُكُمْ أولى بِصَفْحِكُمْ، لأنّ العبدَ ليس له إلا بابُ مَولاه، فسامِحوا عُبيدكم يا فقراءُ، وخُذوا بالرِّفْق وعاملوني به؛ فإنّي عَبْدٌ فقيرٌ لا يُصلحني إلا المعاملةُ بالرِّفْق والفَضْل، ثم قال رضي الله عنه إنهم أولى بهذا الشيءِ وهو شِيْمَتُهُم، ولم يَزالوا مُتَفَضِّلين وهذه معاملتُهُم مع أصحابهم وهي سَجِيَّتُهُم، فلا تخفْ منهم ضَرَرًا أيّها السالكُ المصاحبُ لهم وتمسَّكْ بأذيالهم، فإذا عرفتَ ذلك أيّها السالكُ فتَخَلَّقْ بأخلاقِهِم الكريمةِ، وجُدْ بالتَّفَتِّي على الإخوانِ وغُضَّ الطَّرْفَ عن عَثْرتهم تكنْ آخذًا مِن أوصافِهِم أحسنَ هيئةٍ. قال رضي الله عنه:
وبالتفتِّي على الإخوان جد أبدا *** :: *** حسا ومعنى وغض الطرف إن عثرا
أي وتَكَرَّمْ على إخوانِك، وجُدْ عليهم أبدًا، إمّا في الحِسِّ فببَذْلِ الأموالِ، وإمّا في المعنى فبصَرْفِ هِمَّةِ الأحوالِ، ولا تبخلْ عليهم بشيءٍ يُمكنُكَ إيصالُهُ إليهم، فإنّ السَّماحةَ لُبُّ الطريقِ، ومَن تَخَلَّقَ بها فقد زالَ عن قلبِهِ كلُّ تَعويقٍ، فالكرمُ هو الأساسُ والتواضعُ يتمُّ للسالكِ به الغِرَاْسُ، فإذا تَمَّ له هذانِ الأمرانِ سَلِمَ صَدْرُهُ من العَلائقِ، وزالَ عن طريقِهِ كلُّ عائقٍ، ولذلكَ ورد في الحديث _كما روى الترمذيّ_: "إنَّ في الجنةِ لغُرَفًا يُرَى ظاهِرُها مِنْ باطِنِها وباطِنُها مِنْ ظاهِرِها أَعَدَّهَا اللهُ تعالى لمن أَلانَ الكَلامَ وأَطْعَمَ الطَّعامَ وتابَعَ الصِّيامَ وصَلَّى بالليلِ والنَّاسُ نِيَاْمٌ". فتأمَّلْ هذا الحديثَ يا أخي حيثُ بَدَأَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بإِلانَةِ الكلامِ وهو إشارةٌ إلى التواضعِ، ثم ثَنَّى بإطعامِ الطعامِ وهو إشارةٌ إلى الكَرَمِ، ثم أتى بعدَ ذلكَ بالصلاةِ والصيامِ.
فانهضْ أخي إلى هذه المآثِرِ، وبادِرْ واجمَعْ معها حُسْنَ مكارمِ الأخلاقِ، وغُضَّ الطَّرْفَ عن مَساوِئِ الإخوانِ إنْ وَقَفْتَ منهم على عَثْرَةٍ، ولا تَشْهَدْ إلا محاسنَهم.
