بغية الطالب ج ٢٥٤
حكم الصائم إن جن أو أغمي عليه
وحكم صوم العيدين وأيام التشريق
والنصف الأخير من شعبان.
254- قال المؤلف رحمه الله: وأنْ لا يُجَنَّ ولو لحظةً وأنْ لا يُغمَى علَيهِ كُلَّ اليَومِ.
الشرح: أنهُ يُشتَرطُ لصِحّةِ الصّومِ أنْ لا يَطرأَ على الصّائمِ جُنُونٌ في جُزءٍ مِنَ النّهَارِ فمَنْ جُنَّ في بَعضِ النّهَارِ ولَو لَحظَةً فإنّهُ يُفطِرُ ولو كانَ سبَبُ جُنُونِه أنّهُ شَرِبَ قَبلَ الفَجْرِ شَيئًا مُجنّنًا( وهو لا يَعرِفُ أنّهُ مُجَنِّنٌ) وليسَ علَيهِ قَضَاء.( أمّا إنْ كانَ يَعرِفُ أنّهُ مُجَنّنٌ وأخَذَهُ فَجُنَّ فعَلَيهِ قَضَاءٌ)
ومِن شُروطِهِ أيضًا أنْ لا يَحصُلَ لهُ إغمَاءٌ يَستَغرِقُ كُلَّ النّهَارِ، فإنْ لم يَستَغرِق كُلَّ النّهَارِ فلا يَضُرُّ وإلا فَسَدَ صَومُهُ واخْتَلَفَ الفُقهَاءُ في وجُوبِ القضَاءِ علَيهِ.
قال المؤلف رحمه الله: ولا يَصِحُّ صومُ العِيدَينِ وأيامِ التّشريقِ وكذا النصفُ الأخيرُ منْ شَعبانَ ويومُ الشكِّ إلا أن يَصِلَهُ بما قبلَهَ أو لقَضَاءٍ أو نَذْرٍ أو وِردٍ كمنِ اعتادَ صومَ الاثنينِ والخميسِ.
الشرح: أنّه لا يصح ولا يجوزُ صومُ العِيدَينِ الفِطرِ والأضحى ولا صومُ يومٍ مِن أيّام التّشريقِ الثلاثةِ ولو كانَ ذلكَ الصومُ لفِديةِ التّمتُّع (أو لقَضاء)، وكذلكَ لا يصحُّ ولا يجوزُ صومُ النّصفِ الأخيرِ مِن شَعبان، وكذلكَ لا يصحُّ ولا يجوزُ صومُ يومِ الشّكّ ولو بنيةِ الاحتِياط.
أمّا النّصفُ الأخيرُ من شعبانَ فلِوُرودِ النَّهيِ عن صومهِ كما في حديثِ أبي داود والبيهقي والترمذي والنَّسَائي (1) من حديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه: "إذَا انْتَصَفَ شَعبانُ فَلا تَصُومُوا".(وقال الترمذي حديث حسن صحيح)
ويُسنُّ صومُ يومِ النصفِ من شعبانَ لحديث: "إذَا كانَت لَيلَةُ النِّصفِ مِن شَعبانَ فَقُومُوا لَيْلَها وصُومُوا نَهارَها" رواه ابن ماجه (2). (قال الحافظ البُوصيري في مِصباح الزُّجاجة (1/ 247): "هذا إسنادٌ فيهِ لِين، ابن أبي سبرة واسمه أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة قال أحمد وابن معين: يضع الحديث".)
(فإذَا صَادفَ النّصفُ مِن شَعبانَ يَومَ جمُعَة فَلا يُكرَهُ إفرَادُ صَومِ يَومِ الجمُعَة لِمَنْ وَافَقَ صَومُهُ عَادةً لهُ، وأمّا مَن لم يُوافِقْ هَذا عَادَةً لهُ فَهَل تَنتَفِي كَراهَةُ إفرادِه بالصّيَام لوُرُودِ الأمرِ بصَومِهِ مَع كَونِ الأصلِ في الصّيامِ كَونُه طَاعةً مَطلُوبًا فِعلُها، أو تَبقَى الكَراهَةُ لِوُرُودِ النَّهيِ عن إفْرادِه بالصَّوم احتِياطًا، مالَ بَعضُهُم إلى الأوّلِ وسَكَتَ بَعضُهُم عن التّرجِيحِ، والذي يُفهَمُ مِن كَلامِهِم ومِن كَلامِ شَيخِنا رحمَه اللهُ أنْ لا يُحكَمَ بكَراهَةِ إفْرادِه بالصَّومِ في هَذه الحالِ وأنْ يُصَامَ احتِياطًا.)
(رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [سُورَةَ الدُّخَان/4] أَنَّهُ قَالَ:" يُفْرَقُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مَا يَكُونُ فِي السَّنَةِ مِنْ رِزْقٍ أَوْ مُصِيبَةٍ، فَأَمَّا كِتَابُ الشَّقَاءِ وَالسَّعَادَةِ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ لا يُغَيَّرُ "اهـ.
مُجَاهِدُ بنُ جَبْرٍ تِلْمِيذُ ابْنِ عَبَّاسٍ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَذَا الْكَلامَ الَّذِي فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَضَاءَ اللَّهِ الْمُبْرَمَ لا يُغَيَّرُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} فَمَعْنَاهُ كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ تَرْجُمَانُ الْقُرْآنِ إِنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ مِنْ رَمَضَانَ هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يُفْرَقُ فِيهَا كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَيْ كُلُّ أَمْرٍ مُبْرَمٍ، أَيْ أَنَّهُ يَكُونُ تَقْسِيمُ الْقَضَايَا الَّتِي تَحْدُثُ لِلْعَالَمِ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ إِلَى مِثْلِهَا فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ مِمَّا يَحْدُثُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ مِنْ مَوْتٍ وَصِحَّةٍ وَمَرَضٍ وَفَقْرٍ وَغِنًى وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَطْرَأُ مِنَ الأَحْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ إِلَى مِثْلِهَا فِي الْعَامِ الْقَابِلِ، وَلَيْسَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ كَمَا يَظُنُّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ.
وَإِنَّمَا الَّذِي وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ:" يَطَّلِعُ اللَّهُ إِلَى خَلْقِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ «رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. وَالْمُشَاحِنُ مَعْنَاهُ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُسْلِمٍ آخَرَ عَدَاوَةٌ وَحِقْدٌ وَبَغْضَاءُ، أَمَّا مَنْ سِوَى هَذَيْنِ فَكُلُّ الْمُسْلِمِينَ يُغْفَرُ لَهُمْ يُغْفَرُ لِبَعْضٍ جَمِيعُ ذُنُوبِهِمْ وَلِبَعْضٍ بَعْضُ ذُنُوبِهِمْ.
أَمَّا الْحَدِيثُ الآخَرُ:" فَيَغْفِرُ لِأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعْرِ غَنَمِ كَلْبٍ "فَغَيْرُ صَحِيحٍ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ.)
(عن أنَس رضي الله عنه قال: قيلَ يا رسول الله أيُّ الصَّومِ أفضَلُ قال: "صَوْمُ شَعبانَ تَعظِيمًا لرَمضَانَ". قيل: فأَيُّ الصّدَقةِ أفضَلُ، قال: "صَدقَةٌ في رمضَانَ". هذا حَديثٌ غريبٌ أخرجَه الترمذي عن البُخَاريّ. وضعّفَ الحافظُ ابن حجرٍ إسنَادَه.ورواه البيهقي في السُّنَن الكبرى).