قال السيدُ أحمدُ الرفاعيُّ رضي اللهُ عنه: قُمْ بنَصِيْحَةِ الإخوانِ، وأَلِّفْ بينَ قلوبهم، وأَصلحْ بينَ الناسِ، واجمعِ الناسَ مهما استطعتَ على اللهِ بطريقتِك، ورَغِّبِ الناسَ بالصِّدْقِ للدخولِ في بابِ الفقراءِ والسُّلوكِ بطريقِ القومِ، وعَمِّرْ قلبَكَ بالذِّكْرِ وجَمِّلْ قالَبَكَ بالفِكْرِ، ونَوِّرْ نِيَّتَكَ بالإخلاصِ.اهـ
فإذا تخلَّقْتَ أيّها الأخُ بهذه الخِصالِ الشَّريفةِ، فقد تأهَّلْتَ للإقبالِ على الشيخِ فانهضْ إلى عَتَبَةِ بابِهِ، وراقِبْهُ بهمةٍ مُنِيْفَةٍ كما أشار إلى ذلك الشيخُ رضي اللهُ عنه بقوله:
وراقب الشيخ في أحواله فعسى *** :: *** يرى عليك من استحسانه أثرا
أي إذا تخلَّقْتَ بما تقدَّم من الآدابِ ووصلتَ بافتقارِك وانكسارِك إلى الشيخِ وتمسَّكْتَ بأثرِ تلك الأعتابِ فراقبْ أحوالَهُ واجتهدْ في حصولِ مَراضيه، وانكسِرْ واخضَعْ له في كلِّ حِيْنٍ فإنّه التِّرْيَاْقُ والشِّفاءُ، وإنَّ قلوبَ المشايخِ تِرياقُ الطريقِ، ومَن سَعِدَ بذلك تَمَّ له المطلوبُ، واجتهدْ أيّها الأخُ في مشاهدةِ هذا المعنى فعسى يرى عليك مِن استحسانِهِ لحالِكَ أَثَرًا.
إذا فهمتَ ذلك أيّها السالكُ فتأدَّبْ بينَ يدي الشيخِ واجتهدْ أَنْ تسلُكَ أحسنَ المسالكِ، وخُذْ ما عرفتَ بجِدٍّ واجتهادٍ، وانهَضْ في خِدمتِهِ وأخلصْ في ذلك لتَسُوْدَ مع مَنْ سَاْدَ كما قال:
وقدم الجد وانهض عند خدمته
ففي رضاه رضي الباري وطاعته *** عساه يرضى وحاذر إن تكن ضجرا يرضى عليك فكن من تركه حذرا
أي وانهضْ في خدمةِ الشيخِ بالجِدِّ، فعساكَ تحوزُ رِضاه فتسودَ مع من ساد، واحذَرْ أن تضجرَ، ففي الضَّجَر الفَسادُ، ولازمْ أعتابَ بابِهِ في الصباح والمساء لتحوزَ منه الوِدادَ. فإِنْ ظَفِرْتَ أيّها السالكُ برضاهُ، رضي اللهُ تعالى عنك، ونِلْتَ فوقَ ما تَمَنَّيْتَ، قال السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه: لازمْ بابَ اللهِ، ووَجِّهْ قلبَك لرسول الله، واجعل الاستمدادَ من بابِهِ العالي بواسطةِ شيخِكَ المرشدِ، وقُمْ بخدمةِ شيخِك بالإخلاصِ من غيرِ طلبٍ ولا أَرَبٍ، واذهبْ معه بمَسْلَكِ الأدبِ ،واحفظ غَيْبَتَهُ، وتَقَيَّدْ بخِدمتِهِ، وأكثرِ الخدمةَ في منزله، وأقلِلِ الكلامَ في حَضرته، وانظرْ له بنظرِ التعظيمِ والوَقارِ، لا نظرِ التصغيرِ والاحتقارِ.اهـ
فاستقمْ أيّها الأخُ في رضا شيخِك وطاعتِهِ تظفرْ بطاعةِ مولاك ورضاه، وتَفُزْ بجزيل كَرَمِهِ، فعَضَّ أيّها الأخُ بالنَّوَاْجِذِ على خِدمةِ الشيخِ إن ظفرتَ بالوصولِ إليهِ، واعلمْ أنَّ السعادةَ قد شَمِلَتْكَ مِن جميعِ جهاتِك إذ عَرَّفَكَ اللهُ تعالى به، وأطلعكَ تعالى عليه، فإنَّ الظَّفَرَ به لا سِيَّما في هذه الأيامِ أعزُّ من الكبريتِ الأحمرِ. واعلمْ أنَّ طريقَ القومِ دارِسَةٌ، وحالُ مَنْ يَدَّعِيْها كما ترى، لكن إذا ساعدَتْكَ العِنايةُ ظفرتَ وشَمِمْتَ مِن نَفْحَةٍ طَيِّبَةٍ ما يَفوقُ المِسْكَ الأذفرَ. ولذلك قال رضي الله تعالى عنه:
واعلم بأن طريق القوم دارسة
متى أراهم وأنى لي برؤيتهم
من لي وأنى لمثلي أن يزاحمهم
أحبهم وأداريهم وأوثرهم *** :: :: :: :: *** وحال من يدعيها اليوم كيف ترى
أو تسمع الأذن مني عنهم خبرا
على موارد لم آلف بها كدرا
بمهجتي وخصوصا منهم نفرا
شَرَعَ الشيخُ رضي الله عنه يُشَوِّقُ السالكين إلى طريق أهله، ويخبرُهم أنَّ طريقَهم دارِسَةٌ وحالُ من يَدَّعيها اليومَ كما ترى في الفَتْرَةِ حتى كادت الهِمَمُ تكونُ من الطلبِ آيِسَةً، وهكذا شأنُ طريقِ القومِ لعزَّتِها كأنها في كلِّ عصرٍ مفقودةٌ، ولا يظفرُ بها إلا الفَرْدُ بعدَ الفردِ، وهذه سُنَّةٌ معهودةٌ؛ وذلك أنَّ الجوهرَ النَّفيسَ لا يزالُ عَزيزَ الوجودِ يَكادُ لعِزَّتِهِ يحكمُ بأنه ليس بموجودٍ، والطريقُ أهلُها مخفِيَّةٌ في العالمِ خَفَاْءَ ليلةِ القَدْرِ في شهر رمضانَ وخَفاءَ ساعةِ الجمعةِ في يومِها حتى يجتهدَ الطالبُ في طَلَبِهِ بقَدْرِ الإمكانِ، فإنَّ مَنْ جَدَّ وَجَدَ، ومَنْ قَرَعَ البابَ ولَجَّ وَلَجَ.
فاجتهدْ أيّها الأخُ واصدُقْ في الطَّلَبِ، تجِدْ المطلوبَ، واستعنْ على ذلكَ الطلبِ بمَدَدِ عَلَّاْمِ الغُيُوْبِ؛ فإنَّ الظَّفَرَ لا يحصلُ إلا بمجرَّدِ فَضْلِهِ، ثم إنَّ الشيخَ رضي الله عنه لما ذكر عِزَّةَ الطريقِ وفُِقدانَ أهلِها شَرَعَ يتأسَّفُ على الاجتماعِ بهم ويَتمنَّاهُ ويَستبعدُ مِن نفسِهِ حصولَ ذلكَ، والتشرُّفَ بلِقائِهِ تواضعًا منه وانكسارًا وهَضْمًا لنفسِهِ واحتقارًا، ولذا قالَ بعدَ ذلكَ: مَنْ لي وأَنَّى لِمِثْلي أَنْ يُزاحِمَهُم إلخ
وهذا شأنُ العارفِ لنفسِهِ بنفسِهِ لأنَّه لا يَرى لنفسِهِ حالا ولا مَقالا بل يرى نفسَهُ أقلَّ مِن كلِّ شيءٍ، وهذا هو النَّظَرُ التامُّ كما قيل:
إذا زاد علم المرء زاد تواضعا
وفي الغصن عن حمل الثمار مناله *** وإن زاد جهل المرء زاد ترفعا
فإن يعر من حمل الثمار تمنعا
فانظرْ إلى الشيخِ أبي مَدْيَنَ ورِفْعَتِهِ في الطريقِ مع أنه وَصَلَ مِن تَرْبِيَتِهِ اثنا عَشَرَ ألفِ مُريدٍ، وانظرْ إلى هذا التنزل منه والتدلي بأغصان شجرة معرفته إلى أرض الخضوع والانكسار حتى إنه لم ير نفسه أهلا للاجتماع بأهل هذه الطريقة ويزيده هذا الانخفاض من الارتفاع لأن الشجرة لا يزيدها انخفاضها في عروقها إلا ارتفاعا في رأسها فتواضع أيها الأخ في الطريق وخذ هذا الأصل العظيم من هذا العارف المتمكن يزل عنك كل تعويق.
ثم قال رضي الله عنه تعالى بعد ذلك أحبهم . . إلخ أي وإن لم أكن أنا منهم فإني أحبهم، ومَنْ أَحَبَّ قومًا فهو مِنْهم، كما وَرَدَ في حديث الشيخين:" المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ ". قال أنسٌ رضي الله عنه: ما فَرِحَ المسلمونَ بشيءٍ فَرَحَهُمْ بهذا الحديثِ.اهـ
فائدةٌ في شرح الحديث " المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ ":
معنى الحديث أنَّ الشخصَ يُحْشَرُ مَعَ مَحْبُوبِهِ ، وَيَكُونُ رَفِيقًا لِمَطْلُوبِهِ.
قَالَ تَعَالَى:" وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ " الآيَةَ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْعُمُومُ الشَّامِلُ لِلصَّالِحِ وَالطَّالِحِ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: "الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ" السابقُ. فَفِيهِ تَرْغِيبٌ وَتَرْهِيبٌ وَوَعْدٌ وَوَعِيدٌ.
يَعْنِي مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا بِالْإِخْلاصِ يَكُونُ مِنْ زُمْرَتِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ عَمَلَهُمْ لِثُبُوتِ التَّقَارُبِ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَرُبَّمَا تُؤَدِّي تِلْكَ الْمَحَبَّةُ إِلَى مُوَافَقَتِهِمْ، إذ إنَّ كلَّ مهتمٍّ بشيء يكونُ منجذبًا إليه، وإلى أهله بطَبْعِهِ، شاءَ أم أبى، وكلُّ امرئٍ يصبو إلى مُناسِبِهِ رَضِيَ أم سَخِطَ، فيكونُ معه طَبْعًا وعَقْلا، فالنفوس العُلْوِيَّة تنجذب بذواتها وهممها وعملها إلى أعلى، والنفوس الدَّنِيَّة تنجذب بذواتها إلى أسفل، ومن أراد أن يعلم هل هو مع الرفيق الأعلى أو الأسفل فلينظر أين هو ؟ ومع من هو في هذا العالم ؟
قال المُناويُّ: وَفِي الحديثِ حَثٌّ عَلَى مَحَبَّةِ الصُّلَحَاءِ وَالْأَخْيَارِ رَجَاءَ اللَّحَاقِ بِهِمْ وَالْخَلَاصِ مِنْ النَّارِ والقرب من الجبار والترغيب في الحب في الله والترهيب من التباغض بين المسلمين.اهـ
وكونه معه لا يستلزمَ مُساواتَهُ له في مَنزلتِهِ، وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ لأنَّ ذلكَ متفاوتٌ بتفاوتِ الأعمالِ الصالحةِ والمتاجِرِ الرابحةِ. قال الحافظ في الفتح: المَعِيَّةُ تحصُلُ بمجرد الاجتماع في شيءٍ ما، ولا تلزمُ في جميع الأشياء، فإذا اتفق أنَّ الجميع دخلوا الجنة صدقت المعية وإن تفاوتت الدرجات اهـ. وقال أيضًا: دَلَّ الخبرُ على أنَّ اتّباعَ الرسولِ _وإنْ كانَ الأصلُ أنّه لا يحصُلُ إلا بامتثالِ جميعِ ما أَمَرَ بهِ_ قد يحصُلُ من طريقِ التفضُّلِ باعتقادِ ذلكَ، وإنْ لم يحصلْ استيفاءُ العملِ بمقتضاه، بل محبةُ مَنْ يعملُ ذلكَ كافيةٌ في حصولِ أصلِ النجاةِ والكَوْنِ مع العاملينَ بذلكَ لأنَّ محبتَهم إنما هي لأجلِ طاعتِهم، والمحبةُ مِن أعمالِ القلوبِ فأثابَ اللهُ محبَّهم على مُعْتَقَدِهِ؛ إذ النيةُ هي الأصلُ، والعملُ تابعٌ لها وليسَ مِنْ لازمِ المعيَّةِ الاستواءُ في الدَّرجاتِ.اهـ
وقال أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي: هذه الْمَعِيَّة هي النجاة من النار، والفوز بالجنة، إلا أنَّ أهل الجنة على مراتبهم ومنازلهم بحسب أعمالهم وأحوالهم.اهـ
وقال ابنُ العَرَبِيّ في شرح الحديث: يُريد المصطفى صلى الله عليه وسلم في الدنيا بالطاعةِ والأدبِ الشرعيِّ، وفي الآخرةِ بالمُعاينةِ والقُرْبِ الشُّهُوْدِيِّ، فمن لم يتحقَّقْ بهذا وادعى المحبَّة فدعواه كاذبة. اهـ
وفي روايةٍ للبخاريِّ في أبوابِ الأدبِ عن أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه قال: قيلَ للنبيِّ: الرجلُ _وأَلْ فيه للجنس_ يُحِبُّ القومَ _أي من أهل الصلاح_ ولمّا يَلْحَقْ بهم _ولما تنفي الماضيَ المستمرَّ كما هو مقرَّر عند أهل العربية فدَلَّ عل نفيه في الماضي وفي الحال_ قال:" المرءُ مع من أحبّ ".
قال ابن علَّان: هو عامّ، فمن أحبَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أو أحداً من المؤمنينَ، كان معه في الجنةِ بحُسْنِ النية؛ لأنها الأصل، والعملُ تابعٌ لها، ولا يلزمُ مِن كونِهِ معهم كونُهُ في منزلتِهِم، ولا أَنْ يُجْزى مثلَ جَزَاْئِهِم مِنْ كلِّ وجهٍ.اهـ
وتَتِمَّةُ الحديثِ:" وَلَهُ مَا اكْتَسَبَ ". يعني وَلَهُ أَجْرُ مَا اِحْتَسَبَ فِي مَحَبَّتِهِ.
وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ فِي شُعَبِ الإيمانِ:"أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلَكَ مَا اِحْتَسَبْتَ".
قَالَ الْقَارِي: أَي أَجْرُ مَا احْتَسَبْتَ، وَالِاحْتِسَابُ طَلَبُ الثَّوَابِ. وَأَصْلُ الِاحْتِسَابِ بِالشَّيْءِ الِاعْتِدَادُ بِهِ وَلَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْحِسَابِ أَوْ الْحَسَبِ، وَاحْتَسَبَ بِالْعَمَلِ إِذَا قَصَدَ بِهِ مَرْضَاةَ رَبِّهِ. وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ: وَكِلَا اللَّفْظَيْنِ " يَعْنِي اِحْتَسَبَ وَاكْتَسَبَ " قَرِيبٌ مِنْ الْآخَرِ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنْهُ . قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَى"مَا اِكْتَسَبَ" كَسَبَ كَسْبًا يُعْتَدُّ بِهِ، وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ سَبَبُ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الِاحْتِسَابِ؛ لِأَنَّ الافْتِعَالَ لِلاعْتِمَالِ.اهـ
وقد جمع أبو نُعَيْمٍ الأصبهانيّ طرقَ هذا الحديث في جزءٍ سماه كتاب المحبين مع المحبوبين وبلغ الصحابة فيه نحو العشرين.
وهذا أيضًا من الشيخ أبي مدينَ رضي الله تعالى عنه من تمام التنزل السابق وتكميلا وتتميما ولهذا تواضع الذي لم يلحقْ جَوادَ شَرَفِهِ في مَيْدَانِهِ لاحِقٌ، نفعنا الله تعالى ببركاته، ووَفَّقَنا مِن مُعاملاته، لأنَّ هذه خِصالُ القومِ وصفاتُهُم، ولذلكَ ارتفعتْ رُتَبُهُم وجزلت عطيتهم كما وصفهم رضي الله تعالى عنه بقوله:
قوم كرام السجايا حيث ما جلسوا
يهدي التصوف من أخلاقهم طرفا
هم أهل ودي وأحبابي الذينهم
لا زال شملي بهم في الله مجتمعا
ثم الصلاة على المختار سيدنا *** :: :: :: :: :: *** يبقى المكان على آثارهم عطرا
حسن التألف منهم راقني نظرا
ممن يجر ذيول العز مفتخرا
وذنبنا فيه مغفورا ومغتفرا
محمد خير من أوفى ومن نذرا
أي قوم سجاياهم كريمة وهمتهم عظيمة حيثما جلسوا، تبقى آثار نفحات عطرهم في المكان ظاهرة وأين ما توجهوا تسطع شمس معارفهم فتشرق القلوب يهدي التصوف للسالك المشتاق من أخلاقهم طرفا مجيدة تدل على الطريق ويسير في سلوكه سيرة حميدة فلذلك جمعوا أحسن تأليف حتى راق كل ناظر وجدوا في أكمل معنى لطيف حتى اكتحلت بكحل اثمدهم أنوار البصائر
ولذلك قال الشيخ رضي الله تعالى عنه بعد ذلك هم أهل ودي وأحبابي . . إلخ فإن الشخص لا يحب إلا من جانسه ولا يود إلا من كان بينه وبينه مؤانسة وفي هذا الكلام إشارة إلى أنه رضي الله تعالى عنه من جملتهم وطينته من طينتهم.
وما تقدم منه في التواضع والانكسار دليل على التحقيق في هذا المجد والفخار كما تقدمت الإشارة إلى ذلك ثم دعا وسأل انه لا يزال شمله مجتمعا بهم في الله تعالى، وذنبه مغفورا ونحن نسأله أيضا إتمام الصلاة والسلام على سيدنا محمد المختار خير من أوفى ومن نذر ومن أكرم الجار وعلى آله وصحبه السادة الأبرار والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم القرار.
وهذا الرَّقْمُ لمن تعطَّشَ لَيْلُهُ في مَعاني هذه الأبياتِ ،وإلا فنحنُ معترفونَ بالعَجْزِ والتَّقصيرِ عن معانيها. واللهُ سبحانه وتعالى أعلمُ.
فائدة مهمة: ذكر بعض الحنفية في كتاب شَرَعَهُ آداباً للمآخاة والصحبة، وأنا أذكرها الآن على سبيل الاختصار، وهي:
_أن لا يُؤاخي ويُصادِقَ إلا مَنْ يثقُ به وأمانتِهِ ويعرف صلاحه وتقواه فإن المرءَ يكونُ مع من أحبَّ، ويحشر على دين خليله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل"
قال ابن جماعة في أنس المحاضرة: قال قُسُّ بنُ محمَّد لولده: يا بنيّ إياكَ ومُصاحبةَ الأندالِ، فإنَّ مصافاتهم إلى زَوال، وهم أهلُ خِلافٍ واختلافٍ، وسُرعةِ إقبالٍ وانصرافٍ، إن رأوك بخير كرهوك، وإن رأوك في غِبْطَةٍ حَسَدوك، ولا تقبلْ قولَ واشٍ نَمَّامٍ في حقِّ أخيك، ولا تُفْشِ سِرَّ أخيك لأحدٍ.
_وأنْ لا يغلوَ في الحبِّ والبُغْضِ، فيكونُ حبُّهُ كَلَفاً، وبغضُهُ تَلَفاً، بل يكون مُقْتَصِدًا فيهما.
_وأن ينظر في وجه أخيه حباً له وشوقاً إليه ويتبسم، ففي الحديث عند ابن حبان: " تبسُّمُكَ في وَجْهِ أخيكَ صَدَقَةٌ "
_وينبغي أن يحذرَ كل منهما عما يوجب الفرقة بينهما.
_وأن يخلصَ له الوِدَّ، ففي الحديث: " ثلاثٌ يُصفين لك ودَّ أخيك، تُسَلِّمُ عليه إذا لقيتَه، وتُوَسِّعُ له في المجلسِ، وتدعوه بأحبِّ أسمائِهِ إليهِ " رواه الحاكم.
_وأن يُوافقَ أخاه فيما أباح الشرع، فإن ذلك خير من الشفقة عليه، فإذا قال أخوه في شيء لا، يقول: لا، وإذا قال في شيء: نعم، قال: نعم، وإذا قال له أخوه: قم بنا لا يقول: إلى أين؟ وإذا طلب منه شيئاً من ماله لا يقول له: كم تريد؟ أي شيء تصنع به؟
_وأن يفرح بما يرى عليه من النِّعَم ويَغْتَمَّ بما يَلقى عليه من الكَرْبِ والغَمِّ، ويسعى في تفريجه عنه.
_وينبغي أن يستعملَ مع أخيه بَشاشةَ الوجه، ولطف اللسان، وسَعة القلب، وكَظْم الغيظ، وإسقاطَ الكِبْر، ومُلازمة الحُرْمة، وقولَ المَعْذِرَةِ.
_وأن يرى لأخيه من الحق والفضل على نفسه أكثر مما يرى له أخوه.
_وأن يُهديَ إلى أخيه المسلم مما تيسر عن طِيبة نفسه، ويَقبلَ منه ما يُهْدَي إليه وإن قَلَّ، ويزد له حباً ويكافئَه بخيرٍ من ذلك إنْ وجد، ويشكرَ له ويُثنيَ عليه خيراً، ويدعوَ له ويقولَ: جزاك اللهُ خيراً، فإنه أبلغُ الثناءِ والدعاءِ، ولا يكتمَ صَنِيْعَهُ.
_وأن يزورَ أخاه المسلمَ غِبًّا إن خافَ سَآمتَهُ، طالباً بذلكَ جَزيلَ الثوابِ من اللهِ. _وإذا أتى بابَ أخيه استأذنَ الدخولَ عليه، ولا يقوم قُبالَةَ البابِ، ويستأذنُ ثلاثاً يقولُ: في كلِّ مرةٍ السلامُ عليكمْ يا أهلَ البيتِ، أيدخلُ فلانٌ؟ ويمكُثُ بعدَ كل مرة مقدارَ ما يفرَغُ الآكلُ والمتوضِّئُ والمصلّي بأربعٍ، فإذا أذن له وإلا رَجَعَ سالماً، وإذا نُوديَ مِن داخلِ البيت: من على الباب لا يقول: أنا، فإنه ليس بجواب بل يقول: فلان.
قال النووي في الأذكار: ويستحب استحباباً مؤكداً زيارة الصالحين والإخوان، والجيران والأصدقاء والأقارب وغيرهم، وإكرامهم وبرهم وصلتهم، وينبغي أن يكون زيادته لهم على وجه لا يكرهون وفي وقت يرتضونه. وقد ورد في فضل زيارة الإخوان في الله في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "أَنَّ رَجُلاً زَارَ أَخًا لَهُ فِى قَرْيَةٍ أُخْرَى فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ _ أي على طريقه_ مَلَكًا فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ أَيْنَ تُرِيدُ قَالَ أُرِيدُ أَخًا لِى فِى هَذِهِ الْقَرْيَةِ.
قَالَ هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا _أي تحفظها وترعاها_ قَالَ: لاَ غَيْرَ أَنِّى أَحْبَبْتُهُ فِى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: فَإِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ".
ويستحب أن يطلب الإنسان من صاحبه الصالح أن يزوره، وأن يكثر من زيارته فقد ورد في صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام: "ما يمنعك أن تزورنا أكثرَ مما تزورنا" فنزلتْ "وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا".
ومن آداب المزور ومستحباته أن يكرم الزائر، أن يكرم الزائر، وأن يلقي السجادة أو نحوها تحته، وأن يقوم بخدمته، ولا ينبغي للزائر أن يرد كرامة المزور عليه، وأن يقول أحدهما للآخر: كيف أصبحت وكيف حالك؟ فيقول له: صاحبُهُ: أصبحتُ مؤمناً أو في خيرٍ وعافيةٍ والحمدُ لله رب العالمين، ثم إذا استقرَّ به المكانُ قَدَّمَ له ما حَضَرَ مِن طعامٍ أو شرابٍ.
ومنها: أنه يتهيَّأُ للقاءِ الإخوانِ ويتجمَّلُ لهم فيلبسُ مِن أنظف ثيابه، ويتطيب، ويتزين لهم ما استطاعَ ثم يخرجُ إليهم.
قال صاحب الأنوار في آخر كتاب الغسل، ويستحب لمن يصحب الناس التنظيف بالسواك، وأخذ الشعر، واستعمال الطيب، وقطع الروائح الكريهة، وحسن الأدب معهم، لتزويد المودة والوقار، وأن يتمسك بصحبته الصديق الصدوق.
فقد كان السلف إذا ظفروا بما يصلح للصداقة يتمسكون به ولم يضيعوه، علماً بأن الصديق الصدوق أعزُّ من الكبريت الأحمر.
ومنها: أن يكون أولاد أخيه في الله أولاده، فقد كان كثير من السلف الصالح يقوم بكلفة أولاد إخوانهم في الله، ويصرفون إليهم كسبهم كما يصرفونها إلى أولادهم.
واعلم أنَّ أنفع الأصدقاء هو الذي يوافق فعله قوله، وألا يكون كمن قال الله فيه "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ".